اصدارات ونقد ….
رانيا مسعود (2) مصر …
لم تكن القضية مطروحة في منزل “شوكت بك” بينه وبين زوجته “زينب” مراعاةً لشعورها ربما، إلا أنها كانت حاضرةً حتى هذا اليوم الذي عبَّرَ فيهِ “شوكت” عن مخاوفه من أن ينضمَّ إلى القتالِ تطوُّعًا نظرًا لانتسابه إلى سلاح الخيالة في الجيش المصري كضابط، وهو سلاحٌ لا ينتسبُ إليه إلا أبناءُ العائلات وهم لا يشتركون في أي حروب، لكن الموضوع أثار أعصاب “زينب” حين بادرَ بطرحه “شوكت” فصرخت “زينب” أن “مدحت” إنسانٌ هادئ ولن يشترك في هذه الحرب، وهنا عاود “شوكت” ليطرح مسألة اشتراك “إيزاك” ولد “لوسي” أو “خالد” – كما يكره أن يتسمَّى بهذا الاسم المسلم- في قتاله مع اليهود، وقتها أعلنها “شوكت” صراحةً أن “إيزاك” يهودي على الرغم من إعلانه إسلامه، وهذا هو ما فجَّرَ الأزمة بينه وبين زوجته التي أحسَّتْ أنه يلقي بكلامه إليها شخصيًّا. لكن هنا يظهر “شوكت” في ضعفه وهو مريض وقد ألقى إلينا الكاتبُ هنا بإلماحةٍ عن اقتراب وفاته.
لم تعد نتيجةُ الحربِ على المجتمع اليهودي بأي شيء، وربما كان هناك تظاهرٌ منهم بلا شيء، وكان بقاؤهم في الحفلات والاجتماعات والأندية وصالات المقامرات مع الملك خافيًا لما في صدورهم. ويؤكد “شوكت بك” لـ “لوسي” أو “زينب” أن الحرب سوف تظل قائمةً بين الطرفين، إلا أن اشتدادَ المرض به يجعلها تطلب منه أن يرحمها بالصمت. وتبدأُ هجرةُ اليهود، فالفقراء منهم يهجرون البلاد إلى قبرص ليرحلوا بعدها إلى تل أبيب، والأغنياء منهم اتجهوا إلى الغرب حيث أوروبا والأمريكتان. وتأتي إشارةُ الكاتب “إحسان عبد القدوس” إلى عائلة “إبراهيم سرور”، ذلك الرجل المتخفي بين المصريين كرجلٍ مسلمٍ حتى أنه يشغل منصبًا مهمًا وحساسًا في الجيش المصري وتمتد قوته ونفوذه إلى أن يصبح من كبار ضباط المخابرات المصرية، بينما هو في الأصل يهودي، يخفي انتسابه إلى ديانته عن المصريين، ويعيشُ بينهم على أنه المسلم المتزوج بيهوديةٍ فرنسية. ظل “إبراهام” مستترًا في لباسه المصري المسلم باسم “إبراهيم” وعمل في الأعمال الحرة إلى أن طردت زوجته من مصر عقب العدوان الثلاثي، فاضطر للهجرة معها. وكانت هذه الهجرة أكثر ما أقلقَ “لوسي” أو “زينب” حيثُ كان لأبناء عائلة “إبراهيم سرور” علاقة صداقة تربطهم بولدها “إيزاك” وهم مثله تربوا على أنهم أمام الناسِ مسلمون بينما هم في باطن الأمر يهود، وهجرتُهُم هذه قد تعيدُ الفكرةَ إلى “إيزاك”. ولكنها استطاعت أن تعيدَه عن تفكيره في وجودِ الأموال والسلطان والنفوذ الذي حازتهم جميعًا من زواجها بـ “شوكت بك”، وبإيمانها أن المستقبلَ هنا في مصر وليس في أحضان وطنٍ مازال بعد في طور التشكيل مع وجود ما يحفه من مخاطر ما تزال بعد خافيةً على الجميع. ولكي تُثَبِّتَ من أركانها جيدًا في مصر أرادات لابنتها “ياسمين” أن تتزوج بـ “عزيز راضي” وإن كانت “ياسمين” بعد صغيرة وهو يكبرها بضعف عمرها، وإن كان لم يرغب فيها ولكنه يرغبُ في والدتها، وإن كان “عزيز راضي” لا يمتلك من المقومات سوى المال، ولا مؤهلات تعليمية له، فالزواجُ لا يتطلبُ أي مؤهلاتٍ تعليمية، ولا بد من التخطيط له جيدًا لأنه السبيل الوحيد لاستقرار “ياسمين”.
