دراسات …..
بقلم : بلال المصري – سفير مصري سابق …
مُــقــدمــة :
عقب إعلان مصر والإمارات العربية والسعودية والبحرين في 5 يونيو 2017عن فرضهم حصاراً ومقاطعة علي دولة قطر لإتهامهم إياها بدعم الإرهاب , ومنذ هذا اليوم بدأت مواجهة مفتوحة بين الفريقين , وكان من بين ساحات هذه المواجهة أفريقيا , وهذه المرحلة من مراحل العلاقات الخليجية / الخليجية كانت لا تعد جديدة في بابها , لكن الجديد فيها أنها دفعت كل من قطر والمملكة السعودية علي وجه التحديد لتوسيع نطاق المواجهة لتمتد وتصل لأفريقيا , ولم يكن لدولة قطر إهتمام نوعي بالعلاقات الثنائية مع دول القارة بإستثناء دول قليلة جداً وكان الأهتمام القطري بأفريقيا يُمارس بصفة رئيسية بواسطة بعض المنظمات القطرية غير الحكومية الخيرية , وكان الإندفاع القطري نحو أفريقيا بعد 5 يونيو 2017 مُشأه أزمة سياسية أفضت إلي فرض الحصار والمُقاطعة من قبل دول الجوار في الأساس , ويُلاحظ أنه بالرغم من أن أزمة قطر سياسية أيضاً مع مصر إلا أن مكوناتها بها بعض الإختلاف عن أزمتها مع دول مجلس التعاون الخليجي الثلاث السعودية والإمارات والبحرين , وهذا لا ينفي أن المُكون الرئيسي لمواقف رباعي الحصار قاسم مُشترك بينهم وهو رؤيتهم لقطر كدولة داعمة للإرهاب وهو ما أشاروا إليه في مطالبهم الثلاث عشر التي طالبوا قطر بالوفاء بها حتي يمكن رفع حصارهم وإنهاء مقاطعتهم لها , وهي المطالب التي مازالت مُعلنة حتي يومنا هذا بالرغم من حركة مد وجزر محدودة تعتمل مُؤخراً في الإتصالات القطرية مع دول الحصار خاصة السعودية , لكن مما يمكن ملاحظته أنه بالرغم من أن توجه قطر صوب أفريقيا جنوب الصحراء لم يكن توجهاً أصيلاً بل نشأ عن حالة صراع سياسي مع دول الحصار الأربع وخاصة الخليجية منها إلا أنه بدأ مع الوقت يأخذ سمتاً بحيث يمكن القول أن هناك سياسة قطرية متكاملة أدواتها الإمكانات المُتاحة لدي قطر وأهمها التمويلات الإستثمارية والمعونات العينية والمالية والربط الجوي , أما بالنسبة للتمثيل الدبلوماسي القطري بأفريقيا فهو محدود إن قيس بالتمثيل المصري من الوجهتين العددية والنوعية .
بناء المنظومة :
لم تكن لقطر سياسة أفريقية ذات أدوات متنوعة قبل فرض الحصار الرباعي عليها في 5 يونيو 2017 , لذلك من الواقعية القول بأن قطركرد فعل منها لذلك الحصار شرعت في بناء منظومة تحقق بها سياسة أفريقية هادفة ليس فقط لكسر هذا الحصار بل وتجاوزه بجعل هذه السياسة إستراتيجية أبعد مدي تحقق إضافة وثقل للمكانة التي تحققت لها بفضل تضافر سياسات قطرية متنوعة في مجالات : سوق الغاز العالمي / تنوع الإستثمارات الخارجية / شبكة الجزيرة الإعلامية / التعاون العسكري / الأمني مع الولايات المتحدة مُتمثلاً في قاعدة العيديد التي فاخر بها علناً الأمير تميم بعد فرض الحصار الرباعي علي بلاده كونها أحد الأواصر القوية في العلاقات الأمريكية / القطرية وأما التعاون الأمني فهو ما توفره إتصالات قطر المُتنوعة والمُجازة من الولايات المتحدة بأطراف سياسية أو جماعات وتنظيمات ليس بينها وبين الولايات المتحدة خط مباشر (كإيران وطالبان والشيشان ألخ) يمكنها من الإتصال بها مباشرة , وهي سمة تتميز بها الحركة السياسية القطرية توفر لها مع اليسر التمويلي أو Financial Solvency لديها إمكانية النهوض بدور الوسيط في بعض النزاعات الإقليمية .
