الاستراتيجية الأمريكية‘‘بين الاختبار والتأكيد! – بقلم : محمد عياش

دراسات …..
محمدعياش – كاتب سياسي – فلسطين المحتلة ….
منذ إعلان الكيان الصهيوني وإطلاق مشروعه التوسعي ، بمباركة من الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأولى في العالم وبريطانية وفرنسا ، والاعتزاز الذي صرّح به الرئيس الأمريكي آنذاك هاري ترومان ، بقوله : أشكر الله على اختياري لأشهد قيام «دولة إسرائيل» ، والذي أسمته بعض الجماعات الصهيونية ، القابلة القانونية لإسرائيل ، منذ هذا الإعلان تبين للقاصي والداني بأن واشنطن لديها إستراتيجية تسير على قدمين ، الأولى السيطرة على العالم ، والثانية حماية إسرائيل والدفاع عنها حتى الأسنان .
يتضح من القراءة الأولية لكل من برنامجي الحزبين المتعاقبين على السلطة في الولايات المتحدة ، أن كليهما ينطلق من مسلمة التأييد الأمريكي المستمر والدائم لـ إسرائيل وأن هذا التأييد هو ركن الأساس في التوجه نحو المنطقة ، وأن أي حزب منهما ، يرى ، أن حلّ ( الصراع ) يتطلب في المرحلة الراهنة إجراء مفاوضات مباشرة ، وجها ً لوجه ، بين الأطراف .
يتحدث الحزبان عن التسوية السياسية عموماً ، ويغفل أي منهما ، ذكر قضية الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة ، والحزبان يأخذان بوجهة النظر الإسرائيلية ويتبنان مطالبها بضم المزيد من الأراضي ، وما زاد من تعقيد القضية سياسة الرئيس الأمريكي الحالي وقطعه العلاقات مع السلطة الفلسطينية بعدة إجراءات وإطلاق العنان للكيان الصهيوني في تحقيق كل ما تتمناه بأقصى سرعة وتسارعية .
بالنسبة للمفاوضات ، لم تحاول واشنطن الضغط على حليفتها فيما يتعلق بتقديم تنازلات للجانب العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً ، على العكس تماماً دافعت واشنطن وكأنها إسرائيل بالتنكر والإقصاء والتهديد والوعيد لكل من يقف بوجه المشروع الاستعماري الصهيوني ، وفي تصريح لرئيس الوزراء الصهيوني إبان إطلاق عملية السلام إسحق شامير يقول فيه حرفيا ً، ذهبنا للمفاوضات من أجل المفاوضات فقط أي اللعب على الوقت ! وعندما فاز إسحق رابين بالانتخابات تمت مرحلة جديدة بالمفاوضات حول الحل النهائي ، والذي على ما يبدو أنه أي رابين وافق على أمور لم تكن الاستراتيجية الصهيو – أمريكية راضية الأمر الذي أدى لمقتله على شاب إسرائيلي يدعى يغئال عمير.
إن إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة ، استثناء ، لا يمكن المساس بها أو المحاولة لمحاسبتها في المحاكم الدولية ، مئات القرارات الصادرة بحقها سواءً بمجلس الأمن ، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة ، بقيت تأخذ أرقاماً دون تنفيذها وإسرائيل ماضية بغيها السادر ، وأي خلاف أو اختلاف بالحزبين الجمهوري والديمقراطي لن يكون لإسرائيل أي ذكر وما عداها فكله قابل للنقاش والحوار والتنافس والصراع .
مناسبة الحديث عن الاستراتيجية الأمريكية ، هي المحادثات الأمريكية – العراقية التي تجري على أرض العراق – والذي يمثل الشق الثاني من استراتيجيتها ، السيطرة على العالم ، فالأخوة في العراق يناقشون من أجل الانسحاب الأمريكي الكامل من أراضيهم وفرض السيادة الكاملة ، لكن كما يقول المثل ، النيات الطيبة تستولد نيات سيئة وخبيثة ، فالبون شاسع بين المطالب العراقية وهي محقة مائة بالمائة وبين التهديد والوعيد بالأساليب التي اعتمدتها قبيل الغزو على العراق بالحصار والعزلة ومن ثم العمل العسكري الهمجي .
