الرابط : اراء حرة :
أ.د. حسيب شحادة :جامعة هلسنكي :
عُقدت في السنتين ١٩٩٣-١٩٩٤ ثلاثة مؤتمرات في دول الشمال، دارت أبحاثُها حول الدراسات ا اليهودية بشتّى أنواعها. استضافت مدينة لوند السويدية المؤتمرَ الأوّل في ربيع عام ١٩٩٣وكان ذلك بمثابة المؤتمر الخامس لدول الشمال-السويد والدانمارك والنرويج وفنلندا. وفي ربيع سنة ١٩٩٤ أُقيم المؤتمر الثاني حول اللغة العبرية في ابنة البلطيق (هلسنكي) وفي صيف السنة ذاتها تمّ انعقاد الم مؤتمر الثالث في كوبنهاچن. كان كاتب هذه السطور قد اشترك في هذه المؤتمرات وظن أنه ربما كان من المناسب ب إطلاع القارىء الكريم عامة والعربي على وجه الخصوص على ثلاثة أحداث، يتمخّض كل واحد منها عن عبرة ‘ ذات صلة ببني يعرب.
سفينة نوح والعربي
في تاريخ ١٠-١٢ أيار ١٩٩٣ استضافت مدينة لوند في جنوب السويد المؤتمرَ الخامس لدول الشمال حول الدراسات اليهودية حيث أُلقيت خلاله عشرون محاضرة. تناولت تلك المحاضرات مواضيعَ مختلفةً نذكر منها على سبيل المثال: صورة الله في سفر يونان؛ المزيد عن نساء يهوديات في التاريخ؛ بع ‘daض الانعكاسات في استعمال الرسم العربي في نصوص عربية يهودية؛ الدراسات اليهودية في السويد؛ ثيودور هرتصل وحلم دولته اليهودية؛ العبرية الحية في اسكندنافيا في القرنين الرابع عشر والسادس عشر؛ سفر أيوب كعمل أدبي؛ اللاسامية؛ الوضع الديموغرافي لليهود في الدانمارك؛ نظرات في الترجمة العربية لتوراة السامريين ؛ فريضة العماليق. والعماليق اسم لشعب قديم أقام جنوبي كنعان وشنّ حرباً ضد بني إسرائيل عند تجوالهم في الصحراء وبمرور الوقت أُطلق هذا الاسم عامة على كل من يكنّ الكراهية والبغضاء لإسرائيل. وورد في سفر الخروج في الإصحاح السابع عشر، الاعداد ٨-١٦ ما يلي عن محاربة العماليق: “وجاء بنو العماليق، فحاربوا اسرائيل في رفيديم. فقال موسى ليشوع: “خذ خيرة رجالك وا خرج لمحاربة العماليق، وغدا أقف على رأس التلة وعصا الله في يدي”. ففعل يشوع كما قال له موسى وحارب العماليق، وموسى وهرون وحور صعِدوا إلى رأس التلة. فكان إذا رفع موسى يده ينتصر بنو إسرائيل، وإ إذا حطّ يده ينتصر العماليق. ولما تعبت يدا موسى، أقعده هرون وحور على حجر وسندا يديه، أحدهما من هنا والآخر من هناك، فكانت يدا موسى ثابتتين إلى غروب الشمس. فهزم يشوع بني عماليق بحد السيف. وقال الرب لموسى: “أكتب خبر هذا النصر ذِكراً في الكتاب وقل ليشوع: “سأمحو ذكر عماليق من تحت السماء”. وبنى موسى مذبحاً وسماه: الرب رايتي. وقال: رفع بنو عماليق أيديهم على عرش الرب فسيح حاربهم الرب جيلاً بعد جيل ”.
ومما يجدر ذكره أن لوند، مدينة المؤتمرات، التي أقامها على ما يبدو، الملك الدانماركي Svend Forkberd عام٩٩٠م قد لعبت دوراً قيادياً في السياسة والدين والثقافة والتجارة في كا! فة البلاد الاسكندناڤية. وتقع هذه المدينة الجامعية في مقاطعة سكانيا حيث الأرض خصبة والمناظر خلابة حقا لا سيما في فصل الربيع. وقد أُسست جامعة لوند سنة ١٦٦٦ وفتحت أبوابها لطالبي العلم والمعرفة بعد عامين من ذلك. يدرس في هذه الجامعة في الوقت الراهن ثلاثون ألف طالب وطالبة تقريبا. تعتبر مكتبة جا معة لوند كبرى مكتبات الدراسة والبحث في السويد إذ تضمّ حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون من المجل 1دات. وفي المكتبة قسم خاص بالمخطوطات ويعود تاريخ أقدمها إلى القرن الثاني عشر.