بالإضافة إلي الإجراءات التي إتخذها رباعي الحصار والمقاطعة لقطر علي الصعيد الثنائي مع قطر في مجالات مختلفة أهمها حركة الطيران والتبادل السلعي وكافة أشكال المقاطعة في مجالات متنوعة , فقد تزامن وتوازي مع فرض هذا الحصار الرباعي مبادرة وقيادة المملكة السعودية للإتصالات مع دول أفريقية لقطر معها علاقات دبلوماسية بغية الضغط علي هذه الدول بوسائل معهودة من المملكة لكي تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر وحثها علي تبني موقف رباعي الحصار إزاء قطر بإعتبارها دولة داعمة للإرهاب , وكان أول رد فعل لذلك إستدعاء موريتانيا والجابون وجيبوتي وتشاد وجزر القمر والسنغال والنيجرسفراؤهم من الدوحة فيما قطعت بعض الدول الأفريقية كأرتريا العلاقات الدبلوماسية معها , الأمر الذي يعني بصفة مباشرة أن مقاطعة وحصار قطر تبنته دول أفريقية لقطر معها علاقات دبلوماسية , وهو ما لم تتوقعه قطر خاصة من دول تحركت فيها الدبلوماسية القطرية بفاعلية تطبيقاً لنهج دبلوماسي طالما أحرزت فيه نجاحاً وهو نهج الوساطة والمساعي الحميدة حتي تبدو كقوة معنية بتحقيق السلام وقد أخذ هذا الدور رونقاً واضحاً مع إقترانه بأمرين أولهما أن دول الخليج الأخري لا تنهج دبلوماسيتها هذا المسار أعني : الوساطة وهذا ما أكسب الدبلوماسية القطرية تفرداً كان يمكن لدول الخليج الأخري مزاحمة قطر في التحرك فيه بدون أن يعني أن ثمة منافسة بينهم , ثانيهما أن شبكة الجزيرة وبحرفية عالية روجت وتروج لهذا الدور بالقدر الذي يستحقه وبالقدر الذي يصنع صورة ذهنية لقطر بإعتبارها “قوة سلام” وهو ما أدي إلي صعوبة في الترويج في أوساط الرأي العالم عربي كان و / أو غربي لدعم قطر للإرهاب , ولذلك فقد أدي تفرد قطر بهذا الدور بلا منافس خليجي إلي ولوج الدبلوماسية القطرية إلي داخل أجهزة ووكالات الأمم المتحدة , ومن أوضح الأمثلة علي ذلك الدور القطري في قضية الصراع في دارفور قبل وبعد تمركز القوة الهجين لحفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي في دارفور UNAMID طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1769 بتاريخ 31 يوليو 2007 , وقبل ذلك دخلت قطر في المسألة السودانية في فترة تصاعد التوتر بين نظام البشير وتجمع المعارضة الشمالية السودانية وهي الفترة التي تقاطعت مع خط المبادرة المصرية / الليبية التي بدورها تقاطعت مع خط جهود منظمة IGAD لإنهاء الصراع بين شمال السودان وجنوبه وهي التي إعتمدتها القوي الدولية المعنية خاصة الولايات المتحدة التي كانت معنية فقط بالصراع بين الشمال والجنوب والذي كان مثار إهتمام أولي للكونجرس ووكالة المخابرات والخارجية وقبلهم الرئاسة الأمريكية إلي أن وصلت جهود IGAD لتوقيع إتفاق السلام الشامل بين حكومة السودان والتمرد الجنوبي في كينيا في يناير 2005.
لقد ظلت الدبلوماسية القطرية تتحرك في مجال حر خال من المنافسة الجادة في قضايا تناولتها الدبلوماسة القطرية علي اساس إنتقائي , فعلي سبيل المثال لا الحصر لم تتحرك الدبلوماسية القطرية صوب صراعات أفريقية أخري مثل الصراع في Cabinda وهو أقليم أنجولي (محافظة) تقع بين الكونجوليتين وخارج الأراضي الأنجولية يُطالب معظم سكانه بالإنفصال عن أنجولا وهناك ذراعان للمقاومة الكابيندية أحدهما سياسي وهي حكومة منفي مقرها باريس والآخر جبهة مقاومة مُسلحة تُدعي FLEC , كما لم تتدخل قطر في النزاع الحدودي بين مالاوي وتنزانيا ببحيرة مالاوي والذي أعلن عنه رئيس مالاوي في كلمة ألقاها في 8 مايو 2017 أمام إجتماع البرلمان الأفريقي بمدينة Johannesburg عندما أشار أنه لا يجب أن يسمح القادة الأفارقة بأن تكون مسألة الحدود الوطنية ذريعة للإنقسامات , وكان يعني بذلك النزاع الذي يعود تاريخه إلي 55 عاماً مضت بين مالاوي وتنزانيا علي تحديد خط الحدود المار بينهما ببحيرة Malawi أو بحيرة Nyasa والذي حُدد وفقاً لوجهة النظر المالاوية بموجب معاهدة Heligoland التي وقعتها في الأول من يوليو1890 القوتان الإستعماريتان آنئذ وهما ألمانيا ممثلة لتنزانيا وبريطانيا ممثلة لمالاوي .
تلقت قطر الضربة الأولي المُباغتة التي نجمت عن قطع بعض الدول الأفريقية وخفض البعض الآخر لعلاقاته الدبلوماسية معها , وبالرغم من هذا النجاح لرباعي الحصار , إلا أن هناك ثمة إستثناءات كحالة الصومال التي بالرغم من ضعفه ودقة الموقف الداخلي والخارجي لها رفضت التماهي مع مطالب الرباعي لقطع العلاقات أو خفضها مع قطر , فقد إتخذ الصومال موقفاً حيادياً بل عرض الوساطة بين قطر ورباعي المقاطعة ليؤكد علي حياديته , وهو مالم يُقبل من السعودية فقد كان هناك وفداً صومالياً مُتواجداً بها بعد قرار المقاطعة بهدف تنشيط تنفيذ السعودية لمشروعات هامة بالصومال , وبسبب الموقف الصومالي الرافض لمقاطعة قطر لم يُستقبل هذا الوفد بود هناك وهو ما رد عليه الصوماليين عندما خفضوا مستوي وفد وزاري كان مُقرراً أن يلتقي بنظيره السعودي , كما أن الإمارات بدورها إستدعت سفيرها في مقديشيو وطردت أحد المنافسين الصوماليين في مسابقة للقرآن الكريم تُنظم بالإمارات (مسابقة دبي للقرآن الكريم) وذلك كله عقاباً للصومال .
