البلطجه : وسياسة العولمه

الرابط : اراء حرة (::::)
بقلم: د. وجيه الجوهري- الولايات المتحدة:(::::)
محاولة النيل من الرئيس الايراني أحمدي نجاد أثناء زيارته التاريخية الى القاهرة المصرية هو نوع مستمر من أنواع البلطجة التي تشهدها دول الربيع العربي. نجاد خيب أمل المتظاهر السوري، فقد ضل حذاء الشاب السوري الطريق الى رأس الرئيس الإيراني وبذلك يتأهل نجاد وبوش الابن للتصفيات النهائية في مسابقة الحذاء الذهبي المزمع عقدها في مدينة باتا الدولية.
اذا كان حدث قذيفة الحذاء الفريدة في مسجد الحسين الأثري القابع في العاصمة الفاطمية تعبر عن وجهة نظر المعارضة السورية الا أنها لاتعبر على الاطلاق عن موقف الدولة أو الشعب المصري الذين يتخبطان بين الخير والشر، بين الحب والكره، بين التعايش السلمي والبلطجة، بين الأمانة والاحتيال، وبين السالب والموجب.
للبلطجة مسميات مختلفة في كل بلد عربي أو أجنبي .. ففي مصر يسمون الشخص الذي يمارس البلطجة ب”البلطجي” وهي كلمة تركية تنقسم الى قسمين “بلطة” و”جي”.. جي باللغة التركية تعني صاحب أما بلطة فهي نوع من أنواع الفئوس التي كانت تسخدم ضمن أسلحة القوات الخاصة في عهد الدولة العثمانية. البلطجية في قديم الزمان كانت تعد مهنة شريفة لان البلطجي كان يناصر الفقراء ولنا في نجيب محفوظ و شيطانه الذي يعظ عبرة أو عظة لمن يريد أن يتعظ. اذا كانوا في مصر يدعونهم ب”البلطجية” ففي اليمن يدعونهم ب” البلاطجة” ، وفي سوريا يدعوهم ب ” الشبيحة”، وفي تونس  يلقبوهم ب”مليشيا النظام”، أما “المرتزقة” فهو اللفظ المفضل في ليبيا، وفي السودان يدعوهم ب “الرباطة”، أما في المغرب فيدعوهم ب”الشماكرية” أو “الشباب الملكي”.
الكل من حولنا يمارسون البلطجة على كل المستويات والثقافات.. فاذا كان الشاب السوري المعارض قدم قصيدة  الغزل العفيف المعروفة ب “الحذاء الصاحي” للرئيس الايراني نجاد في القاهرة القديمة الا أن نجاد قدم آيات البلطجة ليحصد بها أرواح المعارضة السورية وبمباركة الحكومة الروسية التي ناصرت ومازالت حتى الآن النظام الأسدي أو البعثي في سوريا.
البلطجة في مصر تحورت وتتطورت لتصبح سلاحا مهما ليس فقط في الجيش العثماني بل في مصر نجيب محفوظ ومصر ما بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني، فقد كشفت الكاتبة المصرية  سكينة فؤاد ان وزير العدل السابق محمد عبد العزيز الجندى اخبرها أن هناك 143 الف بلطجى موجودون الان يستخدمهم النظام فى إرهاب المعارضين وإثارة العنف. من المعروف أن نظام مبارك كان يستخدم البلطجية أما مرسي والإخون فيستخدمان ما يعرف ب”مليشيات الإخوان” التي سبق أن قدمت عروضها القتالية في جامعة الأزهر.. كانت مليشيات الإخوان أشبه ما تكون لفرق حزب الله أو الحرس الثوري.. أما أن يستخدم النظام الجديد البلطجية كقوة تأديبية فوق القانون فهذا شئ جديد وخطير لم يثبت حتى هذه اللحظة هذا الادعاء في عصر البلطجة.
