ثلاثة مؤتمرات وثلاث عبر

الرابط : اراء حرة :
أ.د. حسيب شحادة :جامعة هلسنكي :
عُقدت في السنتين ١٩٩٣-١٩٩٤ ثلاثة مؤتمرات في‏ ‬دول الشمال، دارت أبحاثُها حول الدراسات ا اليهودية بشتّى أنواعها‏. ‬استضافت مدينة لوند السويدية المؤتمرَ‏ ‬الأوّل في‏ ‬ربيع عام ‏١٩٩٣‬وكان ذلك بمثابة المؤتمر الخامس لدول الشمال-السويد والدانمارك والنرويج وفنلندا‏. ‬وفي‏ ‬ربيع سنة ١٩٩٤‬ أُقيم المؤتمر الثاني‏ ‬حول اللغة العبرية في‏ ‬ابنة البلطيق‏ (‬هلسنكي‏) ‬وفي‏ ‬صيف السنة ذاتها تمّ‏ ‬انعقاد الم مؤتمر الثالث في‏ ‬كوبنهاچن‏. ‬كان كاتب هذه السطور قد اشترك في‏ ‬هذه المؤتمرات وظن أنه ربما كان من‏ ‬المناسب ب إطلاع القارىء الكريم عامة والعربي‏ ‬على وجه الخصوص على ثلاثة أحداث،‏ ‬يتمخّض كل واحد منها عن عبرة ‘ ذات صلة ببني‏ ‬يعرب‏.‬

سفينة نوح والعربي
في تاريخ ‏١٠-١٢ ‬أيار ‏١٩٩٣‬ استضافت مدينة لوند في‏ ‬جنوب السويد المؤتمرَ‏ ‬الخامس لدول الشمال حول الدراسات اليهودية حيث أُلقيت خلاله عشرون محاضرة‏. ‬تناولت تلك المحاضرات مواضيعَ‏ ‬مختلفةً‏ ‬نذكر منها على سبيل المثال‏: ‬صورة الله في‏ ‬سفر‏ ‬يونان؛ المزيد عن نساء‏ ‬يهوديات في‏ ‬التاريخ؛ بع ‘daض الانعكاسات في‏ ‬استعمال الرسم العربي‏ ‬في‏ ‬نصوص عربية‏ ‬يهودية؛ الدراسات اليهودية في‏ ‬السويد؛ ثيودور هرتصل وحلم دولته اليهودية؛ العبرية الحية في‏ ‬اسكندنافيا في‏ ‬القرنين الرابع عشر والسادس عشر؛ سفر أيوب كعمل أدبي؛ اللاسامية؛ الوضع الديموغرافي‏ ‬لليهود في‏ ‬الدانمارك؛ نظرات في‏ ‬الترجمة العربية لتوراة السامريين ؛ فريضة العماليق‏. ‬والعماليق اسم‏ ‬لشعب قديم أقام جنوبي‏ ‬كنعان وشنّ‏ ‬حرباً‏ ‬ضد   بني‏ ‬إسرائيل عند تجوالهم في‏ ‬الصحراء وبمرور الوقت أُطلق هذا الاسم عامة على كل من‏ ‬يكنّ‏ ‬الكراهية والبغضاء لإسرائيل‏. ‬وورد في‏ ‬سفر الخروج في‏ ‬الإصحاح السابع عشر،‏ ‬الاعداد ‏٨-١٦ ‬ما‏ ‬يلي‏ ‬عن محاربة   العماليق‏: “‬وجاء بنو العماليق،‏ ‬فحاربوا اسرائيل في‏ ‬رفيديم‏. ‬فقال موسى ليشوع‏: “‬خذ خيرة رجالك وا خرج لمحاربة العماليق،‏ ‬وغدا أقف على رأس التلة وعصا الله في‏ ‬يدي‏”. ‬ففعل‏ ‬يشوع كما قال له موسى وحارب العماليق،‏ ‬وموسى وهرون وحور صعِدوا إلى رأس التلة‏. ‬فكان إذا رفع موسى‏ ‬يده‏ ‬ينتصر بنو إسرائيل،‏ ‬وإ إذا حطّ‏ ‬يده‏ ‬ينتصر العماليق‏. ‬ولما تعبت‏ ‬يدا موسى،‏ ‬أقعده هرون وحور على‎ ‬حجر وسندا‏ ‬يديه،‏ ‬أحدهما   من هنا والآخر من هناك،‏ ‬فكانت‏ ‬يدا موسى ثابتتين إلى‏ ‬غروب الشمس‏. ‬فهزم‏ ‬يشوع بني‏ ‬عماليق بحد ‬السيف‏. ‬وقال الرب لموسى‏: “‬أكتب خبر هذا النصر ذِكراً‏ ‬في‏ ‬الكتاب وقل ليشوع‏: “‬سأمحو ذكر عماليق من تحت    السماء‏”. ‬وبنى‎ ‬موسى مذبحاً‏ ‬وسماه‏: ‬الرب رايتي‏. ‬وقال‏: ‬رفع بنو عماليق أيديهم على عرش الرب فسيح حاربهم الرب جيلاً‏ ‬بعد جيل ‏”.‬