كانت الضربة الدبلوماسية التي تلقتها قطر من رباعي الحصار قوية إلي حد أنها تسببت في الإضرار بالسياسة القطرية علي مستويين :
(1) المستوي الأول : الإضراربجهود وساطتها التي تعد مُثمرة فيما يتعلق بالنزاع الحدودي الناشب بين جيبوتي التي أعلنت عن خفضها لتمثيلها الدبلوماسي مع قطر في 7 يونيو 2017 وبين أرتريا التي أعربت وزارة إعلامها ببيان رسمي في 12 يونيو 2017 “أن مبادرة مصر والسعودية والبحرين والإمارات وغيرهم بقطع العلاقات مع قطر تعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح تنطوى على تحقيق كامل للأمن والسلام في المنطقة” وعليه فقد كان رد الفعل القطري هو سحب الكتيبة القطرية البالغ قوامها 450 رجل بصفة مُفاجئة وغير مُعلنة علي مدي يومي 12 و 13 يونيو 2017 من منطقتي رأس وجزيرة Dumeira القاحلتين الواقعتين علي ساحل جيبوتي علي البحر الأحمر إلي الشمال من العاصمة جيبوتي والمُتنازع عليهما مع إرتريا التي سارعت بالتحرك صوبهما أرتريا صوبهما وأحتلتهما , وكانت تلك الكتيبة القطرية تنفيذا لجهود وساطة قطرية تمت عام 2010 لتهدئة وتسكين النزاع علي المنطقتين بين جيبوتي وإرتريا , وقد أعلنت وزارة الخارجية القطرية آنئذ في بيان بتاريخ 21 يونيو 2017 عن سحبها للقوة القطرية وأشارت وكالة Efe news الأسبانية للأنباء نقلاً عن وكالة الأنباء القطرية أن هذا البيان أشار إلي أن ” دولة قطر أخطرت حكومة جيبوتي بأنها سحبت كل قوتها المُتمركزة علي خط الحدود بالمنطقة الجيبوتية , وأنه ومع ذلك فستظل قطر وسيطاً دبلوماسياً مُحايداً في حل النزاعات بين الدول الشقيقة والصديقة , وستستمر لاعباً رئيسياً في المجتمع الدولي “, لكن الواقع يُشير إلي أن من التداعيات المباشرة لذلك أن قطر إضطرت إلي التخلي عن أحد المواقع الأفريقية الهامة التي حققت فيها من خلال دبلوماسية الوساطة نجاحاً .
(2) المستوي الثاني : إهتزاز الصورة الذهنية للسياسة القطرية التي تكونت لدي كثير من المراقبين وجزء كبير من الرأي العام العربي ومفادها أن قطر داعم سياسي ومالي لبعض التنظيمات الإسلامية وأنها تتخذ مواقف متباينة تماماً للسياسات التي يتخذها رباعي الحصار – كما سأشير لاحقاً – وهي صورة إضطرت قطر أن تُجري تعديلاً جزئياً عليها , إذ أن قطر بسبب تواتر إتهامها بدعم وتمويل ما يُسمي بالإرهاب وبسبب شدة وطأة الحصار الخانق علي غزة وبسبب إرتباطاتها المصلحية بالولايات المتحدة دُفعت دفعاً إلي مسار سياسي جانبي مختلف بدرجة ما في الموضوعات الآتية :
ألف – خلافاً لموقفها المعهود بدعم التيار الإسلامي في مالي – وهو دعم مُبرأ في تقديري من جرم دعم ما يُسمي بالإرهاب زوراً فهؤلاء جزء من مجتمعهم ويعادون فرنسا كما يعاديها أي تيالر وطني آخر – أعلنت الخارجية القطرية في 27 ديسمبر 2018عن أن : ” أن طائرات عسكرية شحنت وسلمت 30 عربة مُدرعة لمالي , وذلك للمساعدة في مواجهة “الإرهاب” وإرساء الأمن ليس فقط في جمهورية مالي بل أيضاً في منطقة الساحل الأفريقي والتي شكلت ما يُعرف بمجموعة الساحل الخماسية أو G5 Sahel وهي المجموعة التي تضم كل من مالي والنيجر وموريتانيا وتشاد وبوركينافاسو والتي تولت فرنسا إقامتها والترويج دولياً لتمويلها حماية لمصالحها الإقتصادية الإستراتيجية بمنطقة الساحل ولمواجهة تهديدات معارضي الوجود الفرنسي بهذه المنطقة وهم في غالبيتهم من التيار الجهادي الإسلامي والذين هم في الواقع معارضين للوجود والنهب الفرنسي المُنظم برضي سياسيين ماليين موالين لفرنسا , لكن الدعم القطري لمالي علي هذا النحو هو دعم لإمكانيات مالي العسكرية في إطار قوة الساحل الخماسية أو G 5 Sahel التي هدفها مواجهة هؤلاء المعارضون الإسلاميون , وبالتالي فإن المساهمة القطرية تلك ما هي إلا تحول في السياسة القطرية في هذه المنطقة التي تسيطر عليها العسكرية الفرنسية , وآية هذا التحول أو التباين أن قطر لم تشارك أو تقترب من الجهود الفرنسية منذ أن بدأت الدبلوماسية الفرنسية تحركاتها العلنية لإقامة قوة الساحل الخماسية , كما أنها لم تشارك لا في القمة المُصغرة التي عُقدت في Celle Saint-Cloud بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس في 13 ديسمبر 2017 والتي ضمت بجانب الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron رؤساء دول القوة الخماسية مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا (رفضت الجزائر الإنضمام لهذه الجهود) بالإضافة إلي وفود من الدول المانحة مثل السعودية والإمارات والولايات المتحدة وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا , وأستهدفت فرنسا من عقد هذه القمة تسريع وضع القوة الخماسية موضع التنفيذ في ضوء إفتقاد التمويل اللازم والذي قُدر حده الإدني آنئذ بنحو 250 مليون يورو , وقد أعلن الرئيس الفرنسي أمام هذه القمة عن تعهد السعودية بالمساهمة بنحو 100 مليون يورو وكذلك عن مساهمة الإمارات بنحو 30 مليون يورو , ولم تبادر قطر بالمساهمة المالية كما فعلت هاتان الدولتان العربيتان التي أُعتبرت مساهمتهما المالية تلك تفي بالإحتياج وفقاً للرئيس الفرنسي علي إعتبار أن مساهمتي الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ستسدان الفجوة التمويلية المُتبقية أيضاً لإنشاء قوة الساحل الخماسية , كما لم تشارك قطر أيضاً في ” المؤتمر الدولي رفيع المستوي بشأن الساحل ” الذي عُقد في بروكسل في 23 فبراير 2018 والذي شاركت فيه السعودية والإمارات بإعتبارهما دولاً مانحة , وأقل ما يعنيه عدم مُشاركة قطر في هاتين القمتين أن قطر منذ ديسمبر 2017 وحتي نوفمبر2018 لم تبد تجاوباً للمساهمة في قوة الساحل الخماسية لسبب بسيط هوأن سياستها كانت مُتجهة نحو دعم التيار الجهادي هناك وهذا وبغض النظر عن دوافعه إلا أنه كان صائباً وهو كذلك , فقطر دعمت جماعة أنصار الدين في كفاحها الذي تضمن فيما تضمنه الحفاظ علي الهوية والمصالح الوطنية بل والتكامل الترابي لمالي , وهذا الدعم مكن مقاتلي هذه الجماعة مع عوامل أخري من إحباط خطة فصل شمال مالي التي أعلنتها الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA في الرابع من أبريل 2012 وهو دعم أشارت إليه مصادر مخابراتية جزائرية وغربية ولابد من أنه كان بعلم وإذن من الولايات المتحدة بل وبالتنسيق معها , فهي التي تصون أمن قطر التي تتمتع بالحماية الأمريكية شأنها شأن كل دول شبه الجزيرة العربية , وقطر في دعمها لأنصار الدين شأنها شأن الإمارات التي مولت عملية Serval العسكرية الفرنسية في شمال مالي بسبعة مليارات دولارات * (1) , فما الذي يبرر تحول السياسة القطرية في هذه القضية إلا الضغوط التي مُورست بإيعاز من رباعي الحصار علي قطر التي أيضاً إتجهت إلي مشتريات السلاح الفرنسي بتأثير هذه الضوط تخفيفاً للضغوط الفرنسية , وإذا كان من الممكن تحديد تاريخ لبدء التحول القطري نحو فرنسا فيمكن الإشارة إلي يوم 7 ديسمبر 2017تاريخ توقيع الجانبان الفرنسي والقطري”إعلان نوايا وخريطة طريق” خلال زيارة للرئيس الفرنسي للدوحة , كذلك يُشار إلي أن قطر كانت من بين الدول التي شاركت في مؤتمر” لا أموال للإرهاب” الذي عُقد بباريس في الفترة من 25 – 26 أبريل 2018 الذي إستهدفت أعماله مكافحة الإرهاب وتمويله ” .