لذلك يجب أن نؤكد على الاستراتيجية الصهيو- أمريكية التي تسير على ثلاث قواعد أساسية ، إذ ترى الاستراتيجية أن العالم يقسم إلى ثلاثة أقسام ، القسم الأول اعتبار جزء من العالم يتبع حضارياً والعمل معه يتطلب التعاون والتنسيق إلى أبعد مدى ومن هذا الجزء – بريطانيا – فرنسا – ألمانيا – ايطاليا – البرتغال – اسبانيا – روسيا … ، والقسم الثاني اعتبار جزء من العالم لا يتبع حضارياً والعمل معه يتطلب سياسة النصيحة والاحتواء حتى لو كان بلدا ً إسلاميا ًومن هذا الجزء أيضا ً – الصين – اليابان – كوريا الشمالية – الجنوبية – المكسيك – تركيا – الباكستان – الهند – … والجزء الثالث والأخير والذي به ترى التطبيق والتنفيذ وعدم ممارسة ضبط النفس وما إلى ذلك من غطرسة ووحشية …ومن هذا العالم ، العالم العربي دون استثناء ، والشواهد كثيرة !!! .
واشنطن بقيت على حصار كوبا سنوات طويلة ، وبالنهاية عقدت صلح معها بغض النظر عن تلطيف الأجواء بينهما ، وحاصرت كوريا الشمالية من المؤسس الجد إلى الرئيس الحالي الذي أجرى مؤخراً مفاوضات ماراتونية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع العلم بأن بيونغ يانغ هددت بقصف الولايات المتحدة بالصواريخ البعيدة المدى والعابرة للقارات بالإضافة لامتلاكها سلاح نووي ، وتمارس حرباً اقتصادية معلنة مع الصين ، لم يُطرح يوماً الحل العسكري على الطاولة مع العلم بأن بكين تهدد الاقتصاد الأمريكي …
إن المفاوضات الأمريكية العراقية ، لا تبتعد عن الإجراءات التنفيذية الأمريكية في حال صمم العراق على انسحاب كامل ومطالبته بالسيادة العراقية المطلقة , ومحاولاتها إبعاد إيران عن التحالف الوثيق مع العراق ، وبذلك تهدف من المحادثات مع بغداد لاختبار استراتيجيتها ومدى تطبيقها وفاعليتها ، أو العمل على إيجاد آليات جديدة من خلالها التأكيد على البعدين الأساسيين سواءً السيطرة على العالم أو حماية إسرائيل ، وإقصاء الدول التي تعمل بعكس الاستراتيجية الأمريكية عن الأراضي العراقية . لذلك لا يمكن التعويل على نتائج المحادثات ، لا سيما بلد مثل العراق يعاني الكثير من المشاكل والأزمات ، وأكثر ما يحتاجه الاستقرار السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي حتى يتسنى له الذهاب بعيداً بمحادثات جدية وفي عقر الولايات المتحدة وحثها على الانسحاب وإلاّ واجهت مقاومة شرسة من قبل الشرفاء والوطنيين .
تقصد واشنطن من محادثاتها أو مفاوضاتها على أرض العراق ، أن هذا البلد العربي لديه القبول والجاهزية للعمل معها ، وهاهو يجري سلسلة لقاءات مع بعض المسؤولين الأمريكيين بكل صدر ورحب ، وبالتالي فإن العلاقات العامة بين الدولتين بأوجها وألقها ، بالرغم من سرية المحادثات والقاعات المغلقة … وناهيك عن الابتسامات العريضة على مُحياهم وأذكر بالاسم وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو وابتسامته ( البريئة ) والتي وراءها سمٌ زعاف .
واشنطن وتل أبيب مثل الشمعة والخيط ، كلاهما سيحترقان وينتهيان ، وعلى العالم أن ينتبه للسياسات الأمريكية الإسرائيلية التي تشق العالم إلى نصفين ، الأول مع الأمن والسلام الدوليين ، والآخر ، الخراب والتدمير وإشعال الحروب من أجل السيطرة والتحكم بمصير الآخرين ، والأحداث الجارية بمعظم الولايات المتحدة على إثر مقتل جورج فلويد بطريقة وحشية تؤكد النية المبيتة للعالم الآخر الذي يُراد له قطع النفس ، حتى لا يقوى على الحراك والتكلم .
الاستراتيجية الأمريكية في اختبار وتأكيد ، وتحديث آليات جديدة من شأنها الاستمرار بنهج السيطرة وإرهاب العالم فواشنطن تعلن جهراً عن أعدائها ولها في ذلك مجلس الأمن ، وقراراتها النابعة من الكونغرس الأمريكي ، وإسرائيل تنفذ إجراءاتها بسرية تامة عبر عدة شبكات معقدة ليبقى التحالف الوثيق مع واشنطن ضمانة البقاء والاستمرار .