حرب الأفيون ولا أخلاقيات السياسة الدولية – بقلم : مهند ابراهيم ابو لطيفه

دراسات ….
مهند إبراهيم أبو لطيفة – الاردن …
قرابة ألفي عام والامبراطورية الصينية تعيش حالة من العزلة الطوعية عن العالم، يتوارث ما أطلق عليهم ‘‘ أبناء السماء‘‘ الحُكم جيلا بعد جيل، قيصر يليه قيصر، حتى تصوروا أنهم مركز العالم، والقوة الأعظم التي لا يُمكن أن أن تُقهر. ومع بروز القوى الإمبريالية الأوروبية ثم الثورة الصناعية ، احتدم التنافس بينها على مناطق النفوذ ومصادر الثروات في العالم ، وسعت كل قوة إستعمارية لنهب خيرات الشعوب بأشكل مختلفة.
كان معظم هذه القوى الإستعمارية يقودها سياسيون وتجار لا هم لهم سوى النهب ، وفتح الأسواق الجديدة لتصدير البضائع وجني الأرباح بدعم كامل من حكوماتهم الشريكة معهم أيضا في التجارة الدولية.
لم يكن لحقوق الإنسان أو سيادة الدول أي اعتبار يُذكر. وكانت الصين كأمة واحدة من ضحايا صفقات الموت ، وهمجية السياسات الخارجية لهذه الدول ، تًضاف إلى سلسلة الشعوب الأخرى التي عانت من نفس السياسات في العالم العربي، أمريكا اللاتينية ،افريقيا وغيرها.
تعرضت الصين لشن حروب عليها ، سميت بحروب الأفيون *(OPium Wars) قادتها بريطانيا العُظمى ضدها، في فترة حُكم سلالة تشينغ الصينية. وكان السبب الرئيس للحرب هو سعي الصين لحماية سيادتها واستقلالها، ومجتمعها واقتصادها وتقاليدها. فشنت بريطانيا العُظمى وحلفاؤها حروبا على الامبراطورية الصينية ، راح ضحيتها الملايين من البشر، وارتكبت فيها المجازر البشعة مع سبق الاصرار والترصد .
قامت حكومة جلالة الملكة بالاتجار بالافيون لنشر الإدمان بين الشعب الصيني حتى استفحل فيه وبقي مستشريا في المجتمع الصيني ، ويُقدر أن حوالي 45 مليون صيني أدمن على تعاطي الأفيون أغلبهم من الشباب تحت سن الأربعين خصوصا سكان المناطق الساحلية والقريبة من الموانئ وازداد العدد في مراحل لاحقه.
كان تأثير الأفيون خطير لدرجة أنه لم يبقى لدى الدولة الصينية مال لتمويل جيشها ، ولم يتبقى حتى جنود قادرين على حمل السلاح والقتال دفاعا عن بلادهم نتيجة الإدمان ، ووصل الادمان لبيت القيصر نفسه الذي تم توريط ابنه عن سابق تخطيط في تعاطي المخدر.
عانت البلاد طويلا من كارثة الأفيون ونتائجها من مجاعات وتخلف وحرب أهلية ، رغم الازدياد المُستمر في عدد السكان ، ونُهبت خيرات الصين واستمر الحال حتى مطلع القرن العشرين، إلى عهد ماو تسي تونغ ، الزعيم الشيوعي الصيني.
سعت بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر لفتح أسواق الصين أمام تجارتها، فكانت تستورد منها الشاي، الحرير، السجاد، الخزف ، البورسلان، وكانت الصين تحصر تجارتها مع التجارالأوروبيين على ميناء كانتون فقط، ويتم تسديد أثمان البضاعة بالفضة للجانب الصيني. ولم يكن لدى الصين حاجة أو رغبة لتوسيع التبادل التجاري مع العالم الخارجي، ولم تكن تريد الإنفتاح أكثر على بقية العالم ، وتنهج نهجا محافظا على تقاليدها وسياستها الداخلية .
طلب الملك جورج الثالث من الامبراطور الصيني شنيان لونج ، توسيع العلاقات التجارية بين البلدين لتحقيق توزان في التبادل التجاري، وفتح أبواب الصين للبضائع والتجار الانجليز، لكن الأخير رفض على اعتبار أن ‘‘ الامبراطورية السماوية ” لديها كل ما تحتاجه من السلع وليست بحاجة لاستيراد بضائع من ” البرابرة ‘‘.