بالإضافة إلي هذا التعاون غير المباشر مع العسكرية الفرنسية في مواجهة ما يُسمي بالإرهاب , وقعت قطر والولايات المتحدة (وزير الخارجية الأمريكي Rex Tillerson) في 11 يوليو 2017 – أي بعد نحو شهر ونصف تقريباً من إعلان رباعي الحصار عن فرضهم الحصار- علي مذكرة تفاهم تضمنت وضع خطة مُشتركة للتحري عن والقضاء علي تمويل الإرهاب وقد حرصت الخارجية الأمريكية علي الإشارة بموقعها علي الشبكة الدولية إلي أن مذكرة التفاهم تلك جري التفاوض بشأنها قبل الإعلان عن حصار الرباعي العربي علي قطر , لكن من الواضح أن قطر والولايات المتحدة كانت لديهما إرادة مُشتركة لبيان تنسيقهما فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وتمويله لدحض “تهمة تمويل أو دعم قطر للإرهاب ” , ولذلك عُقدت الدورة الثانية للحوار الإستراتيجي الأمريكي / القطري لمكافحة الإرهاب وتمويله في الدوحة في 5 سبتمبر 2018 لتأكيد هذا المعني .
باء – هناك علاقة ما غير مباشرة بين قطر والكيان الصهيوني ومع علمي أن هذه الإشارة لا يستسيغها البعض أن أنه لابد من الموضوعية مهما كانت النتائج , إذ وعلي سبيل المثال لم يكن من الطبيعي ولا يتسق مع الصورة الذهنية التي نجحت قطر – إلي حد كبير – في تشكيلها عن سياستها بإعتبارها سياسة مناهضة للكيان الصهيوني مُستخدمةً في ذلك الحرفية العالية المستوي لشبكة الجزيرة الإعلامية , أقول لا يتسق مع هذا أن تقبل قطر بدعوة وزير خارجية توجو Robert Dussey لزيارة للدوحة وإستقباله بها في فبراير 2018وهي الزيارة التي أعقبها زيارة لرئيس جمهورية توجوFaure Gnassingbé لقطر في 29أبريل 2018 , ووجه عدم الإتساق هو أن توجو ورئيسها قام بالتنسيق مع الكيان الصهيوني بجهد ترويجي لعقد قمة “إسرائيل – أفريقيا للأمن والتنمية ” في العاصمة التوجولية Lomé والتي تقرر الفترة من 23 إلي 27 أكتوبر 2017وقبل المُشاركة فيها مبدئياً 12 رئيس دولة أفريقية , إلا أنها لم تُعقد لعدم لسوء وتردي الموقف السياسي الداخلي بتوجو نفسها الأمر الذي إستدعي تدخل التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا (Communauté économique des Etats de l’Afrique de l’Ouest) وبذل رئيسي غانا وغينيا جهود دبلوماسية مُكثفة لمساعدة الحكومة التوجولية واللاعبين السياسيين التوجوليين في تحقيق الإصلاحات الدستورية , كذلك كانت جهود السلطة الفلسطينية وإتصالاتها ببعض الدول الأفريقية عاملاً مُساعداً علي إفشال هذه القمة , وقد أشارت السيدة حنان عشراوي عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في تصريح أدلت به في 12 سبتمبر 2017 عبرت فيه عن ” الشكر والعرفان لجنوب أفريقيا وللدول العربية الأفريقية وهي الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس لدورهم في إلغاء هذه القمة , وأضافت قولها أنهم ” لن يمنحوا الكيان الصهيوني حرية التسلل إلى قارتي إفريقيا وأمريكا الجنوبية من أجل تعزيز شرعيتها ” *(2) , إذن فلماذا لم تجتهد قطر مع هذه الدول لإحباط المسعي الصهيوني لإكتساب كتلة مهمة من الدول الأفريقية بواسطة هذه القمة التي كانت ستمثل لو نجحت إنتصاراً دبلوماسياً صهيونيا لا سابقة له , أو علي الأقل كان علي قطر الإعراض عن قبول زيارة الرئيس التوجولي لها , ولذلك يبقي سؤال مُعلق هو : ما هي الضرورة الُمُلحة في إستقبال قطر لوزير الخارجية والرئيس التوجولي علي التوالي بالدوحة ؟ ,إن السعودية والإمارات وأضرابهما من بعض الدول العربية لا ساتر لهم في علاقاتهم بالكيان الصهيوني ولذلك لا يغشاهم الخجل من ذلك , أما قطر فما هو وجه الإضطرار لأن تستقبل مثل هؤلاء الرؤساء الأفارقة الذين يعملون بكل وضوح وكلاء للصهاينة في أفريقيا وما هي الدولة التي تُقاسم الكيان في دفع أتعاب وكالته تلك ؟ , فزيارة الرئيس التوجولي للدوحة جاءت بعد 6 أشهر من فشل إنعقاد قمة “إسرائيل – أفريقيا ” وجاءت في خضم حصار ومقاطعة رباعي الحصار , كما أنه لابد من الإشارة إلي أن ديكتاتور تابع ذليل يصدع بما يأمره به الغرب والكيان الصهيوني هو الرئيس التوجولي Faure Gnassingbé يواجه مأزقاً سياسياً وإقتصادياً عصيباً في بلاده يستحق المكافأة والرعاية من القوي الغربية وفي مقدمتها الكيان الصهيوني , ولا يمكن تبرير زيارته للدوحة بأنها كانت لتوقيع بعض الإتفاقيات التي لا تعني شيئاً لقطر التي بينها وبين الأمريكان حوار إستراتيجي كالذي بين مصر وواشنطن أيضاً .
