ضفادع تلتهم الزجاج

الرابط : فن وثقافة :
مهند النابلسي – الاردن :
بدأت القصة بمنظر السماء الأزرق الرائع المشكل بغيوم “ثلجية الشكل” ، متوهجة تقتحم عنان السماء … وزاد من روعة الأشياء هواء منعش يميل للبرودة قليلا ويذكر بأواخر الخريف او بداياته ، وقدح زناد الفكر بومضات وخواطر ورؤى :
…سنذوب في بحر الحضارات المتلاطم ، ان بقينا هكذا نقتل بعضنا هكذا بوحشية استنادا لمرجعيات ظلامية –قروسطية –طاثفية حاقدة ، وان لم نعي أهمية السلم والتوافق الاجتماعي واستثمار المعلومات والمعرفة في القرن الحالي ! والشيء الوحيد الكفيل باستمرارنا كدول وكيانات حرة وعرب أحرار هو انفتاحنا على آفاق الحضارة الانسانية وتقبلنا للتنوع الثقافي-الديني – الطائفي –الاثني والفكري . وحتى نحافظ على نبض وعينا الوجودي والمعرفي ، علينا ان نعمل ليلا ونهارا لبناء انجازات انتاجية وحضارية ومعرفية جديدة ، وأن نشغل شعوبنا التائهة بذلك بدلا من التضليل “الديني-الطائفي-العنصري-الاقليمي والجهوي” الذي يحرك المتخلفين والمرضى النفسيين والمتعصبين لحز الرقاب واثارة “غرائز وشهوات التدمير والتنكيل الوحشية” ! فالاسلام دين تسامح وحضارة وانفتاح وسلام وليس دين قتل وسفك ودماء ، كما أنه لايجوز التكبير وحز الرقاب ، والله عز وجل بريء تماما من كل ممارسات الفتك والقتل والذبح والاعدام والتفجير والقصف وتخريب الأوطان ! وعلينا أن نلجأ لاسماع صوت الحق ولا نخشى أحدا في ذلك ، وخاصة ان كان الأعداء المتربصين هم اللذين سيستفيدون من دمار الأوطان واستنزاف المقدرات ، وكما قال “ادموند بيرك” : الشيء الوحيد الضروري لانتصار الشر ، بقاء الخيرين مكتوفي الأيدي !
يقول ولتر رستون في افول السيادة : ان أرنبا يركض طلقا في المرج ليس ثروة ، بل يصبح ثروة نتيجة لمعلومات تطبق على عمل الصياد ، ويتحول عمله حينئذ الى قيمة مضافة بسبب امكانية تحويل الأرنب الى شواء مغذ ! هكذا انها المعرفة وكيفية تطبيقها هي التي تقودنا لاستثمار الثروات ، وكما يقال “اعمل بذكاء وليس بمشقة” !
هكذا فنحن نواجه في الحقيقة تحديان بارزان : تحديا ثقافيا يكمن في انقطاع عامتنا عن الفكر والثقافة ولجؤهم المريح للخرافة والاسطورة والقناعات المضللة ،ثم في التداخل الكبير بين المثقفين الحقيقيين (المتواضعين-الزاهدين-المسالمين ) وأدعياء الفكر والثقافة (المتشنجين والمنتفخين غرورا ونرجسية وزهوا !) . نتطلع الى اليوم الذي تصبح فيه الثقافة زادا حقيقيا للانسان لا يستغني عنه مثلما لا يستغني عن الماء والهواء ، وأتوقع ان يكون هذا اليوم بعيدا وخاصة بعالم تعصف به الامية ويتحكم الجهل بمفاصله . لا يجب ان نغفل كذلك عن ضعف مساهمتنا العالمية في خلق الثروات والقيم المضافة ، بالرغم من وجود طاقات بشرية مبدعة و غنى الأرض العربية واحتواءها على العديد من الخامات والمعادن والفلزات والمواد الولية والبترول ، ولكن عناصر “الواسطة والمحسوبية والفساد والطغيان والتسلط” تعمل معا كطاقة معطلة ، وكثقب أسود كاسح يمتص كل الطاقات والامكانات والثروات ! وهكذا فنحن (وكما يقول بودلير ) بدأنا نشاهد ازهار الشر تنمو في بلاد العرب وتنتشر في حقول ” الضرر والخطر” ، ولا نجد من يحذر من الكارثة القادمة التي ستأكل الأخضر واليابس ، بل نجد بالمقابل الحماس والاصطفاف والاحتقان والتحريض المتواصل ، فيا حكماء العرب اتحدوا …!
في احدى التجارب تقدم للضفدع قطع زجاجية متحركة تشبه الذباب ، فيقوم الحيوان المسكين بالتهامها بنهم متصنعا اللذة مع انها تؤذيه وتدميه ! كل ما أخشاه ان نكون قد أصبحنا بالفعل مثل هذه الضفادع المخبرية البائسة ، نستهلك فكرا وخرافات وأضاليل واشياء مؤذية ، غير واعين بخطرها الكامن الذي يتربص بنا ويعيث خرابا في عقولنا واحشائنا ومنظوماتنا الحياتية والفكرية والاجتماعية ! ومن قال أن دهاقنة الغرب اللئيم ينظرون الينا بغير نظرتهم وتعاملهم مع الضفادع وفئران التجارب ؟ ومتى كان هذا الغرب “الاستعماري” يتمنى الخير لنا ولوجودنا ولحضارتنا ، وكل ما يهمه أمن وسلم وتفوق اسرائيل ؟!
وهل يجب ان تبقى رؤيتنا للعالم الكبير الواسع حولنا ضيقة وقاصرة ، فنحاكي مرة اخرى الضفدعة الرابضة في قعر بئر مهجور ، لم ترى من زرقة السماء الشاسعة الا تلك الدائرة الصغيرة المحيطة بفوهة البئر ؟!
دعوة للتحرر والانعتاق والطيران …كما انها دعوة للتسامح والحوار والانفتاح والسلم الاجتماعي …
————
مهند النابلسي
Mmman98@hotmail .com