وفي هذا المجال لا بد من ذكر كاتدرائية (كنيسة الكرسي الاسقفي) لوند الشهيرة التي بدئ بتشييد دها في مستهل القرن الثاني عشر. ويعود سبب بنائها إلى زيارة الملك الدانماركي Irik Ejegod لقداسة الحبر الأعظم البابا خلال تواجده في مدينة السلام، القدس الشريف، عام ١١٠٣م. وخلال هذا اللقاء تمكّن العاهل من إقناع البابا بضرورة استقلال الدانمارك وانسلاخها عن أبرشية (أسقفية) هامبورغ – بريمن وأن تحظى ببطريرك خاص بها يكون مقره في لوند. وفي الوقت ذاته أصبح مطران لوند الزعيم الروحيَّ لبلاد اسكن دنافيا برمتها. وهكذا كان لمركز لوند الديني اليد الطولى في الإسراع بإقامة كاتدرائية تليق بالمدينة العريقة. ساهم في عملية البناء، التي وضع خطتها بطريرك وملك، مهندسون معماريون من قوميات مختلة. تعرّضت الكاتدرائية في تاريخها الطويل لحريق نشب فيها سنة ١٢٣٤م ولم ترمّم الأضرار بكاملها إ لا بعد مضي حوالي ستة قرون. في عام ١٦٥٨ أصبحت منطقة سكانيا ومن ضمنها مدينة لوند سويدية. والصلة بين ! الجامعة والكاتدرائية وثيقة، فطقوس حفلة تدشين الجامعة في لوند جرت في الكاتدرائية. كما أن بع ‘daض الأقسام في الكنيسة كانت قد استخدمت كقاعات للمحاضرات. وتقام حتى هذا اليوم مراسيم منح درجة الدكتوراة 2 في نهاية كل سنة أكاديمية في الكاتدرائية. والفن المعماري المتجسّد في الكاتدرائية التي ا استغرق بناؤها ما يقارب الستين عاماً يزخر بالرموز الدينية المستمدة من الكتاب المقدس. إن الكاتدرائية رمز للقدس السماوية (العليا) والهيكل في المركز يرمز إلى الجلجلة، قبر المسيح وموقع بعثه. أما جدران الكنيسة فترمز إلى أسوار المدينة المقدسة. وهناك ساعة فلكية من العصور الوسطى ذات شهرة كبيرة ?Horologum يعود تاريخها إلى عام ١٣٨٠م وقد رمّمت كلياً سنة ١٩٢٣. وأخيراً مركز الكون هو الأرض وبتعبير أدقَّ هو لوند.
خلال انعقاد المؤتمرات يتسنّى للمشارك الالتقاء بزملاء قدامى وكذلك التعرّف على و وجوه جديدة. وهكذا حدث لكاتب هذه السطور إذ تعرّف على بعض المشاركين الجدد. كان من ضمنهم محاضر اسكن ندناڤي وزوجته وابنهما. كانت هذه العائلة الصغيرة قد عاشت مدة من الزمن في القدس ودرس ربّ العائلة اللغةَ العبرية هناك. وخلال مكوث العائلة في مدينة السلام أنجبت الأم ابنَهما البكر. هذه التفاصيل ل وغيرها مثل ولعهما بالقدس وتشوقهما الشديد لزيارتها قد وردت في أحاديثي مع الزميل الاسكندنافي ودعنا نطلق عليه هنا الاسم “بطرس”. تطرقت أحاديثنا، التي جرت باللغة العبرية وخلال فترات الاستراحة، إلى مواضيعَ شتى، علمية واجتماعية وسياسية. كان لمنطقة الشرق الأوسط والنزاع العربي الاسرائيلي نصيب لا بأس به من تلك المحادثات.