أشير قبل الإسترسال إلي أن الدور القطري بشأن غزة محمود بالرغم من كل شيئ ولا يمكن لقطر منطقياً النهوض به إلا بالإتصال والتعامل مع الكيان الصهيوني , ومن ثم فإنني لا يمكنني ولا يمكن لأي من كان لوم قطر وهي تنهض به , لكن يُشار أيضاً إلي أن هناك فهناك مسار ذهاب وعودة بين الكيان الصهيوني وقطر يستوعب أيضاً زيارات غير رسمية ليهود صهاينة منهم الأستاذ الأمريكي Alan Dershowitz بجامعة Harvard الأمريكية الذي زار قطر في ديسمبر 2017 وفي الاشهر الأولي من عام 2018 وقال أنه في خلال زياراته لقطر علم من مسئوليين قطريين أن قادة من حماس غادروا الدوحة , وكتب علي موقع The Hill عن إنطباعاته علي زيارته لقطر فقال أنها ستصبح ” إسرائيل الخليج ” وقال كذلك أن قطر تصل وتتصل باليهود الأمريكان من خلال قنوات مختلفة منهم Nick Muzin الذي عمل في السابق مع السيناتور Ted Cruz ويدير مُنشأة تدعي Stonington Strategies والتي أعلن Nick Muzin في 6 يونيو 2018 أنها لم تعد تمثل دولة قطر , * (3) , يُضاف إلي ذلك ترحيب قطر بمشاركة رياضيين صهاينة في بطولة العالم للجمباز التي نظمتها قطر في أكتوبر 2018 , كما أن قطر ذهبت لمسافة أبعد في مسار: الرياضة في خدمة السياسة ” إذ أشارت تقارير إعلامية صهيونية إلي إن تل أبيب تلقت إشارات قطرية إيجابية مفادها استعداد الدوحة لإستقبال عشاق كرة القدم الصهاينة خلال نهائيات كأس العالم في عام 2022 , فقد أعلن حسن الذوادي مسؤول البنى التحتية وبناء ملاعب كأس العالم في قطر إن الصهاينة مُرحب بهم في الدوحة لمشاهدة الفرق التي ستشارك في المونديال * (4) , ولما كان من الثابت أن للكيان الصهيوني إزاء رام الله وغزة أهداف مرحلية يريد تحقيقها فمن أهدافه مثلاً في غزة يحرص الكيان علي تجنب تحويلها لجزء ميت مُلقي بجانب الأراضي الفلسطينية السليبة أي أراضي الكيان الصهيوني لأن ذلك أمر ضار للأمن الصهيوني , بإبقاء غزة ” كياناً ضعيفاً ” , ومن ثم فإن الكيان الصهيوني لا يُمانع في الدور القطري بل يُشجعه للوفاء بإحتياجات غزة الحياتية عند مستوي يحدده لتحقيق هذا الهدف المرحلي وكنتيجة أصبح ملف غزة قسراً عن قطر وسيلة إتصال وتقارب صهيوني/ قطري وهي وسيلة مُغطاة جيداً ولا يعترض عليها إلا القليلون ومنهم السلطة الفلسطينية في رام وقوي إقليمية عربية أقل كفاءة سياسياً من قطر في ملف غزة .
جيم – فيما يتعلق بعلاقة قطر بتركيا يحاول إعلام رباعي الحصار تصويرها وكأنها علاقة تطابق , لكن الواقع أن هناك ثمة نقاط إختناق قليلة فعلي سبيل المثال سعت قطر سعياً دؤوباً في إطار سياسة الإنتشار الإستثماري إلي الفوز بإمتيازات إستكشاف بترولي وغاز طبيعي علي مستوي العالم من بحر الشمال حتي قبرص , وأشار إلي ذلك سعد الكعبي الرئيس التنفيذي لقطر للبترول حيث قال ” إنني أسعى للحصول على صفقات في قبرص حيث فازت قطر للبترول بعرض يشمل 40 % من خريطة التنقيب هناك , وقد ذهبنا مؤخراً إلي المغرب للاستكشاف ” *(5) , وفي هذا الإطار وقعت قطر للبترول وExxonMobilعقد إستكشاف ومشاركة في الإنتاج مع حكومة جمهورية قبرص بالقطاع البحري رقم10دخل حيز التنفيذ في 15 نوفمبر 2018 , وقبل التوقيع علي هذا العقد إستقبل رئيس جمهورية قبرص اليونانية Nicos Anastasiades بالقصر الرئاسي بنيقوسيا السيد الكعبي ومعه السيد Andrew Swiger نائب رئيس والمسئول المالي الرئيس لشركة Exxon Mobil , إن العلاقات القطرية مع الولايات المتحدة هي وليست العلاقات القطرية / التركية التي تتأسس عليها قرارات قطر السياسية في شأن دخول قطر للبترول في إستكشاف الغاز الطبيعي في المنطقة الإقتصادية للجزيرة القبرصية إلي الحد الذي يجعل قطر لا تعتني بما يؤدي إليه عملها في منطقة متنازع عليها بقبرص من المزيد من التعقيد للقضية القبرصية حتي لو أدي ذلك للإضرار بالموقف التركي في هذه القضية .