وبذكاء حيلةِ “لوسي” تُلَمِّحُ لـ “عزيز راضي” أنها تخشى على ابنتها من وجودها بينهما في النادي، وتخبره أنها لا تخشاهُ فهي تعرفُهُ لكنها لا تأمن عينيه اللتين قد يفتتنان بابنتها، وبمزيدٍ من معسولِ الكلماتِ تستطيعُ أن تجتذبه إلى ابنتها ليصبح زوجًا لها، يعوضها عن التيه الذي تعيشه مع شخصية والدها التي لا تروقها، فهو لا باليهودي الذي أبقى على دينه، ولا بالمسلم الذي تتشرف بالانتساب إليه؛ لذلك سيكون فخرًا لها أن تنتسب لـ “عزيز راضي” لتستكملَ شخصيتها الاجتماعية. وتصر “لوسي” أن تتواصل مع طليقها “زكي راؤول” الذي غيَّر اسمه إلى “أبو بكر عبد الله” ليكون بجانب ابنته التي ستتزوج كي يطلبها منه “عزيز راضي” ابن “راضي باشا”، ولكنه يرفض وبالحيلةِ ذاتها عندما وجد مكاسب ترضيه من هذا الاقتران أصبحت “ياسمين” زوجة لـ “عزيز راضي” ولكن في ثوب سفر كي تسافر إلى أوروبا معه. وبعد أيامٍ يأتي خبر وفاة “شوكت بك” وتبكيه “زينب” أو “لوسي” التي تعترفُ له بكرمه معها، ومن ثَمَّ تبكيه لما سوف ترثه من صفقةٍ رابحة.
وبصورةٍ غير صريحة المباشرة يسردُ لنا الكاتبُ ما تركه “شوكت بك” من إرثٍ دخل في حيازة هذه السيدة، علاوة على إشارته إلى أن أولاده لم يتدخلوا لحرمانها من الميراث، بل على العكس فقد تصرفوا معها تصرفات أولاد العائلات الكبيرة فمنحوها الأرضَ التي عاشت فيها مع أبيهم. وهنا هو يومئ بغير مباشرة ويشيرُ إلى حسن تصرف المصريين من المجتمع الراقي في مقابل رصد دهاء ومكر وحيل نسجتها امرأة لعوب لتسيطر على ممتلكاته.حقًّ صنعت “لوسي” مجدًا بسيطرتها على الحياةِ المادية نفوذًا ومالًا وجاهًا، لكنها ما استطاعت أن تشتري من الحياةِ ما يقنع الناسَ أنها المسلمة، حتى بعد أن غيَّرَت اسمها إلى “زينب”، وكذلك ولدَت ابنتها “هاجر”. إنها ستظل دائمًا زوجة “شوكت بك” لا أكثر… وبعد وفاته لمن تُظهِرُ إسلامها؟! حتى طقوسها الدينية لم تعد سوى ثقلٍ تسأمُ حِملَه على صدرها، ولكن المبرر الآن لبقائها مسلمة كـ “زينب” لا بد أن يقترن بضرورة حمايتها لابنتيها: هاجر وياسمين. نعم قاطعت “زينب” مجتمع اليهود الطامع فيها بعد وفاة زوجها، ولكنها أصبحت مبتورة العلاقات مع عائلة زوجها الذين ما إن قسَّموا تركته، ارتحلوا عنها ولم يسألوا عن أختهم “هاجر”. لذلك تفكر “لوسي” أو “زينب” الآن في أن تستند على رجلٍ لتحقق لنفسها مزيدًا من الحماية، لكن مع “عزيز راضي” زوج ابنتها لن تتحقق لها تلك الحماية، لكونه ذلك السكير الطامع فيها جسديًّا. أما ابنها الحقيقي “خالد” أو “إيزاك” فهو لا يعترفُ بتغيير ديانته، ولا يريدُ الانتماءَ إلى هذه الأم التي ودَّعَتْ حياتها كيهودية، ويظل ثابتًا على مبدإٍ واحد وهو تمسكه بيهوديته على الرغم من محاولة الأم إنكارها عليه لحمايته. والآن وبعد وفاة الزوج حتى وإن كانت تحاولُ هي ضم الابن إليها، هي لا تجدُ منها اهتمامًا إلا بالمَصرفِ الذي فتح لهُ أبوابه، فالوالدة لديها ما لا ينتهي، وهو يُمَنِّيها بأنه يريدُ أن يديرَ أعمالًا، وهي لا تعرف عنه أنه ينفق في الترف والسكر والعربدة كغيره من الشباب في مثل عمره، ولا تصدق أنه هو من يدير الأعمال بتلك الأموال التي يستغلها للحصول عليها، لذلك تلجأُ إلى حرمانها أو التقليل، مما يجعله يعنفها ويلومها على بخلها ويدعوها بذلك دون أن يتورع عن مناداتها به.