في مركز مدينة لوند، بالقرب من الجامعة والكاتدرائية، مكتبة (محل تجاري لبيع الكتب) معروفة تحمل الاسم “سفينة نوح”. كنت قد سمعت الكثير عنها من صديق لي، قسّيس فنلندي نا طق بالسويدية، وكنا قد تقابلنا للمرة الأولى في مدينة القدس وهناك درس اللغة العربية. تختصّ المكتبة المذكورة، ذات الحجم المتوسط، ببيع كتب لاهوتية مسيحية ويهودية، وقرّرتُ زيارتها خلال إقامتي ا لقصيرة في مدينة لوند. وهكذا كان، ففي ظهيرة يوم ربيعيي مشمس توجّهت إلي “السفينة” واشتريت كتابين بالإنجليزية، يحمل الكتاب الأول العنوان “عودة إلى الجذور- قراءة النصوص اليهودية الكلاسيكية” – وهو عبارة عن مجموعة مقالات مطوّلة يعالج فيها الباحثون قضية قراءة النصّ وتفقّهه في التوراة والتلمود والمشناة (التوراة الشفوية) وتفاسير التوراة في القرون الوسطى والفلسفة اليهودية في القرون الوسطى والحركة الباطنية اليهودية (القبّالاة؛ הקבלה) وتعاليم الحركة الحسيدية (חסידות، تأس 3ّست في أوروبا الشرقية في القرن الثامن عشر) وكتب الصلوات. أما الكتاب الثاني فهو ذو طابع هزلي ويحمل العنوان “أحسن النكات اليهودية في العالم” الصادر في لندن عام ١٩٨٤وأعيدت طباعته عام ١٩٩٢. ! في هذه السلسلة نُشر العديد من الكتب نذكر منها، على سبيل المثال، أحسن نكات العالم القذرة؛ نكات الأطباء؛ النكات الروسية؛ نكات حول الزواج؛ نكات عن كرة القدم.
أذكر جيداً أنه بينما كنت أتصفّح هذا الكتيّب في أحد أركان “السفينة” اذ بسطرين قصيرين (ص. ٢٤) يجذبان انتباهي. مفادهما بلغة الضاد: “لماذا أنوف اليهود كبيرة؟ حسناً، الهوا اء مجاني”. علينا أن ننوّه بأن جامع طرائف هذا الكتيب يهودي ويدعى ابن اليعزر. في تلك اللحظات وبينما كنت اقلب صفحاتِ الكتيب دخلت “السفينةَ” زوجة بطرس وهي اسكندناڤية أيضاً وبصحبتها ابنها الم! قدسي المولد، الاسكندناڤي الموطن، المسيحي المذهب، والبالغ من العمر بضع سنين. بعد السلام وا لتحية طرحت عليّ السيدةُ السؤالَ المباشر والجريء: آمل ألا تكون ذلك العربي المشارك في أعمال المؤتمر؟ دُهشت وكدت لا أصدق مسمعي لأول وهلة، أنحن في منطقة الشرق الأوسط حيث أسئلة من هذا القبيل قد ت تكون شبه عادية أم في بلد اسكندنافي حيث الحرية الفردية والحياة الشخصية شبه مقدّسة. أجبت السيدة محاولا جهد استطاعتي إخفاء دهشتي واشمئزازي عن طريق مداعبة ذلك الطفل البريء بقولي: “في الواقع، لا علمَ لي يا سيّدة بوجود أي عربيٍّ آخرَ في هذا المؤتمر”. لا أرى داعياً في الإسها ب بما حلّ بالمرأة من دهشة جامحة مقرونة بارتباك وخجل إثر سماعها لجوابي الذي وقع عليها وقوع الصاعقة. حاولت السيدة دون نجاح باهر أن تظهر أن سؤالها كان زلّة وهفوة وعثرة ولا يعشّش في صدرها أي حقد وضغينة وسخيمة إزاء العرب. ظننت أن هذه المخلوقة لا بدّ أنها قد جرّبت بعضَ العرب واختبرتهم وعجمتهم وا كتشفت فيهم معايب ومثالب ومعاير فقط لا عدّ لها ولا حصر. ظنّي هذا سرعان ما خاب فانها لم تلتق بأي عربي على الاطلاق من قبلُ. من نافلة القول التنويه بأن لا علاقة تذكر بين مغزى سؤال السيدة آنف الذكر وا! لديانة المسيحية التي تعتنقها. الديانة المسيحية كما يعرف كل دان وقاص تقوم على المحبة كما قال المسيح مثلاً في انجيل متّى ٥: ٤٤ “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم!”.