لا تعتبر تركيا أن قضية البترول مُنفكة الصلة بأمنها القومي خاصة وأن هناك حلف تكون من رباعي شرق المتوسط وهم مصر واليونان وقبرص والكيان الصهيوني في مواجهة تركيا ومن بين المصالح التي دعت إلي تكوينه موارد الغاز الطبيعي في شرق المتوسط وقبرص جزء منه , لكن تركيا لا تصدر تصريحات غير مُؤيدة بأفعال , إذ أن التحذيرات التركية التي وُجهت إلي ExxonMobil بألا تقترب من المنطقة الإقتصادية الخالصة تحذيرات جدية , فقد سبق أن توجهت قطعة بحرية عسكرية تركية في فبراير 2018 إلي حيث تقوم شركة ENI الإيطالية بالتنقيب بواسطة سفينة SAIPEM 12000 المُعدة للإستكشاف في القطاع رقم 3 بالمنطقة الإقتصادية الخالصة للجزيرة القبرصية , ولم تسمح لها بممارسة العمل فقد ظلت SAIPEM 12000 بمنطقة العمل بالبحر 12 يوماً إنتظاراً لمغادرة القطعة البحرية العسكرية التركية مما حدا بشركة ENI إلي التخلي عن العمل هناك , وتعليقاً علي ذلك صرح المتحدث باسم خارجية القبارصة اليونانيين Prodromos Prodromou بأن بلاده تقوم علي تنفيذ خطة الطاقة علي أساس القانون الدولي وبالتعاون مع الشركات التي لديها تراخيص بالعمل بالمنطقة الإقتصادية الخالصة وأنه من الواضح أن حكومة قبرص لا تريد أن يتكرر ما حدث في فبراير 2018 وأنها تجري إتصالات دبلوماسية لتأمين أعمال التنقيب بدون مشاكل , وما يعنينا هنا هوالموقف القطري وموقعه في هذا النزاع , إذ لاشك أن قطر شأنها شأن كل دول مجلس التعاون الخليجي تأتي علاقاتها وعلاقاتهم بالولايات المتحدة كأولوية مُطلقة وأي تحالفات أخري قد تكون بينهم فرادي أو مجتمعين لا تعدو وأنم تكون إلا لخدمة علاقاتهم بالولايات المتحدة أو لا تتقاطع معها علي أقل تقدير, وكدليل علي ذلك أنه بعد9 أشهر من فرض الحصار الرباعي في 5 يونيو 2017توجه وزير الدفاع القطري إلي واشنطن في زيارة هدفها الأولي تعميق العلاقات مع واشنطن وقدم خطط تحقق ذلك منها إتاحة قاعدة بحرية للقطع البحرية الأمريكية بالساحل القطري وإقامة 200 منزل للعائلات الأمريكية بقاعدة العيديد وهو ما عبر عنه الوزير بقوله “نحن ندرس الإحتياجات لنجعل ضيوفنا مرتاحين *(مقابلة للوزير مع موقع Defense Oneالإليكتروني) , وبالرغم الدعم الثمين الذي قدمته تركيا عسكريا لقطر بالتمركز عشية فرض الحصار الرباعي وهو التمركز الذي وافق عليه البرلمان التركي لمنع خطة غزو عسكري مُعدة سلفاً لقطر إلا أن ذلك لم يمنع قطرمن المضي مع Exxon Mobil الأمريكية في التنقيب عن البترول في النطاق البحري القبرصي والذي هو موضوع خلافي بين تركيا والقبارصة اليونانيين واقع داخل نطاق قضية سياسية نشأت بسبب الغزو التركي للجزيرة في يوليو 1974 لإنقاذ القبارصة الأتراك , ولابد أن القطريين يعلمون ما يمكن أن يسببه إستثمارهم في إستخراج موارد محل نزاع بين الطائفتين التركية واليونانية القبرصية تحاول الأمم المتحدة حله للآن فلم يكن ضربة لازب أو عملاً عشوائياً بالمرة , وعليه فمن غير المُتصور ألا يكون لدي “قطر للبترول” علم أو فكرة عن المخاطر والتعقيدات بل والتداعيات السياسية التي يُؤدي إليها دخول شركة ما للبترول للإستثمار في مناطق مُتنازع عليها والأمثلة علي ذلك كثيرة وبإعتبار الصلات القوية والتاريخية بين “قطر للبترول” ومختلف الشركات الأمريكية للبترول فلابد أن لديها علم من هذه الشركات بسوابق حدثت في هذا الصدد منها ما أقدمت عليه شركة TEXAS EASTERN الأمريكية بالعمل في منطقة حلايب وشلاتين مع أن هذه الشركة وغيرها كانت وقتذاك تعلم تماماً أنها منطقة مُتنازع عليها , حينها سارعت وزارة الخارجية المصرية بتوجيه مذكرة شديدة اللهجة للسفارة الأمريكية بالقاهرة في 4 نوفمبر 1980 أفادتها فيها بما نصه “أن هذه الشركة الأمريكية تقوم بإجراء مساحة جيولوجية وجيوفيزيقية وعمل خريطة للمنطقة بواسطة القمر الصناعي وكذلك عمل مساحة جاذبية ومساحة سيزيمية بحرية , وأن ذلك يتم دون الحصول علي الترخيص اللازم من السلطات المصرية المُختصة وفقاً للقوانين المصرية ” وأشارت المذكرة إلي ” أنه ونظراً لأن هذه المناطق التي تجري فيها هذه الأعمال مناطق مصرية تخضع للسيادة المصرية فإننا نطالبكم بضرورة تنبيه الشركة الأمريكية المُشار إليها بوقف هذه الأعمال فوراً والإمتناع عن أي عمل من هذا القبيل مستقبلاً , وإلا أضطرت السلطات المصرية المختصة إلي إجراءات شديدة في مواجهتها فضلاً عن تحميلها كافة النتائج القانونية والتعويضات المُترتبة علي ما ترتكبه من أعمال غير مشروعة “, وبطبيعة الحال فهذه الشركة إنما قامت بما قامت به بإذن من السلطات السودانية , وكان الجانب الأمريكي يعلم تمام العلم بأن منطقة حلايب مُتنازع عليها بل يعلم كذلك أن الحدود السياسية محددة بخط عرض 22 درجة شمالاً فهناك خريطة رسمية أمريكية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية عن منطقة أسوان تظهر فيها حدود حلايب مع السودان وفقاً لخط عرض 22 درجة شمالاً.