ومما‏ ‬يجدر ذكره أن لوند،‏ ‬مدينة المؤتمرات،‏ ‬التي‏ ‬أقامها على ما‏ ‬يبدو،‏ ‬الملك الدانماركي‏ ‬Svend Forkberd‏ ‬عام٩٩٠م قد لعبت دوراً‏ ‬قيادياً‏ ‬في‏ ‬السياسة والدين والثقافة والتجارة في‏ ‬كا! فة البلاد الاسكندناڤية‏. ‬وتقع هذه المدينة الجامعية في‏ ‬مقاطعة سكانيا حيث الأرض خصبة والمناظر خلابة حقا  لا سيما في‏ ‬فصل الربيع‏. ‬وقد أُسست جامعة لوند سنة ١٦٦٦ ‬وفتحت أبوابها لطالبي‏ ‬العلم والمعرفة بعد عامين من ذلك‏. ‬يدرس في‏ ‬هذه الجامعة في‏ ‬الوقت الراهن ثلاثون ألف طالب وطالبة تقريبا‏. ‬تعتبر مكتبة جا معة لوند كبرى مكتبات الدراسة والبحث في‏ ‬السويد إذ تضمّ حوالي‏ ‬ثلاثة ملايين ونصف المليون من المجل 1دات‏. ‬وفي‏ ‬المكتبة قسم خاص بالمخطوطات ويعود تاريخ أقدمها إلى القرن الثاني‏ ‬عشر‏. ‬

وفي‏ ‬هذا المجال لا بد من ذكر كاتدرائية‏ (‬كنيسة الكرسي‏ ‬الاسقفي‏) ‬لوند الشهيرة التي‏ ‬بدئ بتشييد  دها في‏ ‬مستهل القرن الثاني‏ ‬عشر‏. ‬ويعود سبب بنائها إلى زيارة الملك الدانماركي‏ ‬Irik Ejegod‏ ‬لقداسة الحبر  الأعظم البابا خلال تواجده في‏ ‬مدينة السلام،‏ ‬القدس الشريف،‏ ‬عام ١١٠٣م‏. ‬وخلال هذا اللقاء تمكّن العاهل من إقناع البابا بضرورة استقلال الدانمارك وانسلاخها عن أبرشية‏ (‬أسقفية‏) ‬هامبورغ‏ – ‬بريمن وأن تحظى ببطريرك خاص بها‏ ‬يكون مقره في‏ ‬لوند‏. ‬وفي‏ ‬الوقت ذاته أصبح مطران لوند الزعيم الروحيَّ‏ ‬لبلاد اسكن  دنافيا برمتها‏. ‬وهكذا كان لمركز لوند الديني‏ ‬اليد الطولى في‏ ‬الإسراع بإقامة كاتدرائية تليق بالمدينة العريقة‏. ‬ساهم في‏ ‬عملية البناء،‏ ‬التي‏ ‬وضع خطتها بطريرك وملك،‏ ‬مهندسون معماريون من قوميات مختلة‏. ‬تعرّضت الكاتدرائية في‏ ‬تاريخها الطويل لحريق نشب فيها سنة ‏١٢٣٤م ولم ترمّم الأضرار بكاملها إ   لا بعد مضي‏ ‬حوالي‏ ‬ستة قرون‏. ‬في‏ ‬عام ١٦٥٨‬ أصبحت منطقة سكانيا ومن ضمنها مدينة لوند سويدية‏. ‬والصلة بين ! الجامعة والكاتدرائية وثيقة،‏ ‬فطقوس حفلة تدشين الجامعة في‏ ‬لوند جرت في‏ ‬الكاتدرائية‏. ‬كما أن بع ‘daض الأقسام في‏ ‬الكنيسة كانت قد استخدمت كقاعات للمحاضرات‏. ‬وتقام حتى هذا اليوم مراسيم منح درجة الدكتوراة  2  في‏ ‬نهاية كل سنة أكاديمية في‏ ‬الكاتدرائية‏. ‬والفن المعماري‏ ‬المتجسّد في‏ ‬الكاتدرائية التي‏ ‬ا  استغرق بناؤها ما‏ ‬يقارب الستين