لقد استخدمت معظم الدول العربية والغربية أسلوب البلطجة.. ففي مصر استخدم الليبراليون والاسلاميون بلطجية من نوع خاص، وشبيحة سوريا يقطعون الأصابع والأيدي والألسنة والأعضاء التناسلية، وفي اليمن كانت  سياسة قطع الألسنة رائجة  حتى فترة قصيرة. أما البلطجة العالمية فقد وصلت الى قمتها في عهد بوش الابن عندما قال مقولته الشهيرة “من ليس مع الولايات المتحدة فهو ضدها” وكذلك عندما رفضت باكستان معاونة أمريكا في حربها ضد بن لادن وطالبان بدواع العوامل التاريخية الا أن المسؤول الأمريكي نهر المسؤول الباكستاني بشدة وباسلوب حاسم وجازم قائلا:” التاريخ يبدأ الآن”، وقد بدأ ولا عزاء للقنبلة النووية الباكستانية!
ومن البلطجة الدولية نجد ” بلاك ووتر” أو الماء الأسود وهي مجموعة من المرتزقة أو كما قال عنهم وزير الاعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف ب “العلوج”. مهمة علوج الماء الأسود هي القتل بلا رحمة. هذا النوع من البلطجة قوبل بإنتقادات واسعة بعد نشر كتاب “مرتزقة بلاك ووتر.. جيش بوش الخفي” .. هذه المجموعة التي حصلت على بوفيه القتل المفتوح  أو اقتل واحد واحصل على الآخر مجاني! أعرف أحد أفراد هذه المجموعة وهو مسيحي متطرف كان يعمل في أفغانستان وهو يعمل حاليا كرجل أمن ضمن فريق حرس الحدود في ولاية تكساس.. معرفتي به سطحية، وقد بدأت عندما كانت عنده مشاكل مالية قبل أن يحصل على أموال ملوثة بالماء الأسود.
من المعروف أن شركة البلطجة الدولية أو شركة الماء الأسود تقدم  خدماتها للحكومات والأفراد.. معدل الدخل اليومي للبلطجة في هذه الشركة يتراوح بين 300 و 600 دولار.. أكيد بلطجية الدول العربية يتمنون أن يذهبوا في إعارة خارجية أو يتقابلوا سويًا ضمن مؤتمر البلطجة الدولي في لاهاي. الغريب في الأمر أن منظمة الماء الأسود تقدم خدماتها لبعض الحكومات الاسلامية!
أخرجت شركة الماء الأسود من العراق بعد فضيحة أو مجزرة ساحة النسورببغداد في 17 من أيلول/ سبتمبر سنة 2007 حيث قام بلطجية شركة الماء الأسود بإطلاق نار عشوائي  الأمر الذي أدى إلى مقتل 17 عراقياً وجرح عدد آخر. طالبت الحكومة العراقية من  شركة الماء الأسود بعد ذلك بضرورة الوقف الفوري لأعمالها البلطجية والخروج من العراق باستثناء المتورطين في الحادث من أجل محاكمتهم الا أن الأمر تطور بعد ذلك وطالبت الحكومة دية  بقيمة 8 ملايين دولار أمريكي على كل قتيل.
آخيرًا.. البلطجة ممنوعة سواء كانت بلطجة رفع الحذاء أو قذفة تجاه نجاد أو بوش أو بلطجة عبده الأشرم في حواري السيدة زينب أو نخنوخ في الاسكندرية أو بلطجة شركة الماء الأسود.. وقد واجه الاسلام ظاهرة البلطجة من خلال  قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة:33-34]. وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ” ( رواه الشيخان ). ألا آن لنا أن نحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا؟ عندما تكون الإجابة بنعم عندئذ ستتلاشى البلطجة من قواميسنا المتعددة الا أن قابيل يرفض أن يترك هابيل يعبد الله في سلام، فالبلطجة والتمرد لم تبدأ مع قابيل بل مع طاووس الملائكة الذي يزين لأحبائه ممن إمتهنوا مهنة البلطجة أعمالهم سواء كانت بلطجيتهم محلية أو دولية.
___________________________
[email protected]

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة