الرابط : القصة :
هذه قصة حقيقية .. جرت أحداثها في ولاية بعيده من أمريكا .. وهي في مجرياتها فاجعة .
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي
عندما حدثته نفسه بالسفر إلى امريكا .. احتضن شقيقه الصغير الذي لم يبلغ الحلم .. وعندما بكى الصغير طمأنه وأقسم برحمة والده أن يسعى لاحضاره الى أمريكا للعيش معه .. إذ كان الصغير متعلقاً به حد الألتصاق .. ثم غاب في طيات الموارس بين الأشجار يمتطي حماراً حمله ما لا طاقة به لكي يصل الى مفترق الطرق فيضع الحمار عند أحد الأقرباء في قرية أخرى تمهيداً لركوب سيارة تنقله الى المدينة الكبيرة .. حيث السيارات التي تطوي المسافات طياً لتوصله الى الميناء .. ومن ثم يستقل الباخرة الى امريكا.. البلاد الحلم .
في طريقه تنازعته الافكار .. واستبدت به المخاوف .. لماذا يغادر قريته الصغيرة .. لماذا يترك أمه وحيده مع شقيقه الذي لم يبلغ الحادية عشرة بعد .. الف لماذا طرقت أفكاره وهو ينخس حماره الصغير الذي سيقوده الى عالم لا يعرف أين ينتهي .. غير ان الجوع الذي اعتاد ان يمتص أمعاءه جعله يستفيق من غفوته القصيرة لكي يواصل المسيرة .. نعم .. سوف اذهب إلى بلاد العسل .. حيث الدولارات تخرق الأذن مثل طبل أجوف .. وسأرسل للصغير وأمي ما يتبلغان به فتمتلئ الأمعاء بعد طول جوع وحرمان .
قفز إلى الباخرة فرحاً .. ها هو الموج يعلو ويهبط في ذلك اليوم العاصف .. لكنه حتماً سيصل إلى أمريكا حيث النقود الوفيرة والعيش الرغد .. وأخذ عصام يحلم وهو على طارف السفينة وقد خلف وراءه دهراً من الشقاء والعذاب الذي لا ينتهي .. وفي ليلة من الليالي جاء إلى ذهنه جواد .. ذلك الجار الذي هاجر منذ سنين .. ويرفد أسرته كل شهور ثلاثة بما يقيم أودهم .. فيحلف أغلظ الأيمان ان يسافر الى هناك .. كيما ينقذ شقيقه وأمه من العذاب .. وها هو ينظر الى الافق البعيد حيث الماء يملأ مساحة الكون ..
وفي غضون الشهر الذي أمضاه فوق صفحة الماء لم ير غير الطيور التي تتبع الباخرة أملا في بعض الفتات .. وقبل أن يعلن مكبر الصوت إن أمريكا قد غدت قاب قوسين او ادنى صلى ركعتين شكراً لله .. ها قد وصل أخيراً إلى حيث أرض الأحلام .. نظر من على طارف السفينة ولكنه لم ير شيئاً .. وجاء المساء ثقيلاً فأبصر بصيص الضوء قادماً من مدينة نيويورك حيث ناطحات السحاب تشق سماء الكون .. لكن نورها ضعيف مثل ضوء السراج الذي كان يضئ بيته الطيني في القرية .. وشيئاً فشيئاً اخذ النور يتوهج .. وفي غضون ساعات قليلة أصبح الضوء أكثر تلألؤًا وأكثر إقتراباً .. وعندما قفز الى البر عبر جسر خشبي أمتد من الميناء الى السفينة شعر بأن عظامه تتكسر فوق صفحة الجسر .. ثم أيقن بعد ذلك انه ترك خلفه سنين طويلة من العذاب والحب والحنين وتنازعته أمور إنسانية جعلته يبكي .. ثم أستقبل وجهه شطر المدينة الرابضة على أعتاب البحر .