العبرية في عروس البلطيق
في تاريخ ٢٣-٢٥ من أيار ١٩٩٤عقد المؤتمر العبري العلمي الحادي عشر في أوروب! ا في عاصمة فنلندا. اشترك في هذا اللقاء العلمي ٣٠ – ٤٠ شخصا وألقى عشرون محاضراً وباحثا محاضر 1اتِهم التي تناولت مواضيعَ متعلقة باللغة العبرية وآدابها على مرّ العصور. من هذه المواضيع نذكر: ترجمة الكاليڤالا إلى العبرية؛ أحاد هعام (אשר גינצברג, ١٨٥٦-١٩٢٧) وإحياء اللغة العبرية؛ تدريس ! لغة العهد القديم (התנ”ך) في سانت بطرسبورغ؛ بين الشخصية والشعار – التعبير عن النزاع اليهود دي العربي في الأدب الاسرائيلي في السنوات الأخيرة؛ مشاكل الترجمة من الأدب العبري الحديث إلى الالمانية؛ الفولكلور اليهودي ودوره في نشر العبرية في روسيا؛ تعليم العبرية كلغة ثانية ومكانة تدريس قواعدها خارج إسرائيل؛ أوزان الفعل في عبرية المشناة؛ اللغة العبرية في كتابي ابراهام فيركوڤتش القرائي (١٧٨٧-١٨٧٤)؛ العنصر العبري في اللغة العربية المحكية ة لدى يهود شمال افريقيا؛ العبرية على أرض بولندا في القرن الثامن عشر. ينتمي المحاضرون إلى دو ل أوروبية عديدة مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وإسبانيا وروسيا وهنغاريا والنمسا وفنلندا ومن دولتين في الش شرق الأوسط هما جمهورية مصر العربية واسرائيل.
الوثاق (الاتحاد، العروة) العبري العالمي يقوم بتنظيم مثل هذه المؤتمرات مر ّة كل سنتين في جامعة أوروبية فيها أستاذية للغة العبرية أو للدراسات اليهودية. مركز هذا الاتحاد في القدس وهو عضو في الكونغرس اليهودي العالمي ومرتبط بالنقابة الصهيونية العالمية والمنظمة العالمية للنساء الصهيونيات WIZO, Women’s) (International Zionist Organization. تأسّست العروة عام ١٩٣١ في برلين حيث اجتمعت نخبة من المفكّرين ا ليهود للتباحث في موضوع نشر معرفة اللغة العبرية في التجمّعات اليهودية في أوروبا وترأسها آنذاك الشاعر القومي حاييم نحمان بيالك (١٨٧٣- ١٩٣٤). ترى هذه العروة، التي عقدت مؤتمرها الأول في سويسرا عا م ١٩٧٤، أن مستقبل الشعب اليهودي منوط بالحفاظ على صلة وطيدة بين الشعب واللغة والأرض. الهدف الأساسي ?لهذا الاتحاد، كما أشرنا إليه سابقاً، هو أن يتكلم كل يهودي في أوروبا اللغة العبرية كلغت ته الثانية أي بعد لغة البلاد التي يسكن فيها. بعبارة أخرى، أن تكون اللغة العبرية حيّة محكية خارج إسر رائيل أيضا. والجدير بالذكر أن اللغة العبرية أصبحت لغة محكية في العصر الحديث منذ أواخر القرن الت ‘caاسع عشر وذلك إثر جهود إليعزر بن يهودا (١٨٥٧-١٩٢٢) وآخرين . قبل ذلك وخلال حقبة زمنية طويلة، حوالي سبعة عشر قرناً، اقتصر استعمال العبر! ية على الكتابة. شعار المنظمة: أيها اليهودي تكلّمِ العبريةَ! فالعبرية همزة الوصل بين الانس ان اليهودي وماضيه وهي بمثابة الجسر لنهضة اسرائيل.
لا شك أن الهدف الذي وضعته هذه الحركة التطوعية نصب أعينها صعب المنال وهي تسعى جا دة لتحقيق بعض النجاح في طريقها الطويل والشائك. بالاضافة إلى تنظيم المؤتمرات تقوم هذه الحركة بف فعاليات عديدة منها إقامة النادي العبري وهو اليد اليمنى للحركة في كل مدينة أوروبية فيها جالية يهود ية. يعمل هذا النادي كنواة تستقطب حولها كل المعنيين باللغة العبرية والمحافظة عليها حية محكية . تزوّد العروةُ النادي بالصحف والمجلات والكتب الدراسية اللازمة ووسائل تعليمية مختلفة وأشرطة فيديو . كما وتلقى محاضرات في النادي ومن الممكن ممارسة ألعاب اجتماعية جمّة والاشتراك في الغناء وال! رقص الشعبي وكل ذلك من أجل خلق تجمّع اجتماعي وثيق تحت كنف اللغة العبرية. تُصدر العروة أعمال مؤتمراته ا العلمية ضمن سلسلة “شعب وكتاب” وكذلك نشرة دورية تعنى بأخبارها.
