العرض الاخير

الرابط : القصة :
وسيم عمري  :
جلس أمام المرآة يدرس وجهه ، كان من عادته كل مساء قبل وضع الصبغة والألوان أن يجلس ويحدق بنفسه لفترات طويلة ، تلك طريقته في تحضير نفسه للأداء.
ينظر لتفاصيل وجهه الشاحبة وعيونه الذابلة وشكله الحزين ،يتنهد مستسلماً وحالاً يطوي هذا الوجه ويبدأ برسم الوجه الأجمل ، الوجه الذي يحبه الجمهور ويرضي أذواق المتفرجين .
كان ذاك الوجه المعروف به في جميع الأماكن ، لم يعرف أحدٌ الوجه الحقيقي، حتى هو نفسه فقد الصورة النقية لروحه وأصبحت مرآته الداخلية ضبابية .
جالساً تغزوه آلاف الذكريات التي سقطت عليه كوابل من الجراد تُسبل على ملامحه نظرات الاستياء كارهاً هذه الحياة التي يحرسها بغيرةٍ وكأنها حياته الخاصة ، هذا الوجود السري الذي من المفترض عليه حمل هويته ولم يكن كيانه مطلقاً.
كان كغالبية البشر لا يفهمون أن كل شيء واضح أمامهم كالنهار ، لا يعي الحقيقة مع أن الخدعة تكرّر أمامه آلاف المرات . يتلمس طريقه كأعمى ، فرغم كل اللافتات التي تشير للجهة الصحيحة يصر على فتح الباب الخاطئ متجاهلاً كلمة ” خطر ! ” المكتوبة عليه ، كان يصر على النظر داخل البندقية المذخّرة ويتمنى على الرطوبة أن تنال من الحشو !
” قليل من الصبغة الزيتية وكيس هوائي وزي مضحك هي كل ما يلزم لكي تغدو نكرة ”
كلمات خرجت من شفاهٍ تبتسم ابتسامة حزينة .
ولبضع ثوان أو تكاد تكون أكثر استمتع بنوع من النوم الخدري وشعر وكأن حديث الكون كله توجّه له وجاءه الرد بكلمات بطيئة  تحمل ثقل الدنيا وكأنها قطعت مسافة العالم حتى وصلت لأذني روحه :
” حاول أن تكون نفسك، لا تكن أحداً آخر ، لا تكن ذكياً جداً ولا أحمقاً. لا تكن عظيماً ولا صغيراً.
ستتلقى الابتسامات بدلاً من الضحك والتصفيق العاصف ،ولكن ابتسامة صغيرة واحدة دالة على الرضى هي أكثر مما يتمنى المرء”.
منذ أن وطئت قدماه الخشبة أدى أدواراً ارتجالية خالصة ولم يفكر يوماً بواحدة من تلك الرقصات التي شهق لها الحاضرون ، شعر بنفسه كمعلم يضع اللمسات الأخيرة على لوحة طالب مهمل ، عدا المضمون لم يبقى شيءٌ من الأصل.
لم يستطع كبح الإثارة التي تسير في شرايينه ولم يكن في باله ولو فكرة واحدة ، فقط ألم من نوع بليد وخدر يخترق جسده كله .
أغمض عينيه ليهبط في الظلمة ، بقي هكذا فترة طويلة يتنفس على سرير كينونته الخاصة.
حين فتح عينيه وجد عالماً أزيل عنه الحجاب، كان العالم الذي رآه دوماً داخل قلبه.
غبر قادر على تصديق ما يرى أخذ يفرك عينيه ليكتشف أنهما مبللتين بدموع السعادة التي ذُرفت دون علمٍ منه.
وقف باستقامة كالسهم ، ونظر بحدة كي يعدل بصره مع الرؤية، وصدرت من أعماق كينونته تمتمة شكر لا تتوقف .
ماجت القوة والحنين في أوصاله وأخذ يرقص كطائرٍ غريزياً ، يحلق بجناحين من نار إلى أن سقط أرضاً وابتسامة ملائكية تزين ملامحه مع عينين مفتوحتين تنظران لأعلى ، تحدقان بصراحة -لا تصدق- إلى معنى الحياة .
أن تكون مهرجاً هو أن تكون بيدق القدر، ولكن هل من الضروري إن كنت بشراً أن تكون مهرجاً ؟