مثله مثل باقي الاغراب في هذه المدينة .. طاف في شوارعها لليال عديدة .. لكنه لم يعثر على ما يبغيه من عمل .. وأخذت النقود القليلة التي يختزنها تفارق جيبه .. ووجد نفسه بعد ليال على حافة الجوع والبرد والضياع .. جلس إلى حافة الطريق الذي تمر فيه السابلة والسيارات مسرعة ذاهبة آيبه .. ولفت أنتباهه إن إمرأة جميله تجلس إلى جانبه .. نظر إليها بإشفاق وهي تمضغ بيسر شطيرة كانت في يدها .. أنها تشبه بنات البلاد .. سمراء الشعر مهيبة تأكل بتؤدة كأنما تبحث عن شيئ أضاعته .. نظرت الى عينيه ثم عادت الى شطيرتها .. ونظر إلى وجهها وأشاح عندما لمحته .. غير انه شعر بما يشده اليها .. وكانت كلمات الانجليزية التي تعلمها في الوطن لا تعدو بعض الكلمات الضرورية فقال لها .. مساء الخير .. قالت له مساء الخير .. ثم اتبعتها بجملة لم يفقه منها شيئاً .. ولما لم يجبها قسمت شطيرتها الى جزئين أعطته جزءاً منها .. فأخذها لكي يسد جوعه .. ضحكت وضحك .
قالت له مكسيكو فعرف إنها مكسيكية .. وقال لها آرابو فعلمت إنه عربي .. وفي غضون ساعة او دون ذلك تعارفا بالاشارت فقط .. وكأنما لغة اللوغارتيمات قد غدت مفهومه لديهما .. قالت له تكساس .. كانت تقصد إنها ذاهبه إلى تكساس .. وإنها تدعوه لكي يسافر معها لما عرفت إنه غريب عن هذه البلاد .. وأعتبرت لفظه للكلمات أنه وافق على السفر الى هناك .. ثم أمضيا الليل في الشوارع ليس لهما من وجهة .. كان البرد يضرب صفحة وجهيهما .. لكنهما سعيدين .. فهي لا تملك غير نقود الرحلة بالقطار الى تكساس .. وهو لا يمتلك منها شيئاً وفي غضون سيرهما تذكرت شيئاً فجرته من يده تسير سيراً حثيثاً الى حيث سار خلفها .. دلفت إلى احدى المطاعم الليلية .. وهناك طلبت رؤية شاب من جنسها فجاء اليها شاب قصير القامة ممتلئ الجسم تحدثت اليه بكلمات لم يفهمها عصام .. غير ان الشاب القصير مد يده اليه وصافحه بقوة .. ثم انتحى بهما جانباً وأخرج من جيبه بضع دولارات ووضعها في يديها وأشار لهما بالتحية ومضى .
تناولت ماريا خمسة وثلاثين دولاراً من عامل المطعم .. وكان هذا المبلغ في ذلك الزمن عنوانا لثراء صاحبه .. إذ كان يكفي لسفرهما سوياً إلى تكساس ثم تناول وجبات شهية لأيام عديدة .. وعلم فيما بعد أن الشاب عامل المطعم كان عيناً للمافيا على أعدائها فمنحته تلك المنظمة ثراء غير يسير .
كان القطار ينهب الارض وهما في مقصورتهما ينظر كلا منهما للآخر ولا يستطيع أن يتحدث اليه .. كانت اللغة عائقاً في التفاهم بينهما .. غير إن روحاهما كانت تتحدث بشئ من التفاهم .. قالت في نفسها أنه يفهم لغة العيون .. وقال في نفسه أنها تفهم اللغة نفسها . وكانا كلما مرا على محطة توقفا ونزلا من القطار قليلاً وتمشيا سوياً .. حتى إذا ما عاد صفير القاطرة يدعوهما تسلقاً الى مقصورتهما سعيدين .. ضاحكين .. كانت تقاسمه شطائرها .. وفي ليلة وضعت في جيبه بضع دولارات ورآها وهي تفعل ذلك .. وكان ضيق ذات يده يمنعه من أنكار هذا الأمر ..