يبدو أن رباعي مقاطعة قطر كان علي يقين من أن النظام القائم بفاعلية في قطر سيكون آيلاً للسقوط بمجرد تنفيذ الحصار والمقاطعة , لكن التحرك القطري بعد إعلان هذا الحصار في 5 يونيو 2017 إتسم بالسرعة والكفاءة وهاتان السمتان كانتا مع عوامل أخري كالتدخل التركي العسكري الخاطف والدبلوماسي المباشرين والمعلوماتي لدعم قطر والثقة الزائدة لرباعي الحصار في الدعم الأمريكي لموقفهم إدت إلي تعثرالرباعي ثم تباطؤه في تكوين كتلة دولية تظاهره ليس فقط في العالم العربي بل في أفريقيا وبعض الدول الآسيوية ذات الغالبية المسلمة هذا بالإضافة إلي أن إفتقاد وضوح الرؤية لمن وضعوا “الخطة” ساهم في تحقيق درجة فشل عالية , فسلسلة مطالب الرباعي المُستحيلة تضمنت مطلب إغلاق قناة الجزيرة مما إستفز الإعلام العالمي الذيكان من أكبر عوامل التحريض علي إتخاذ بعض الدول لسياسات معينة فالإعلام العالمي تعاطف مع ” الجزيرة ” ومع قطر بالتالي , فزاد هذا من ترجيح كفة الموقف القطري فأصبح موقفاً يدافع عن السيادة والحرية وقيم أخري لا يكن لرباعي المقاطعة أن يراها بحكم طبيعة نظمه ,*( السفير بلال المصري . دراسة بحثية بعنوان : ” قطر بين جحيم الشرق الأوسط ومُستنقع القرن الأفريقي ” . المركز الديموقراطي العربي بتاريخ 6 يوليو 2017) , وبالتالي فقد إستوعبت قطر تلك الضربة الدبلوماسية ووضعت خطتها بشأن ” سياسة أفريقية جديدة ” بموجبها تحركت خارج إطار تلك الدول الأفريقية التي قطعت علاقاتها معها وهي جزر القمر وأرتريا وموريتانيا والسنغال أو خفضت تمثيلها الدبلوماسي معها وهي تشاد والنيجروجيبوتي فتحركت صوب دول أخري ولم يكن هذا التحرك قاصراً علي المجال الدبلوماسي فقط بل ألحقت به قطر مجالات أخري , وتعكس الزيارات المُتبادلة التي قاد بعضها أمير قطر تميم آل ثاني تنفيذ إستراتيجية الإنفتاح علي أفريقيا (زادت إستثمارات قطر بأفريقيا بموجب هذه الإستراتيجية فبلغت 800 مليون دولار) بإستثناء تلك الدول التي قطعت أو خفضت تمثيلها الدبلوماسي مع قطر وهي قليلة , ومن بين أهم هذه الزيارات التاي أسست لعلاقات ثنائية مُتطورة تلك التي قام بها الأمير إلي رواندا إذ تجدر الإشارة إلي أن قطر تُعني عناية خاصة بعلاقاتها بهذه الدولة الأفريقية التي وصف رئيس الوزراء الصهيوني Netanyahu رئيسها Paul Kagame في كلمته بمناسبة زيارة الأخير للكيان الصهيوني في 10 يوليو 2017بأنه “الجسر الذي لا غنى عنه والذي عبرنا عليه خطوة بخطوة للعودة إلى أفريقيا ” * ( صحيفة THE JERUSALEM POST بتاريخ 10 يوليو 2017) ومن المعروف أن الكيان الصهيوني إستعاد علاقاته الدبلوماسية مع رواندا عام 1994 , وقد قام الرئيس الرواندي Kagame بزيارة قطر في 15 نوفمبر 2018 إستغرقت يومان وقد تم التوقيع في هذه الزيارة علي 3 إتفاقيات شملت مجالات الخدمات الجوية ووالترويج المُتبادل وحماية الإستثمارات ومذكرة تفاهم علي التعاون الإقتصادي والتجاري والتقني , ورداً علي هذه الزيارة قام أمير قطر ” بزيارة عمل” إلي رواندا في23 أبريل 2019 إستغرقت 3 أيام تم فيها التوقيع علي 4 بروتوكولات لإتفاقيات في مجالات التجارة والسياحة والإستثمارت والنقل الجوي , وفي 17 يوليو 2019 أعلنت رواندا عن فتح 3 سفارات جديدة لها علي مستوي سفير بقطر والمغرب وغانا , وفي 9 نوفمبر 2019 صرح الرئيس Kagame بأن البلدين يعملان في إتجاه إستثمار قطر في الناقل الجوي الرواندي (Rwandaair) وإقامة مطار Bugesera وجاء هذا التصريح تأكيداً لتقارير أشارت إلي أن الخطوط الجوية القطرية تنوي الحصول علي حصة رئبسية في الخطوط الجوية الرواندية ( برمجت الخطوط الجوية القطرية رحلة يومية من الدوحة كيجالي عام 2012 وبذلك تكون للخطوط القطرية 48 وجهة جوية في أفريقيا) وحصة أخري في مشروع إقامة مطار Bugesera المتوقع إفتتاحه عام 2020 , كما عمدت قطر تأكيد أهمية موقع رواندا في إستراتيجيتها الأفريقية إلي عقد القمة الرابعة لجائزة الإمتياز في مكافحة الفساد ACE بالعاصمة الرواندية كيجالي في 9 ديسمبر 2019 وتُعد رواندا أحد أقل الدول أفريقيا جنوب الصحراء فساداً وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية , كما زار أمير قطر بعض الدول الأفريقية من أهمها كينيا وذلك عام 2017ووقع معها إتفاقيات تناولت مجالات تطوير البحث العلمي وتقديم العون للتعليم العالي , وفي أوغندا توجه وفد قطري إليها للإتفاق علي إستثمارا قطري في مجال التعدين بهذا البلد , وفي تنزانيا وقع نائب رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر معها خلال زيارته لها في مستهل عام 2019 إتفاقا في مجال النقل الجوي . هذا بالإضافة إلي توجه وفود قطرية علي مستوي آخر لدول أفريقية أخري وكانت كلها في إتجاه دعم العلاقات الثنائية وضخ الإستثمارات القطرية بها وهي زيارات أدت علي المستويين : الأميري وكبار المسئوليين إلي تنفيذ حقيقي لسياسة أفريقية ذات ملامح مُحددة تضافرت فيها الدبلوماسية مع الإستثمارات وبينهما ربط جوي قطري لأكثر من 40 وجهة جوية بأفريقيا ولا ينافس قطر في الربط الجوي بأفريقيا سوي الخطوط الجوية الإثيوبية .