عاماً‏ ‬يزخر بالرموز الدينية المستمدة من الكتاب المقدس‏. ‬إن الكاتدرائية   رمز للقدس السماوية‏ (‬العليا‏) ‬والهيكل في‏ ‬المركز‏ ‬يرمز إلى الجلجلة،‏ ‬قبر المسيح وموقع بعثه‏. ‬  أما جدران الكنيسة فترمز إلى‎ ‬أسوار المدينة المقدسة‏. ‬وهناك ساعة فلكية من العصور الوسطى ذات شهرة كبيرة‏   ?Horologum‏ ‬يعود تاريخها إلى عام ١٣٨٠م وقد رمّمت كلياً‏ ‬سنة ‏١٩٢٣. ‬وأخيراً‏ ‬مركز الكون هو الأرض‏  ‬وبتعبير أدقَّ‏ ‬هو لوند‏.‬
خلال انعقاد المؤتمرات‏ ‬يتسنّى للمشارك الالتقاء بزملاء قدامى وكذلك التعرّف على و  وجوه جديدة‏. ‬وهكذا حدث لكاتب هذه السطور إذ تعرّف على بعض المشاركين الجدد‏. ‬كان من ضمنهم محاضر اسكن  ندناڤي‏ ‬وزوجته وابنهما‏. ‬كانت هذه العائلة الصغيرة قد عاشت مدة من الزمن في‏ ‬القدس ودرس ربّ‏ ‬العائلة اللغةَ‏ ‬العبرية هناك‏. ‬وخلال مكوث العائلة في‏ ‬مدينة السلام أنجبت الأم ابنَهما البكر‏. ‬هذه التفاصيل  ل وغيرها مثل ولعهما بالقدس وتشوقهما الشديد لزيارتها قد وردت في‏ ‬أحاديثي‏ ‬مع الزميل الاسكندنافي‏ ‬ودعنا    نطلق عليه هنا الاسم “بطرس”‏. ‬تطرقت أحاديثنا،‏ ‬التي‏ ‬جرت باللغة العبرية وخلال فترات الاستراحة،‏   ‬إلى مواضيعَ‏ ‬شتى،‏ ‬علمية واجتماعية وسياسية‏. ‬كان لمنطقة الشرق الأوسط والنزاع العربي‏ ‬الاسرائيلي‏ ‬نصيب لا بأس به من تلك المحادثات‏.‬
في‏ ‬مركز مدينة لوند،‏ ‬بالقرب من الجامعة والكاتدرائية،‏ ‬مكتبة‏ (‬محل تجاري‏ ‬لبيع الكتب‏) ‬معروفة تحمل الاسم‏ “‬سفينة نوح‏”. ‬كنت قد سمعت الكثير عنها من صديق لي،‏ ‬قسّيس فنلندي‏ ‬نا  طق بالسويدية،‏ ‬وكنا قد تقابلنا للمرة الأولى في‏ ‬مدينة القدس وهناك درس اللغة العربية‏. ‬تختصّ المكتبة المذكورة،‏ ‬ذات الحجم المتوسط،‏ ‬ببيع كتب لاهوتية مسيحية ويهودية،‏ ‬وقرّرتُ زيارتها خلال إقامتي‏ ‬ا لقصيرة في‏ ‬مدينة لوند‏. ‬وهكذا كان،‏ ‬ففي‏ ‬ظهيرة‏ ‬يوم ربيعيي‏ ‬مشمس توجّهت إلي‏ “‬السفينة‏” ‬واشتريت كتابين بالإنجليزية،‏ ‬يحمل الكتاب الأول العنوان‏ “‬عودة إلى الجذور‏- ‬قراءة النصوص اليهودية الكلاسيكية‏” – ‬وهو عبارة عن مجموعة مقالات مطوّلة‏ ‬يعالج فيها الباحثون قضية قراءة النصّ وتفقّهه في‏ ‬التوراة والتلمود والمشناة‏ (‬التوراة الشفوية‏) ‬وتفاسير التوراة في‏ ‬القرون الوسطى والفلسفة اليهودية في‏ ‬القرون الوسطى والحركة الباطنية اليهودية‏ (‬القبّالاة؛‏ ‬הקבלה‏) ‬وتعاليم الحركة الحسيدية‏ (‬חסידות،‏ ‬تأس 3ّست في‏ ‬أوروبا الشرقية في‏ ‬القرن الثامن عشر‏) ‬وكتب الصلوات‏. ‬أما الكتاب الثاني‏ ‬فهو ذو طابع هزلي‏ ‬ويحمل العنوان‏ “‬أحسن النكات اليهودية في‏ ‬العالم‏” ‬الصادر في‏ ‬لندن عام ١٩٨٤‬وأعيدت طباعته عام ‏١٩٩٢. ! ‬في‏ ‬هذه السلسلة نُشر العديد من الكتب نذكر منها،‏ ‬على‎ ‬سبيل المثال،‏ ‬أحسن نكات العالم القذرة؛    نكات الأطباء؛ النكات الروسية؛ نكات حول الزواج؛ نكات عن كرة القدم‏.‬