وهنا يُظهِرُ الكاتبُ علاقات التوتر التي تنتابُ “لوسي” أو “زينب” البطلة الرئيسة حين يسرعُ في سردِ الأحداثِ باستخدامه الجمل التي يقتضبُ بها حوارات الأبطال، فالسرعةُ في هذا المجال للدخولِ إلى هذا الركن بإظهارِ تلك الحالة من التوتر والريبة والعجز لا يناسبها إلا أن يصنع الساردُ هذا التوتر بالمغالاة في السرعة باستخدام الجمل الكاشفة دون أن يرصدَ بين الأبطال تلك الصراعات بمشاهد روائية. ولتواترِ الأحداثِ السياسية دوره كذلك في مد القارئ بمزيدٍ من التوتر في حالته حين يأخذه إلى تلك المنطقة من عدم استقرارية البطلة، وكأنه يصفُ حالة أسدٍ لا يهدأ من اللف والدوران داخل عرينه في حديقة الحيوان، أو كأنه يصفُ تمساحًا عجوزًا ما عادَ بقوةِ الشبابِ لينقض على فريسته، لكنه يحاولُ أن ينالَ منها باللف والدوران حولها بأن يحومَ طويلًا، ولا يهدأ له باله. وبتصاعُدِ الأحداث من ثورةِ الضباط يزيدُ قلقُ “زينب” على مستقبلها وما صنعته في سنواتها الماضية، فلا هي التي تستطيع أن تستكمل إسلامها حيث لا يساعدُها أحد في استكمال دورها، ولا هي التي يمكنها التراجع والفرار إلى وطنها الذي يفرُّ إليه الآنَ أصدقاؤها ومقربوها من اليهود.
وإذا كنا من قبلُ قد طالعنا الكاتبُ ببراعته في السرد بفقرته المفتاحية للرواية، فإنا الآنَ أمام مشهدٍ روائي يكشفُ لنا تلاحُم العنوان الروائي مع الأحداث لتتصاعد أزمة الصراعات في الرواية، فالمشهدُ بين الأم “لوسي” وابنها “إيزاك” حين يعرضُ عليها خبره المفاجئ برغبته في السفر، فتتهكم منه ومما يصنعُ أبوهُ وتظل تُمنيه بالمزيد من الوعودِ والإغراءات ليبقى بجانبها، فهي ترى مصر الأمل والموطن، لكنه لا يراها كذلك. هي تريدُهُ أن يستقر في عائلةٍ وأن يدير أموالها التي تشهدُ لها على شدة ذكائها، وعلى نجاحاتها التي حققتها من تدبيراتها وحياكتها للمؤامرات، لكنه يرفضُ متعللًا بالذهاب إلى “باريس”. هنا تلقي له البطلة جملةً حواريةً معبرةً عن حالتها: “وتتركني وحدي..”. لقد طالَ فيما يبدو على قصرِهِ الحوارُ بينهما إلى أن وصلت به إلى هذه الجملة الحوارية الضيقة ظاهريًّا في حروفها وكلمتيها، والواسعة الكاشفة باطنًا لمحتوى الرواية ككل. إن الكاتب من الذكاء أن يحصر للقارئ الرواية في تلك المنطقة، فينتقل به من مراحل التفاصيل في الروايةِ من بدايتها إلى مرحلة ذروة الذروة في إجمالِهِ العنوان والهدف من بناء الرواية من بدايتها ملخصًا إياها في كلمتين: “تتركني وحدي..”.