وتحت حجة أن الصين أصبحت تُمثل خطرا على بريطانيا العظمى واقتصادها، تم وضع خطة للسيطرة على اقتصاد الصين وتحصيل الفضة والأرباح من التجارة معها غصبا عن ارادة الدولة. وحيث أن معظم السياسيين في بريطانيا كانوا كرجال العصابات ، يعملون دون أدنى إحساس بالذنب ، بدأو يتحدثون عن ما سموه ‘‘العدو الأصفر‘‘ الذي يهدد مصالحهم. وقدموا أنفسهم على أنهم ضحية سياسات الصين في العلاقات الدولية ، ومنع حرية التجارة. لتبدأ فصول المأساة.
دفعت بريطانا شركة الهند الصينية البريطانية (East India Company) ، والتي كانت تحتكر التجارة مع الصين ، للقيام بزرع الأفيون في المناطق الوسطى والشمالية من الهند ، لكي يتم تصديره إلى الصين. وبالفعل قامت الشركة بتصدير أول شحنة أفيون في عام 1781. وكانت هذه الشركة هي ذراع بريطانيا الدويلة للتوسع في آسيا.
كان التجار البريطانيون والأمريكان يشترون المخدر من مصانع الشركة من منلطق ‘‘ مالو والبنغال ‘‘ ، ويبيعوه للمهربين الصينيين على السواحل. وكانت السفن تفرغ حمولتها في ميناء “كانتو” ويساعدها رجل جمارك مرتشون. تم اغراق الصين بالمخدرات الرخيصة، بدا وكأن الخطة البريطانية قد نجحت بجني الأرباح بعد إنتشارالأفيون والادمان عليه بشكل متزايد.
تنبه الامبراطور الصيني ” يونغ تشينغ” في عام 1829 لخطورة الموقفـ ، فاصدر أمرا بمنع وتجريم استيراد المخدرات، ولكن شركة الهند الشرقية البريطانية لم تتجاوب وتمتثل لهذا المنع، واستمرت بتهريب الأفيون.
أطنان من المخدر كانت تدخل البلاد ، تراجعت صحة المواطنين، وباع عدد كبير منهم كل ما يملك لشراء المخدر، وبدأ تدمير المجتمع بشكل منهجي واضح المعالم. أصدر الامبراطور قرارات جديدة محاولا تدارك الموقف، وبالرغم من اجراءات المنع أو الحد من التهريب ، استمرت الأزمة بالتفاقم مما دفع الامبراطور لارسال مندوبا عنه إلى مركز تجارة الأفيون، واجبر البريطانيين والأمريكين على تسليم مخدراتهم، صادر ألف طن واحرقها على رؤوس الأشهاد.
حرب الأفيون الأولى (1842- 1840)
كان رد بريطانيا – وهي في أوج قوتها وعظمتها – أن اعلنت الحرب على الصين لاجبارها على فتح اسواقها بالقوة لتجارة الأفيون. وتحت شعار ضمان حرية التجارة، أرسلت عام 1840 سفنها الحربية تحمل جنودها لاجبار الصين على تقديم التنازلات في حرب استمرت عام كامل، واستطاعت احتلال مدينة “دينغ يانغ” في مقاطعة شين جيانج.
كان من يسيطر على البحار في تلك المرحلة ، يسيطر على التجارة الدولية،وكانت بريطانيا قد خرجت منتصرة على منافسيها من الدول الاوروبية في حرب نابوليون ، واصبحت شرطي العالم. ومع قيام الثورة الصناعية أصبحت امبراطورية كبيرة ، الدولة الرأسمالية الأقوى في العالم، وبامكانها ان تفرض ارادتها على كثير من الدول. وعند اقتراب الاسطول البحري البريطاني من البوابة البحرية لبكين، اضطر الامبراطور الصيني لتوقيع اتفاقية ‘‘ فان جينج ‘‘ في اغسطس عام 1842 وتم تسليم جزيرة خربة اسمها هونغ كونغ لبريطانيا وفتح خمسة موانيء صينية للتجارة الخارجية.
حرب الأفيون الثانية ( 1856- 1860)
حاولت الحكومة الصينية المماطلة في تنفيذ اتفاقية ‘‘ فان جينج‘‘ خصوصا ما يتعلق بتجارة الأفيون، وهو ما لم يعجب بريطانيا العُظمى والقوى الغربية، ولم تحقق التجارة ما توقعوه من عائدات. ومع رفض الامبراطور الصيني التعامل مع مبعوثيهم بشكل مباشر، قررت بريطانيا وفرنسا شن حرب أخرى على الصين، وانتهزوا فرصة تفتيش سلطات الامبراطورية الصينية لسفن تحمل العلم البريطاني في ميناء جوانج شو ، وانزال العلم عنها لتبرير حربهم. أما فرنسا فادعت مقتل مبشر مسيحي فرنسي لتشارك في الحرب.