أذكر جيداً‏ ‬أنه بينما كنت أتصفّح هذا الكتيّب في‏ ‬أحد أركان‏ “‬السفينة‏” ‬اذ بسطرين قصيرين‏ (‬ص‏. ٢٤) ‬يجذبان انتباهي‏. ‬مفادهما بلغة الضاد‏: “‬لماذا أنوف اليهود كبيرة؟ حسناً،‏ ‬الهوا  اء مجاني‏”. ‬علينا أن ننوّه بأن جامع طرائف هذا الكتيب‏ ‬يهودي‏ ‬ويدعى ابن اليعزر‏. ‬في‏ ‬تلك اللحظات وبينما    كنت اقلب صفحاتِ‏ ‬الكتيب دخلت‏ “‬السفينةَ‏” ‬زوجة بطرس وهي‏ ‬اسكندناڤية أيضاً‏ ‬وبصحبتها ابنها الم! قدسي‏ ‬المولد،‏ ‬الاسكندناڤي‏ ‬الموطن،‏ ‬المسيحي‏ ‬المذهب،‏ ‬والبالغ‏ ‬من العمر بضع سنين‏. ‬بعد السلام وا  لتحية طرحت عليّ‏ ‬السيدةُ‏ ‬السؤالَ‏ ‬المباشر والجريء‏: ‬آمل ألا تكون ذلك العربي‏ ‬المشارك في‏ ‬أعمال المؤتمر؟‏ ‬دُهشت وكدت لا أصدق مسمعي‏ ‬لأول وهلة،‏ ‬أنحن في‏ ‬منطقة الشرق الأوسط حيث أسئلة من هذا القبيل قد ت تكون شبه عادية أم في‏ ‬بلد اسكندنافي‏ ‬حيث الحرية الفردية والحياة الشخصية شبه مقدّسة‏. ‬أجبت السيدة  محاولا جهد استطاعتي‏ ‬إخفاء دهشتي‏ ‬واشمئزازي‏ ‬عن طريق مداعبة ذلك الطفل البريء بقولي‏: “‬في‏ ‬الواقع،‏ ‬   لا علمَ‏ ‬لي‏ ‬يا سيّدة‏ ‬بوجود أي‏ ‬عربيٍّ‏ ‬آخرَ‏ ‬في‏ ‬هذا المؤتمر‏”. ‬لا أرى داعياً‏ ‬في‏ ‬الإسها  ب بما حلّ‏ ‬بالمرأة من دهشة جامحة مقرونة بارتباك وخجل إثر سماعها لجوابي‏ ‬الذي‏ ‬وقع عليها وقوع الصاعقة‏.    ‬حاولت السيدة دون نجاح باهر أن تظهر أن سؤالها كان زلّة وهفوة وعثرة ولا‏ ‬يعشّش في‏ ‬صدرها أي‏ ‬حقد    وضغينة وسخيمة إزاء العرب‏. ‬ظننت أن هذه المخلوقة لا بدّ‏ ‬أنها قد جرّبت بعضَ‏ ‬العرب واختبرتهم وعجمتهم وا كتشفت فيهم معايب ومثالب ومعاير فقط لا عدّ‏ ‬لها ولا حصر‏. ‬ظنّي‏ ‬هذا سرعان ما خاب فانها لم تلتق بأي ‏ ‬عربي‏ ‬على الاطلاق من قبلُ‏. ‬من نافلة القول التنويه بأن لا علاقة تذكر بين مغزى سؤال السيدة آنف الذكر وا! لديانة المسيحية التي‏ ‬تعتنقها‏. ‬الديانة المسيحية كما‏ ‬يعرف كل دان وقاص تقوم على المحبة كما قال    المسيح مثلاً‏ ‬في‏ ‬انجيل متّى ‏٥: ٤٤ “‬أحبوا أعداءكم،‏ ‬باركوا لاعنيكم،‏ ‬أحسنوا إلى مبغضيكم‏!”.‬

العبرية في‏ ‬عروس البلطيق