ولم ينسَ الكاتبُ كذلك أن ينهي هذا الفصل بأن يقطع دابر الشك باليقين حين يلتفُّ أفرادُ الأسرةِ الصغيرة اليهودية حول المائدة، ويتلون صلاتهم سرًا وجهارًا أمام أختهم الصغيرة هاجر، وفي سخطٍ وامتعاضٍ من والدتهم التي تدعوهما باليهود. ثم يختتمه بالسفر الفعلي لأسرة “لوسي” وزوجها اليهودي السابق وزوجته الحالية وابنها بتدرج، حيثُ أرسلَ إليها أولًا رسالته من باريس، وذيلها باسمه المسلم كي يحتاطَ من مراقبة البريد، ثم رسالة ثانية فالثالثة التي قطعت كل جذور الشك أنها سافر إلى موطنه حين انقطعت بينه وبين أمه الاتصالات بعدها. وبذلك عادت كل أفراد عائلتها السابقة إلى جذورهم الأصلية التي ما كانوا ليتنصلوا منها إلا مؤقتًا حتى يحين هذا الموعدُ لهم في ذلك المكان.
الآن ينتقلُ الكاتبُ بنا إلى مرحلةِ فكِّ العقدة وتحللها، بعد أن وصل بنا إلى تنامي السرد بالأحداثِ إلى مرحلةِ الذروة. هو الآنَ يرصدُ الحالة نفسها التي تنتابُ “زينب” بعد وحدتها الجزئية، فالبيتُ الآن يخلو إلا من “ياسمين” التي لم ترث من والدتها إلا الجمال، أما شخصيتُها وذكاؤها فلم ترثه عنها. لكن “لوسي” على الأقل استطاعت أن تشتري في وحدتها ولاء “ياسمين” لها. وكيف لا وقد أغدقت عليها، وسترتها بالكثير من النعم؟! هي الأم التي نقلتها من حي الظاهر إلى حي جاردن سيتي إلى فيللا المنصورية وحي الزمالك، ثم هي الأم التي وضعتها بين كبرى عائلات اليهود والمسلمين وقدمت لهم ابنتها في الأماكن الراقية وبين سيدات المجتمعات. وأخيرًا هي التي زوَّجَتها بـ “عزيز راضي” ابن الباشا الغني من عائلته المعروفة، وودعَت الشخصية الانهزامية للأب الضعيف لتقترن على الأقل بما يحقق لها الرضا بالانتسابِ إلى عائلته وتحصيلِ أمواله. لكن القلقَ الذي يساورُ شخصةَ “زينب” منذ بداية الرواية ربما تضاعف بقوة لدى ابنتها “ياسمين”. الآن هي تخشى مصيرها في ظل وجود زوجٍ لا يعبأ بحالتها، ولا يكترثُ ويهتمُ لوجودها، فهو ذلك السكير الذي ودَّعَ الدنيا إلى عالمه الخاص. أصبحت “ياسمين” في جوٍّ من الخوفِ وحالةٍ من الفزعِ من أي ضابطٍ يسيرُ في الطريق بعد أحداث حركة الضباط كما يسمونها، ويسميها الكاتبُ بذكاء. إنها لا تخشى أن تسلم نفسها لأي ضابطٍ كأنها مذنبةٌ بوجودها في هذا البلد. هي أيضًا لا تشعرُ إلا بالإهانةِ الشخصية في ظل بقائها كيهودية في مجتمعٍ كان طاردًا لليهود، أو على الأقل فلنقل إن اليهودَ قد اختاروا لأنفسهم هذا المصير بالطرد للحشرِ في أرضٍ وعدتهم بالوفاء على ميعاد. لكن ما الذي يجمعُ “خديجةَ” الآن بـ “ياسمين”؟ خديجةُ يجمعها بياسمين همٌّ واحدٌ على اختلاف شخصيتيهما، فالقوةُ التي تتمتعُ بها “خديجة” لا تتناسب مع شخصيةِ زوجها التي ليست أفضل حالًا من شخصية “عزيز راضي” زوج “ياسمين”. هنا أحسَّتْ “ياسمين” بوجود حضنٍ جديدٍ لها يختلفُ عن حضن والدتها. فزواجها كان صفقةً خسرت بمجرد أن حدث التأميم لأموال “راضي باشا” وأصبحت كل ممتلكاته ملكًا للحكومة، ولا يملكُ “عزيز” الآن سوى معاشه فقط الذي لا يكفيه كمخمور. و”زينب” لا تعجبها ابنتها التي لا تستغل أنوثتها في التربح كامرأة أعمال، و”ياسمين” تُلقي بأسرارها وهمومها في خزانة صديقتها. وتعودُ “زينب” إلى سابق عهدها بالتواصل مع الضباط هذه المرة لتتخذ من أنوثتها هي نفسها سلمًا كما كانت تفعل من قبل. واستطاعت أن تبيع أسهمها في البورصة باستغلال جمالها في اجتذاب اليوزباشا ذي النفوذ الذي عُيِّنَ سفيرًا في إحدى دول أمريكا الجنوبية كعقوبة له على أدائه. وتتذكر “زينب” ولدها بالبكاء بينما تباغتها “ياسمين” بقرار شراكتها مع “خديجة” في التجارة، وهو ما أسعد الأم التي أوصتها باختيار الزبائن جيدًا.
وتصطدم “زينب” بسؤال “هاجر” لها لدى عودتها من مدرستها. الآن هي أصبحت شابة يافعة، تبلغ من العمر اثني عشر عامًا، وملامحها مشربة بملامح أبيها الأرستقراطية. وشخصيتُها بها الكثير من شخصيات بنات العائلات الراقية. وهي لم تسأل من قبل عن إخوتها من أمها لأنها لا تعرف عنهما سوى ما يظهر لها، بينما تداري الأم بضحكتها عنها الحقيقة، وتجيبها بأن إسلامها أقوى من إسلام أمهات من يعايرنها في المدرسة بأمها. والسؤال تبعته أسئلة عن إخوتها وعن عدم زيارتهم لها أو زيارتها هي لهم، وغيرها من الاستفسارات في مخيلتها… لقد حرصت “زينب” أن تبتعد عن أسرة “شوكت بك” بعد وفاته كي لا يأخذوا ابنتها ويقولوا أمامها ما لا تحب أن تعرفه ابنتها عن ماضيها. هي لا تريد لابنتها أن تخجلها كلماتهم وأحاديثهم عنها باعتبارها عاملة المانيكير التي استولت بدهاءٍ على تركة أبيهم بعد خداعه في حياته. ولكن الأيام تباغت “هاجر” برؤية أخيها المفاجئة، فالفتاةُ التي رأت هيئة أبيها المتوفى في ملامح أخيها جعلها تتهللُ فرحًا بهذه الرؤية، مما جعلها لا تخفيها على والدتها. فحديثها قدرًا مع ابنة أخيها التي لم تكن تعرف أنها ابنة أخيها كان الصلة التي جمعتها بأخيها بزيارته في بيته، ومن بعدها أصبحت “هاجر” أكثر التحامًا مع إخوتها، وتباعدت عن والدتها حتى أصبحت مغيبة عنها تمامًا.
في هذه الفترة اقترب من “زينب” رجلٌ جديدٌ ظهر في حياتها ليكون لها سندًا في وحدتها وهي في أربعينها، وقد أعادت نظراته إليها أنوثتها المتقدة في ثلاثينها. هنا تمارسُ هي معه حالةَ العِشقِ في غير خشية؛ إذ كان ولا بد لها أن تمارس تلك الحالة بعد أن كانت حالتُها مع زوجيها السابقين اللذين وهباها الأسرة ثم وهبها الأخير الاطمئنان بميراثه المادي لأحوال المعيشة في مستقبلها. والآن هي تظهر في المجتمعات العامة مع “محمود رفعت” وتقدم له نفسها اشتهاءً للعشق، وتبتعد كثيرًا عن ابنتها.