في هلسنكي أقيم النادي العبري رسمياً في مقر الجالية اليهودية أثناء انعقاد المؤتمر في الجامعة في عمارة پورتانيا. بالإضافة إلى النادي، هناك في وسط المدينة الكنيس الذي أقيم عام ١٩٠٦وروضة أطفال ومدرسة ابتدائية يهودية تدرّس العبرية والثقافة اليهودية أيضا. كما وهناك دار للمسنين ومستشفى صغير منذ الستينات وجوقة ومكتبة تضم بضعة آلاف من المجلدات حول الدراسات اليه! ودية باللغات، الإنجليزية والألمانية والسويدية والفنلندية والإيدش.
وأخيراً لا بدّ من التنويه بأمرين هامين. أولهما، بلغت ميزانية الحركة التطوعية من أجل إعلاء 588 شأن اللغة العبرية المحكية لدى الجاليات اليهودية في أوروبا في عام ١٩٩٤ثمانين ألف دولار أمريكي حصلت عليها من النقابة الصهيونية ومن التبرّعات. ثانيهما، يتحتّم على جميع المشاركين في أعمال مؤتمر! ات هذه الحركة إلقاء محاضراتهم وطرح الأسئلة وإبداء الملاحظات والتحفظات الخ باللغة العبرية فقط.
العماليق والدعوة في كوبنهاجن
في تاريخ ١٤-١٨ من آب ١٩٩٤عقدت الرابطة الأوروبية للدراسات اليهودية EAJS,) (European Association for Jewish Studies مؤتمرَها الخامس ت u1581 حت العنوان “الدراسات اليهودية في أوروبا الجديدة” في عاصمة الدانمارك. تأسست الرابطة عام ١٩ u1640 ?١ في جامعة أكسفورد حيث أقيم فيها المؤتمران الأول والثاني ثم في برلين وباريس. شارك في المؤتمر زه ‘e5اء مائة وخمسين شخصاً من مختلف أنحاء العالم وألقيت أكثر من مائة وعشرين محاضرة تناولت مواضيع ذات ع علاقة بأحد ميادين المعرفة التالية:
١) فن وعلم آثار
٢) أرشيفات ومكتبات ومتاحف
٣) تاريخ اليهود
٤) كتاب العهد القديم وعلم التفسير
٥) التلمود والمشناة
٦) فلسفة وتصوّف
٧) لغات يهودية
٨) الأدب العبري
٩) علوم اجتماعية
في مثل هذه اللقاءات العلمية الكبيرة لا مندوحة للمشارك من تفحّص البرنامج واختيار مسبق للمحاضرات التي يود الاستماع إليها. لا نضيف شيئا جديدا اذا ذكرنا بأن الفهم الكامل والدقيق للمحاضرات يتمّ بعد نشرها كاملة وقراءتها بتمعّن وتروّ. في هذه العجالة نود التنويه بمحاضرة عالجت م 8 وضوع وصية العماليق في اليهودية. توصّل المحاضر السويدي في بحثه المسهب هذا بأن في بعض التيارا ات الفكرية اليهودية يمكن أن نجد فريضة العماليق، أي يحقّ لليهودي قتل غير اليهودي (الچوي). وقد 2 قرأنا في جريدة هآرتس الإسرائيلية اليومية (٧ شباط ١٩٩٥) مقالا يتعلّق بنفس الموضوع. الوصية “لا تقتل” الواردة في سفر الخروج ٢٠: ١٣ بناء على اجتهاد بعض الفقهاء اليهود تعني لا تقتل يهوديا! كم 5 ا وورد في الصحيفة بأن العديد من كبار الحاخامين اليهود في إسرائيل لا يرون أي مسوّغ لتقديم من يرى أن قتل غير اليهودي أمر محلل للمحاكمة.
أثارت المحاضرة المذكورة حفيظة أستاذ إسرائيلي بشكل واضح وقال إن بيت القصيد خطير ج جدا، لدى كل يهودي طاقة كامنة للقتل. وهكذا توجّه الاستاذ إلى منظِّمي الكونغرس وطالب بعقد ا! جتماع عاجل وعامّ، علني واستثنائي لبحث الموضوع. تمّ الاجتماع الاستثنائي ولا يخفى على القارىء ء النجيب اللبيب بأنه لا يمكن تحقيق الكثير في مثل هذه الاجتماعات العامة فكل شخص في أغلب الأحيا ن لا يتزحزح قيد أنملة عن موقفه ورأيه. وهكذا انفضّ الاجتماع دون أن يتراجع المحاضر عمّا ورد في محاضر اته.