في‏ ‬تاريخ ‏٢٣-٢٥ ‬من أيار ١٩٩٤‬عقد المؤتمر العبري‏ ‬العلمي‏ ‬الحادي‏ ‬عشر في‏ ‬أوروب! ا في‏ ‬عاصمة فنلندا‏. ‬اشترك في‏ ‬هذا اللقاء العلمي‏ ٣٠ – ٤٠ ‬شخصا وألقى عشرون محاضراً‏ ‬وباحثا محاضر 1اتِهم التي‏ ‬تناولت مواضيعَ‏ ‬متعلقة باللغة العبرية وآدابها على مرّ العصور‏. ‬من هذه المواضيع نذكر‏: ‬ترجمة الكاليڤالا ‏ ‬إلى العبرية؛ أحاد هعام‏ ‬‏(‬אשר גינצברג‏, ١٨٥٦-١٩٢٧) ‬وإحياء اللغة العبرية؛ تدريس ! لغة العهد القديم‏ ‬‏(‬התנ”ך‏) ‬في‏ ‬سانت بطرسبورغ؛ بين الشخصية والشعار‏ – ‬التعبير عن النزاع اليهود دي‏ ‬العربي‏ ‬في‏ ‬الأدب الاسرائيلي‏ ‬في‏ ‬السنوات الأخيرة؛ مشاكل الترجمة من الأدب العبري‏ ‬الحديث إلى الالمانية؛ الفولكلور اليهودي‏ ‬ودوره في‏ ‬نشر العبرية في‏ ‬روسيا؛ تعليم العبرية كلغة ثانية ومكانة تدريس قواعدها خارج إسرائيل؛ أوزان الفعل في‏ ‬عبرية المشناة؛ اللغة العبرية في‏ ‬كتابي ‏ ‬ابراهام فيركوڤتش القرائي‏ (١٧٨٧-١٨٧٤)‬؛ العنصر العبري‏ ‬في‏ ‬اللغة العربية المحكية ة لدى‏ ‬يهود شمال افريقيا؛ العبرية على أرض بولندا في‏ ‬القرن الثامن عشر‏. ‬ينتمي‏ ‬المحاضرون إلى دو  ل أوروبية عديدة مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا وروسيا وهنغاريا والنمسا وفنلندا ومن دولتين في‏ ‬الش شرق الأوسط هما جمهورية مصر العربية واسرائيل‏.‬
الوثاق‏ (‬الاتحاد،‏ ‬العروة‏) ‬العبري‏ ‬العالمي‏ ‬يقوم بتنظيم مثل هذه المؤتمرات مر   ّة كل سنتين في‏ ‬جامعة أوروبية فيها أستاذية للغة العبرية أو للدراسات اليهودية‏. ‬مركز هذا الاتحاد   في‏ ‬القدس وهو عضو في‏ ‬الكونغرس اليهودي‏ ‬العالمي‏ ‬ومرتبط بالنقابة الصهيونية العالمية والمنظمة العالمية للنساء الصهيونيات‏ ‬WIZO, Women’s) (International Zionist Organization‏. ‬تأسّست العروة عام ‏١٩٣١ ‬في‏ ‬برلين حيث اجتمعت نخبة من المفكّرين ا  ليهود للتباحث في‏ ‬موضوع نشر معرفة اللغة العبرية في‏ ‬التجمّعات اليهودية في‏ ‬أوروبا وترأسها آنذاك الشاعر القومي‏ ‬حاييم نحمان بيالك‏ (١٨٧٣- ١٩٣٤). ‬ترى هذه العروة،‏ ‬التي‏ ‬عقدت مؤتمرها الأول في‏ ‬سويسرا عا م ‏١٩٧٤،‏ ‬أن مستقبل الشعب اليهودي‏ ‬منوط بالحفاظ على صلة وطيدة بين الشعب واللغة والأرض‏. ‬الهدف الأساسي‏   ?لهذا الاتحاد،‏ ‬كما أشرنا إليه سابقاً،‏ ‬هو أن‏ ‬يتكلم كل‏ ‬يهودي‏ ‬في‏ ‬أوروبا اللغة العبرية كلغت ته الثانية أي‏ ‬بعد لغة البلاد التي‏ ‬يسكن فيها‏. ‬بعبارة أخرى،‏ ‬أن تكون اللغة العبرية حيّة محكية خارج إسر رائيل أيضا‏. ‬والجدير بالذكر أن اللغة العبرية أصبحت لغة محكية في‏ ‬العصر الحديث منذ أواخر القرن الت ‘caاسع عشر وذلك إثر جهود إليعزر بن‏ ‬يهودا‏ (١٨٥٧-١٩٢٢) ‬وآخرين ‏. ‬قبل ذلك وخلال حقبة زمنية طويلة،‏ ‬حوالي‏ ‬سبعة عشر قرناً،‏ ‬اقتصر استعمال العبر! ية على الكتابة‏. ‬شعار المنظمة‏: ‬أيها اليهودي‏ ‬تكلّمِ‏ ‬العبريةَ‏! ‬فالعبرية همزة الوصل بين الانس ان اليهودي‏ ‬وماضيه وهي‏ ‬بمثابة الجسر لنهضة اسرائيل‏.‬