لا تعتبرُ “هاجر” والدتَها أكثر من مجرد خزانة مال تمامًا مثلما كان يفعل “إيزاك”، ولكن مع الفارق، فـ “إيزاك” يريد مال الأم طمعًا فيه، إلا أن “هاجر” تريد مال الأم لأنها إنسانة من بيئة أرستقراطية نشأت على الإنفاق كيف تشاء، وقد كفل لها وجودها مؤخرًا بين إخوتها وأصدقائها هذا المستوى من المعيشة المرتفع الذي يتطلب هذا المستوى من الإنفاق.ولا تريدُ الأم خسرانها كما خسرت من قبل أخاها، ولا تريدُ أن يقول أفراد عائلة “شوكت” أنها تحرمها مالَ أبيها، فتكون ذريعةً لضم الابنة إلى العائلة، فتعطيها وتجزل في العطاء. ويتنامى قلقُ “زينب” على ابنتها المراهقة، وتتبنى أختها “ياسمين” أن تحكي لأمهما أسرارها إذا ما طالت أذنيها قصصها من أيٍّ من زبائنا الذين يترددون عليها في (البوتيك). وتأتي “ياسمين” أمها بأخبار إعجاب “هاجر” بفتىً في النادي أفلست عائلته ويتلذذ هو باستنزاف بنات العائلات، وقد يكون هذا الشابُ من يستنزف أموالها. وبعد أن استدرجت “زينب” ابنتها “هاجر” علمت منها أنه بالفعل اتفق معها على الزواج وأنها سوف تجعله يدير لها أموالها، عندها انهارت الأم وهي تعنف ابنتها وترجوها أن تتراجع عن فكرة الزواج به لأنه يتلاعب بها، وقتها أحست أنها إنسانة وحيدة، فلا يستطيع في هذا الموقف أن يساندها رجلٌ، فولدها الوحيد سافر بالفعل إلى بلده، ولم يعد لها من تعتمد عليه في فكرة التخلص من هذه الورطة قبل الوقوع فيها.
يغلقُ الكاتبُ “إحسان عبد القدوس” الفصل باندلاع حرب 56 واحتلال اليهود لسيناء، وبكاء “زينب” يتصدر المشهد، ليفتتح الفصل الذ ي يليه مباشرةً بمشاعر القلق الحتمية التي انتابت “زينب” حيث ترى أبناءها في خطر الاقتتال، وتخشى أن يقتلهم أبناءُ الأرض التي تربوا عليها. وتلتحفُ “ياسمين” بأمها خوفًا من مصيرهما كيهوديتين تخفيان ديانتهما. وتسأل “هاجر” مع أي الفريقين تقفُ أمها، وهي تجيبها أنها لا تحب أن تندلع الحروب أبدًا، وهي تخفي ما في صدرها من غضبٍ وخوف. ويتهللُ “عزيز راضي” بأخبار دخول الإنجليز في الحرب، ويشرقُ الأملُ من جديد حيث ستعود إليه أمواله التي نهبتها الثورة والضباط كما يتخيَّل. وبينما ينشغلُ الجميعُ بأمر الحرب، لا يشغل “زينب” سوى مستقبلها كيهودية في مصر، فتلجأ إلى الاقتران مرة أخرى برجلٍ، وهذه المرة هو ذو سلطة. العميد “فهمي جار الله” أحد الضباط الذين يحكمون، ويسيطرون حتى وإن لم يعد يخدم في الجيش ستراه الآن يحكم شركة الصناعات الأهلية بالإسكندرية كرئيس لمجلس الإدارة. التقته “زينب” لدى صديقتها “نادية”، وهو رجلٌ في الخمسين من عمره، وهي الآن قد جاوزت الخامسة والأربعين. لقد استطاعت أن توقعه على الرغم من أنه متزوج ولديه أولاد، وتم الزواج. أصبحت بذكائها تختالُ من جديد، فقد استطاعت أن تشتري لها نفوذًا جديدًا، وأصبح الجميعُ يتودد إليها ليحصل على مشتهاه من سيادة العميد من تحقيق رغبة في سفرٍ ممنوع منه، أو التوسُّط إليه ليقضي إحدى مصالحه.