خرج المحاضرون من القاعة زرافاتٍ ووحدانا ليعودوا إلى فنادقهم إثر نهار طويل ومضن . وحدث لكاتب هذه السطور أن صادف زميله الأستاذ الإسرائيلي. بادر الأستاذ قائلاً: هيا بنا إلى اللق! اء! أتنوي المجيء؟ فوجئتُ وأجبته مستفسراً، أي لقاء تقصد؟ أجاب مندهشا، اللقاء بالسفير، ثم أضا! ف ألم تتلق دعوة من السفارة الإسرائيلية في كوبنهاجن لحفل استقبال وتعارف في دار السفير؟ وعندما أجبته بالنفي احتدّ الأستاذ المحترم والغيور على حقوق الانسان ثانية وقال: أنا أدعوك فجميع المشاركين الاسرائيليين في المؤتمر مدعوون هذا المساء إلى اللقاء المذكور. عقّبت على هذا الخبر باقتضاب وقلت : معذرة لا يُعقل الانضمام دون دعوة كسائر الناس. ثم أردفت قائلاً الحق أقول لك إنني غير مندهش من عد م تسلّم دعوة فهكذا اعتدت والدهشة ستكون لو وصلتني مثل هذه الدعوة.
ودّعتُ الاستاذَ متمنياً له وقتاً طيباً في حفلة الاستقبال وقفلتُ عائدا إ! لى الفندق. في الطريق التقيت بسيدة يهودية أمريكية مشاركة في المؤتمر ودار بيننا حديث طويل وو دّي، في الظاهر على الأقلّ، عما جرى في الاجتماع الاستثنائي وقضايا كثيرة أخرى. عندما علمت تلك السيدة بعض التفاصيل الشخصية عني، مثلاً انني أحمل الجنسية الاسرائيلية، سألتني: لماذا لم تلب دعوة التعارف لهذا المساء؟ أجبتها مستفسراً ولماذا لم تلبي أنت دعوة السفير؟ قالت: أنا يهودية أمريكية ولست إسرائيلية والدعوات أرسلت للإسرائيليين أينما كانوا. تلك السيدة أقنعتني بأنه لا ينبغي السكوت على ذلك ولا بدّ من استجلاء الأمر. في تلك الأثناء تذكرت سؤالاً كان قد طرحه عليّ قبل يوم م محاضر يهودي إسرائيلي أعرفه نزل في نفس الفندق. سؤاله كان: هل ما زلتَ محتفظاً بجواز ا لسفر الإسرائيلي؟ أجبته نعم وأضفت لماذا تسأل؟ قال סתם (هيك) ثم أفصح إثر تدخّل زوجته وقال: هناك دعو ة للمشاركين الذين يحملون جوازات سفر إسرائيلية وجّهها إليهم السفير الإسرائيلي لدى الدانمارك.!
قبل مغادرتي كوبنهاجن عائداً إلى هلسنكي أرسلت رسالة قصيرة للسيد السفير الاسر ائيلي ورد فيها ما ترجمتُه:
”علمت بأن سعادة السفير قد دعا البارحة الإسرائىليين المشاركين في أعمال المؤتمر لحفلة تعارف واستقبال. للأسف لم يتسن لي لقاء سعادته والتحدث إليه كباقي الإسرائيليين”.
وصلني رد السفير بعد حوالي أسبوعين قال فيه:
”أسفت عند سماعي عن الحادثة المؤسفة لعدم ورود اسمك في قائمة المحاضرين الذين دع عوا لحفلة تعارف واستقبال في منزلي. لسوء الطالع لم تكن قائمة المشتركين الإسرائيليين في المؤتم! ر في متناول يدي، بل أرسلها منظِّمو الكونغرس إلى السفارة. لذلك لم يعلم العاملون في السفارة شيئا اً عن اشتراكك في المؤتمر ومن هنا نشأت <الفشلة>. آسف على الامتعاض وكلي ثقة بأنك تعي أن ما حدث جاء نتيجة سهو مؤسف. فيما يتعلق بالمستقبل فيسرّني أن ألقاك في كل وقت تتواجد فيه في كوبنهاجن” .






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