لا شك أن الهدف الذي‏ ‬وضعته هذه الحركة التطوعية نصب أعينها صعب المنال وهي‏ ‬تسعى جا دة لتحقيق بعض النجاح في‏ ‬طريقها الطويل والشائك‏. ‬بالاضافة إلى تنظيم المؤتمرات تقوم هذه الحركة بف  فعاليات عديدة منها إقامة النادي‏ ‬العبري‏ ‬وهو اليد اليمنى للحركة في‏ ‬كل مدينة أوروبية فيها جالية‏ ‬يهود  ية‏. ‬يعمل هذا النادي‏ ‬كنواة تستقطب حولها كل المعنيين باللغة العبرية والمحافظة عليها حية محكية  ‏. ‬تزوّد العروةُ‏ ‬النادي‏ ‬بالصحف والمجلات والكتب الدراسية اللازمة ووسائل تعليمية مختلفة وأشرطة فيديو‏ . ‬كما وتلقى محاضرات في‏ ‬النادي‏ ‬ومن الممكن ممارسة ألعاب اجتماعية جمّة والاشتراك في‏ ‬الغناء وال! رقص الشعبي‏ ‬وكل ذلك من أجل خلق تجمّع اجتماعي‏ ‬وثيق تحت كنف اللغة العبرية‏. ‬تُصدر العروة أعمال مؤتمراته   ا العلمية ضمن سلسلة‏ “‬شعب وكتاب‏” ‬وكذلك نشرة دورية تعنى بأخبارها‏. ‬
في‏ ‬هلسنكي‏ ‬أقيم النادي‏ ‬العبري‏ ‬رسمياً‏ ‬في‏ ‬مقر الجالية اليهودية أثناء انعقاد المؤتمر في‏ ‬الجامعة في‏ ‬عمارة پورتانيا‏. ‬بالإضافة إلى النادي،‏ ‬هناك في‏ ‬وسط المدينة الكنيس   الذي‏ ‬أقيم عام ١٩٠٦‬وروضة أطفال ومدرسة ابتدائية‏ ‬يهودية تدرّس العبرية والثقافة اليهودية أيضا‏. ‬كما وهناك دار للمسنين ومستشفى صغير منذ الستينات وجوقة ومكتبة تضم بضعة آلاف من المجلدات حول الدراسات اليه! ودية باللغات،‏ ‬الإنجليزية والألمانية والسويدية والفنلندية والإيدش‏.‬
وأخيراً‏ ‬لا بدّ‏ ‬من التنويه بأمرين هامين‏. ‬أولهما،‏ ‬بلغت ميزانية الحركة التطوعية من أجل إعلاء   588 شأن اللغة العبرية المحكية لدى الجاليات اليهودية في‏ ‬أوروبا في‏ ‬عام ‏١٩٩٤‬ثمانين ألف دولار أمريكي ‏ ‬حصلت عليها من النقابة الصهيونية ومن التبرّعات‏. ‬ثانيهما،‏ ‬يتحتّم على جميع المشاركين في‏ ‬أعمال مؤتمر! ات هذه الحركة إلقاء محاضراتهم وطرح الأسئلة وإبداء الملاحظات والتحفظات الخ باللغة العبرية فقط‏.‬

العماليق والدعوة في‏ ‬كوبنهاجن
في‏ ‬تاريخ ‏١٤-١٨ ‬من آب ‏١٩٩٤‬عقدت الرابطة الأوروبية للدراسات اليهودية‏ ‬EAJS,) (European Association for Jewish Studies‏ ‬مؤتمرَها الخامس ت u1581 حت العنوان‏ “‬الدراسات اليهودية في‏ ‬أوروبا الجديدة‏” ‬في‏ ‬عاصمة الدانمارك‏. ‬تأسست الرابطة عام ١٩ u1640 ?١ ‬في‏ ‬جامعة أكسفورد حيث أقيم فيها المؤتمران الأول والثاني‏ ‬ثم في‏ ‬برلين وباريس‏. ‬شارك في‏ ‬المؤتمر زه ‘e5اء مائة وخمسين شخصاً‏ ‬من مختلف أنحاء العالم وألقيت أكثر من مائة وعشرين محاضرة تناولت مواضيع ذات ع  علاقة بأحد ميادين المعرفة التالية‏:‬