تباغتُ “هاجر” من جديد أمها بزيجتها، وتحاولُ “زينب” تدبير مكيدةٍ لكي تتخلص من الزوج الذي سيجلب للعائلة عارًا جديدًا يضافُ إلى عار “عزيز راضي”. تستدعيه في بيتها وتراه يتصرف معها بصورة مختلفة، لكنها تحاولُ أمام الابنة ألا تفلت أعصابها كي تدبر له ما يبعده عنها في أقرب وقت. وبعد الاستقبال ينصرف لتروي “زينب” لزوجها الجديد كيف تصرف بوقاحة معها ومع ابنتها، وتروي ما يجعل زوجها يكره هذا الشاب كثيرًا، ثم أقنعت “فهمي” أن يعلنا أمام الجميع توكيل “زينب” له للتصرف في أموالها، ليريا ماذا سيكون رد فعل الشاب المستهتر الذي ارتبط بابنتها ليستولي على ميراثها. ويومًا عن يوم لا يستطيع الشاب المستهتر أن يخفي خوفه وارتعاده من “فهمي” زوج حماته، ولا الإفلات من تحكم وسيطرة الأم في أموال الابنة، حتى ضاق بذلك، واضطر أن يعود إلى عمله الصلي في اصطياد النساء للاستيلاء على أموالهن، وعندها أحست “زينب” بنجاح خطتها بازدياد شكوى “هاجر” من زوجها المستهتر. ويأتي دور “زينب” بعدها لكي تدبر لـ “ياسمين” ما يضع عنها معاناتها من زوجها.
وفي الفصل التالي يذهب الكاتب “إحسان عبد القدوس” إلى منحى آخر، وقضية علاقة “ياسمين” بنساء ثريات تبيع لهن المتعة المحرمة بصحبة شريكتها، ويتردد هذا على مسامع “زينب” التي تخشى فقط أن يتردد هذا عن ابنتها لا أن تمارسه ابنتها بالفعل. هنا مدخل آخر لقضايا أخرى من الفساد الذي تعرض له المجتمع العربي وليس فقط المصري، وقد تطرَّقَ إليها الكاتب دون أية مواربة وبمنتهى المباشرة. فبطلة الرواية هي المحور الذي تتشابك من حولها خيوط المطامع بتحقيق أهواء الشخصيات الأخرى. هي طامحة جامحة وتبث كلًّا من ابنها وابنتها هذا الطموح، وتتمنى لو استطاعت أن تسيطر على ابنتها، ابنة الطبقة الأرستقراطية بحضها على هذه الرغبة، إلا أنها لا تستطيع. وهنا عندما تسمع ابنتها “ياسمين” وهي تتحدث عن المكاسب التي تحصدها من هذه الممارسات المنافية للدين والعرف لا تخشى عليها من سوء العاقبة، ولكنها تطمئن لمعرفتها أنها أشياء تدر عليها أرباح ومكاسب لا تستطيع غيرها أن تحققه. كل شيءٍ يهون من أجل المال، وهي يهودية وابنتها اليهودية بدأت تستعمل ذكاءها هي الأخرى مثلها. وهنا توضح لها رغبتها في السفر إلى فرنسا، وستترك لها طفليها كي تحقق ما تشتهي من طموح هناك. لكنها لم تعد تبالي لوحشة ابنتها التي قد تنافسها في سبي عقل زوجها الجديد “فهمي” رجل الجيش الذي يهوى الاستيلاء، وقد تحلو “ياسمين” بأنوثتها التي تنافس بها أمها في عيني “فهمي”.
ويأتي دور “فهمي” القوي في ملاحقة الزوج المستهتر لابنتها “هاجر”، والذي يستطيع أن يضعه رهن محبسه حتى يطلقها فتعود من جديد إلى حضن والدتها “زينب”. وتعيشُ “هاجر” وحدتها وانعزالها عن والدتها التي تُعَيَّر بيهوديتها، وربما ما كانت لتلقي بنفسها رهينة شخصٍ مستهتر لتتزوج به إلا أنها أرادت بالفعل الخلاص من هذا العار الذي لاحقها طوال حياتها. وتعود “زينب” لمرارة وحدتها مع ابنة تنطوي بنفسها بعيدًا عنها، وأخرى هاجرت بلا عودة وتركت لها طفليها، وابن لا تعرف ما آل إليه مصيره.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