استطاعت القوات البريطانية والفرنسية أن تسيطر على الميناء، والتوغل نحو بكين وصولا الى ميناء تيان. ومرة أخرى يتم اجبار الامبراطور على قبول تعديل الاتفاقية وتوقيع اتفاقية ‘‘ تيان جين ‘‘ عام 1858 بين الصين وكل من : بريطانيا ، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا. اعطت الاتفاقية امتيازات جديدة للقوى العظمى اهمها حرية الملاحة ، والسماح للمبشرين بدخول الصين دون اعاقة.
عام كامل والصين تحاول أن تتنصل من الاتفاقية ، وبحجة أنها تأخرت بالتوقيع ، شنت بريطانيا وفرنسا حربا جديدة عليها ، واستولت على عدة مدن إلى أن دخلت لبكين. احتلت القوات الغربية القصرالامبراطوري الذي يُعتبر من أفخم قصور العالم. وعلى مدار أربعة أيام تم نهبه، وسرقوا كل كنوزه الأثرية ، واضرموا فيه النار قبل رحيلهم عنه.
في مذكرات شهود عيان من الضباط ، وفي كتابات فيكتور هوغو (أبرز ادباء فرنسا) نقرأ عن بربرية وهمجية ولصوصية الضباط والجنود وما فعلوه في المدينة. وصف فيكتور هوغو ما يحدث بقوله:
” دخلت العصابات البريطانية والفرنسية كاتدرائية آسيا… احدهم قام بالنهب والآخر قام بالحرق… إن الحكومة تتحول أحيانا إلى لصوص ولكن الشعب لا يفعل ذلك…‘”.
تقاسمت القوى الإستعمارية الأراضي الصينية ، وقطعتها قطعا حسب مصالحها، واستباحت سيادتها ومجتمعها:
روسيا: استولت على الأراضي التي تقع شمالي نهر أمور وشرق نهر ألاوسوري عام 1860.
اليابان: شنت حرب خاطفة على الصين عام 1894 ، ثم استولت على كوريا عام 1910 ،وفرضت على الصين غرامة 170 مليون دولار لمدة عام، ولاحقا شنت عليها حربا أخرى.
ألمانيا: استولت على شبه جزيرة شانتنج عام 1898.
الولايات المتحدة: استولت على جزائر الفلبين بعد دحر اسبانيا عام 1898.
وكانت بريطانيا الرابح الأكبر وحققت عوائد مادية كبيرة جدا.

تدهورت أوضاع المجتمع الصيني، وبلغ عدد المدمنين على الأفيون عام 1878 قرابة 120 مليون، تردت أوضاع البلاد اقتصاديا وسياسيا إلى درجة أنه كان يتم نقل الصينيين بالسفن كالعبيد ليقوموا باعمال السُخرة. بالرغم من محاولات من عهد الامبراطورة تسو شسي بدأ من عام 1880 لاصلاح ما يُمكن اصلاحه ولكن الجهود بائت بالفشل.
وفي عام 1899 اندلعت ثورة القبضة المتحدة أو ما سمي ب ‘‘ ثورة الملاكمين‘‘ ، حين تجمع وطنيون أحرار من مختلف المناطق وتوجهوا إلى بكين حيث يقيم معظم الأوروبين، وهاجموهم لاجبارهم على ترك المدينة، فهرب السفراء.
وبالرغم من اتفاقية مايو عام 1911 التي قضت بوقف تجارة الافيون ، إلا أن الكارثة لم تنتهي إلا بعد الاعلان رسميا عن قيام جمهورية الصين الشعبية في الألول من اكتوبر عام 1949، بعد سيطرة الجيش الأحمر على العاصمة بكين بقيادة ماو تسي تونغ بعد الحرب الأهلية مع الوطنيين الصينيين والتي استمرت لعدة أعوام.
تحررت الصين ، ونالت سيادتها،عادت هونغ كونغ عام 1997 ، وأصبحت من الدول الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وها هي تنهض كقوة اقتصادية جبارة، رحلت القوى الامبريالية ، انكمشت بريطانيا وبقي الشعب الصيني، واهم من يعول كثيرا على أخلاقيات الدول لإنجاز تحرره الوطني أو القومي ونيل إستقلاله.
——————————————————
* الأفيون عبارة عن العصارة اللبنية التي تفرزها ثمار نبات الخشخاش غير الناضجة. ويحتوي الأفيون على عدد كبير من المركبات الكيميائية إلا أن أهمها مركب المورفين الذي يستخدم طبياً كمهدئ للآلام ويعتبر من أقوى المركبات الطبيعية في إيقاف الألم. ويعتبر المورفين المادة الأساسية لتحضير الهيروين وعليه فإن الهيروين هو أحد مشتقات الأفيون.