‏١) ‬فن وعلم آثار
‏٢) ‬أرشيفات ومكتبات ومتاحف
‏٣) ‬تاريخ اليهود
‏٤) ‬كتاب العهد القديم وعلم التفسير
‏٥) ‬التلمود والمشناة
‏٦) ‬فلسفة وتصوّف
‏٧) ‬لغات‏ ‬يهودية
‏٨) ‬الأدب العبري
‏٩) ‬علوم اجتماعية
في‏ ‬مثل هذه اللقاءات العلمية الكبيرة لا مندوحة للمشارك من تفحّص البرنامج واختيار    مسبق للمحاضرات التي‏ ‬يود الاستماع إليها‏. ‬لا نضيف شيئا جديدا اذا ذكرنا بأن الفهم الكامل والدقيق    للمحاضرات‏ ‬يتمّ‏ ‬بعد نشرها كاملة وقراءتها بتمعّن وتروّ‏. ‬في‏ ‬هذه العجالة نود التنويه بمحاضرة عالجت م  8 وضوع وصية العماليق في‏ ‬اليهودية‏. ‬توصّل المحاضر السويدي في‏ ‬بحثه المسهب هذا بأن في‏ ‬بعض التيارا ات الفكرية اليهودية‏ ‬يمكن أن نجد فريضة العماليق،‏ ‬أي‏ ‬يحقّ لليهودي‏ ‬قتل‏ ‬غير اليهودي‏ (‬الچوي‏). ‬وقد   2 قرأنا‏ ‬في‏ ‬جريدة هآرتس الإسرائيلية اليومية‏ (٧ ‬شباط ‏١٩٩٥) ‬مقالا‏ ‬يتعلّق بنفس الموضوع‏. ‬الوصية‏  ‏ “‬لا تقتل‏” ‬الواردة في‏ ‬سفر الخروج ٢٠: ١٣ بناء على اجتهاد بعض الفقهاء اليهود تعني‏ ‬لا تقتل‏ ‬يهوديا‏! ‬كم 5 ا وورد في‏ ‬الصحيفة بأن العديد من كبار الحاخامين اليهود في‏ ‬إسرائيل لا‏ ‬يرون أي‏ ‬مسوّغ‏ ‬لتقديم    من‏ ‬يرى أن قتل‏ ‬غير اليهودي‏ ‬أمر محلل للمحاكمة‏.‬
أثارت المحاضرة المذكورة حفيظة أستاذ إسرائيلي‏ ‬بشكل واضح وقال إن بيت القصيد خطير ج  جدا،‏ ‬لدى كل‏ ‬يهودي‏ ‬طاقة كامنة للقتل‏. ‬وهكذا توجّه الاستاذ إلى منظِّمي‏ ‬الكونغرس وطالب بعقد ا! جتماع عاجل وعامّ،‏ ‬علني‏ ‬واستثنائي‏ ‬لبحث الموضوع‏. ‬تمّ‏ ‬الاجتماع الاستثنائي‏ ‬ولا‏ ‬يخفى على القارىء  ء النجيب اللبيب بأنه لا‏ ‬يمكن تحقيق الكثير في‏ ‬مثل هذه الاجتماعات العامة فكل شخص في‏ ‬أغلب الأحيا ن لا‏ ‬يتزحزح قيد أنملة عن موقفه ورأيه‏. ‬وهكذا انفضّ الاجتماع دون أن‏ ‬يتراجع المحاضر عمّا ورد في‏ ‬محاضر اته‏.‬
خرج المحاضرون من القاعة زرافاتٍ‏ ‬ووحدانا ليعودوا إلى فنادقهم إثر نهار طويل ومضن‏   . ‬وحدث لكاتب هذه السطور أن صادف زميله الأستاذ الإسرائيلي‏. ‬بادر الأستاذ قائلاً‏: ‬هيا بنا إلى اللق! اء‏! ‬أتنوي‏ ‬المجيء؟ فوجئتُ‏ ‬وأجبته مستفسراً،‏ ‬أي‏ ‬لقاء تقصد؟ أجاب مندهشا،‏ ‬اللقاء بالسفير،‏ ‬ثم أضا! ف ألم تتلق دعوة من السفارة الإسرائيلية في‏ ‬كوبنهاجن لحفل استقبال وتعارف في‏ ‬دار السفير؟ وعندما    أجبته بالنفي‏ ‬احتدّ‏ ‬الأستاذ المحترم والغيور على حقوق الانسان ثانية وقال‏: ‬أنا أدعوك فجميع المشاركين  الاسرائيليين في‏ ‬المؤتمر مدعوون هذا المساء إلى اللقاء المذكور‏. ‬عقّبت على هذا الخبر باقتضاب وقلت : ‬معذرة لا‏ ‬يُعقل الانضمام دون دعوة كسائر الناس‏. ‬ثم أردفت قائلاً‏ ‬الحق أقول لك إنني‏ ‬غير مندهش من عد  م تسلّم دعوة فهكذا اعتدت والدهشة ستكون لو وصلتني‏ ‬مثل هذه الدعوة‏.‬