نتيجة :
1- بالرغم من أن إستراتيجية قطر الهادفة إلي إتاحة فضاء أفريقي تنطلق فيه السياسة والإستثمارات القطرية جاءت كرد فعل للحصار الرباعي الذي ضُرب علي قطر غيلة في 5 يونيو 2017 , إلا أن قطر وضعت إستراتيجيتها لأفريقي علي أسس موضوعية وبالقدرالذي تتحمله طاقتها الدبلوماسية والإقتصادية بحيث يمكنها تقصية الفوائد السياسية والمادية لهذه الإستراتيجية , وهي إستراتيجية لم تضعها قطر كضربة لازب بل عكف عليها مجموعة كفئة من المُستشارين , فقطر تتميز بأنها دولة لا تتصرف عفواً أو تُخضع تحركاتها لقانون “الصدفة” المعمول به في معظم الدول العربية .
2- هناك نقطتي تماس للإستراتيجية القطرية مع إستراتيجية دولة الكيان الصهيوني الأفريقية وهاتان النقطتان هما (1) في التوجو و (2) في رواندا , وفي شأنهما من المهم الإشارة إلي أنه علي حين تعتمد قطر في إختراقها للدول الأفريقية التي تتجه صوبها علي إستثماراتها أي قدراتها المالية / التمويلية فقط , يعتمد الكيان الصهيوني في إختراقه للقارة الأفريقية علي وسائل مختلفة من بينها إستثمارات هذه الأقليات اليهودية بالدول الأفريقية , وعلي جهود بعض أفراد هذه الأقليات في تحقيق الإختراق الدبلوماسي له وكمثال أخير ومُؤثر في هذا الصدد نجد أن أحد اليهود الصهاينة المُقيمين بتوجو ويُدعي Bruno Finel ساهم في ترتيب عقد قمة “إسرائيل – أفريقيا للأمن والتنمية ” التي كان من المُقررعقدها بالعاصمة التوجولية Lomé في الفترة من 16 إلي 20 أكتوبر 2017 (والتي لم تُعقد لرفض بعض الدول الأفريقية المهمة كنيجيريا حضورها ولعدم الإستقرار الداخلي بتوجو والجهد الدبلوماسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ) , وجدير بالذكر أن Bruno Finel من ضمن أنشطته العمل لحساب عدة حكومات شرق أوسطية وأفريقية علي مدار أكثر من 30 عاماً في مجال الدبلوماسية العامة وإدارة العلاقات العامة الدولية , وفي هذه الصدد يمكن تصورعلاقة تعاون بين قطر والكيان الصهيوني بأفريقيا خاصة وأن هناة قناة حية بين الكيان الصهيوني وقطر بشأن غزة التي تدعمها قطر مشكورة , وقطر لا يمكن إنكار جهدها الإيجابي في شأن غزة إذ أنها أي قطر تقوم بما تقوم به لمصلحة غزة والغزاويين بل والقضية الفلسطينية من زاوية معينة للنظر, وهي في ذلك مدفوعة بقيم الواجب والأخوة , وهي في هذا لا يمكن مقارنتها بمن تنكروا للقضية الفلسطينية بل وحتي لغزة , لكن إشارتي لتعاون مُتصور بين قطر والكيان الصهيوني ستكون مع أفراد صهاينة يحملون جنسيات دول أفريقية وليس مع دولة الكيان الصهيوني .
3- من الوجهة الواقعية لم يكن حصار الرباعي لقطر في الحساب الختامي إلا ميزة بفضل الجهد والفكر السياسي القطري الإيجابي وحيوية دائرة علاقاتها مُتعددة الشرائح بالولايات المُتحدة , ومن ثم تُعد إستراتيجية قطر الأفريقية إضافة للأصول الثابتة للسياسة الخارجية لقطر وإضافة وتنويعاً للإستثمارات الخارجية القطرية التي يصل مداها للقطب الشمالي .
الـــــســـفـــيـــر
بــــــلال الــمــصــري
المراجع :
(1) االسفير بلال المصري . دراسة بحثية بعنوان : ” قطر: تحولات سياستها الخارجية أو الوجه الآخر للسياسة القطرية ” . بتاريخ 27 يناير 2019. المركز الديموقراطي العربي .
(2) السفير بلال المصري . دراسة بحثية بعنوان : ” قمة أفريقيا – إسرائيل في توجو : المغزي والنتائج المُتوقعة ” بتاريخ 17 مايو 2017 . المركز الديموقراطي العربي .
(3) موقع صحيفة THE JERUSALEM POST بتاريخ 21 يونيو2018 .
(4) موقع البيان بتاريخ 23سبتمبر 2018 .
(5)وكالة أنباء Reuters في 7 فبراير 2017 .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