قالت له بعد ان وصلا ارض تكساس ان الرحلة كانت قصيرة جداً .. ولكنه لم يفهم شيئاً .. غير إنها ضحكت وضحكت حتى غدت ضحكتها مسموعه للآخرين .. سارا الى بيت قريب من محطة القطار .. طرقت الباب فخرجت اليها عجوز جاوزت الستين .. تحدثت اليها ثم دخلا سوياً الى المنزل ..
لمس عصام حسن المعاملة من سكان المنزل .. كانت هناك فتاة عمرها في حدود العشرين .. وكان هناك صبي اصغر قليلاً .. أما ماريا فقد كانت في حدود الثلاثين .. وخمن أنها تكبره بسنوات قليلة .. كان الجميع يحتفي به ويحاول ان يستأثره ببعض ما يشتهي من أنواع الطعام .. وبعد شهر من ذلك الزمان التقط بعض الكلمات الاسبانية فأخذ يفهم قليلاً .. وعرف فيما بعد أن العجوز هي أمها .. وإن الفتاة والفتى أخواها ..
وفي الاشهر الآتية .. شعر بإنه يحب ماريا .. وأخذت ماريا تتقرب منه فعرف أنها تحبه .. غير أن علاقتهما لم تتجاوز نظرات الوله والعشق والهيام .. وبعد سبعة أشهر من إستضافته تزوجها .. ففرحت أيما فرح .. وأصبح عصام موظفاً في مصنع صغير لصنع الأدوات المنزلية .. غير أن جده وأجتهاده في عمله جعل رئيسه يعطيه زيادة عن العمال بضع سنتات .
في العشرينات من القرن الماضي كان العامل يتقاضى اجرة للساعة ثلاثين سنتاً فقط .. وكان هذا المبلغ حريا بان يجعلك في نهاية الاسبوع تقبض خمس دولارات تستطيع العيش بها .. لكنه كان يعمل ست عشرة ساعة في اليوم .. وهذا يعني انه يقبض في نهاية الاسبوع عشر دولارات يدفع منها خمسة ( لحماته ) ثمناً لعيشهما سوياً .. ويتبقى منها خمسة يعطيها لماريا لكي تختزن بعض النقود لوقت الحاجة ..
ومضت سنة على ذلك .. وتذكر أخيراً بأن له أخاً وأماً في البلاد .. فأخذ يرسل اليهما ما يمكن ان يقيم أودهما .. وكان يتابعهما من خلال رسائل أخيه التي كانت تصل اليه كل شهرين او ثلاثة مرة .. عرف إن أخاه ما زال في مدرسة القرية .. وإنه يتأهب في السنة القادمة للذهاب الى المدرسة الثانوية في المدينة .. فأخذ يزيد من إرسال النقود اليه لكي ينهي دراسته ويتمتع بالنقود بشكل أفضل .
ثم جاءت سنة اخرى فحملت ماريا وأعطته طفلاً جميلاً .. ثم حملت في السنة التالية فولدت له بنتاً جميلة .. سماهما اسماء عربية .. ثم كان الحمل الثالث فإذا به توأم أعطاهما إسم أمه وجدته .. وظل الامر على حاله لسنوات خمس .. تلقى بعدها رساله جعلته يدور حول نفسه حزناً وهلعاً .. فقد أخبره شقيقه ان امهما ماتت في القرية .. وإنها لفظت أسمه وهي على فراش الموت .. كانت ليلة طافت بها روحه حول قبرها هناك .. وأخذت دموعه تنساب بحرارة وماريا تجففها له بكثير من الشفقة والحلم .
مضت عدة سنوات لم يستطيع خلالها أن يزور قريته الصغيرة .. فقد شغلته الحياة وتربية أبنائه عما دون سواه .. وأخيراً تلقى رسالة من أخيه بتخرجه من المدرسة الثانوية بعد أن سقط لسنتين متواليتين .. وطلب اليه ان يسافر اليه في أمريكا بعد ان لم يبق له في البلاد من أقارب وأصدقاء يستطيع ان يوائم حياته .. وهكذا عول عصام ان يستقدم أخاه عله يرى فيه سلوى لفقد أمه وفقد وطنه ..
نكمل : في العدد القادم






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