ودّعتُ‏ ‬الاستاذَ‏ ‬متمنياً‏ ‬له وقتاً‏ ‬طيباً‏ ‬في‏ ‬حفلة الاستقبال وقفلتُ عائدا إ! لى الفندق‏. ‬في‏ ‬الطريق التقيت بسيدة‏ ‬يهودية أمريكية مشاركة في‏ ‬المؤتمر ودار بيننا حديث طويل وو دّي،‏ ‬في‏ ‬الظاهر على الأقلّ،‏ ‬عما جرى في‏ ‬الاجتماع الاستثنائي‏ ‬وقضايا كثيرة أخرى‏. ‬عندما علمت تلك السيدة بعض التفاصيل الشخصية عني،‏ ‬مثلاً‏ ‬انني‏ ‬أحمل الجنسية الاسرائيلية،‏ ‬سألتني‏: ‬لماذا لم تلب  دعوة التعارف لهذا المساء؟ أجبتها مستفسراً‏ ‬ولماذا لم تلبي‏ ‬أنت دعوة السفير؟ قالت‏: ‬أنا‏ ‬يهودية أمريكية ولست إسرائيلية والدعوات أرسلت للإسرائيليين أينما كانوا‏. ‬تلك السيدة أقنعتني‏ ‬بأنه لا‏ ‬ينبغي ‏ ‬السكوت على ذلك ولا بدّ‏ ‬من استجلاء الأمر‏. ‬في‏ ‬تلك الأثناء تذكرت سؤالاً‏ ‬كان قد طرحه عليّ‏ ‬قبل‏ ‬يوم م محاضر‏ ‬يهودي‏ ‬إسرائيلي‏ أعرفه ‬نزل في‏ ‬نفس الفندق‏. ‬سؤاله كان‏: ‬هل ما زلتَ‏ ‬محتفظاً‏ ‬بجواز ا   لسفر الإسرائيلي؟ أجبته نعم وأضفت لماذا تسأل؟ قال‏ ‬סתם‏ ‬‏(‬هيك‏) ‬ثم أفصح إثر تدخّل زوجته وقال‏: ‬هناك دعو ة للمشاركين الذين‏ ‬يحملون جوازات سفر إسرائيلية وجّهها إليهم السفير الإسرائيلي‏ ‬لدى الدانمارك‏.! ‬
قبل مغادرتي‏ ‬كوبنهاجن عائداً‏ ‬إلى هلسنكي‏ ‬أرسلت رسالة قصيرة للسيد السفير الاسر ائيلي‏ ‬ورد فيها ما ترجمتُه‏:‬
‏”‬علمت بأن سعادة السفير قد دعا البارحة الإسرائىليين المشاركين في‏ ‬أعمال المؤتمر لحفلة تعارف واستقبال‏. ‬للأسف لم‏ ‬يتسن لي‏ ‬لقاء سعادته والتحدث إليه كباقي‏ ‬الإسرائيليين‏”.‬
وصلني‏ ‬رد السفير بعد حوالي‏ ‬أسبوعين قال فيه‏:‬
‏”‬أسفت عند سماعي‏ ‬عن الحادثة المؤسفة لعدم ورود اسمك في‏ ‬قائمة المحاضرين الذين دع  عوا لحفلة تعارف واستقبال في‏ ‬منزلي‏. ‬لسوء الطالع لم تكن قائمة المشتركين الإسرائيليين في‏ ‬المؤتم! ر في‏ ‬متناول‏ ‬يدي،‏ ‬بل أرسلها منظِّمو الكونغرس إلى السفارة‏. ‬لذلك لم‏ ‬يعلم العاملون في‏ ‬السفارة شيئا اً‏ ‬عن اشتراكك في‏ ‬المؤتمر ومن هنا نشأت‏ <‬الفشلة‏>. ‬آسف على ‬الامتعاض وكلي‏ ‬ثقة بأنك تعي‏ ‬أن ما   حدث جاء نتيجة سهو مؤسف‏. ‬فيما‏ ‬يتعلق بالمستقبل فيسرّني‏ ‬أن ألقاك في‏ ‬كل وقت تتواجد فيه في‏ ‬كوبنهاجن‏”   .‬