150 سنة على حفر قناة السويس ، حقائق وتاريخ (2) بقلم : تميم منصور

دراسات …
تميم منصور – فلسطين المحتلة …
على الرغم من رفض السلطان العثماني تنفيذ مشروع قناة السويس ، إلا أن هذا الرفض لم يقلل من حماس الخديوي سعيد من تحقيق أحلامه من شق ترعة سيصل طولها إلى حوالي 160 كيلو متر ، من أجل ذلك أكمل اتفاقه مع المهندس الفرنسي ديليسبس ولم يبق سوى المباشرة في العمل ، يذكر المؤرخ الألماني بروكلمان بأن السلطان عبد المجيد لم يوافق على البداية في حفر القناة ، لكنه لم يعلن رفضه التام لهذا المشروع إلا بعد مضي سنة على بداية العمل ، أي في عام 1860 ، لكن هذا لم يغير شيئاً من العمل في تكملة المشروع لأنه كان من الصعب العودة إلى نقطة الصفر .
قُدر عدد العمال الذين شاركوا بحفر قناة السويس بحوالي 60 ألف عامل ، غالبيتهم من أبناء الفلاحين الفقراء البائسين ، تم تقسيم هذا الجيش من العمال إلى ثلاثة مجموعات ، كل مجموعة تُقدر 20 الف عامل ، كانت هذه المجموعات الثلاث تعمل بالتناوب ، عشرون يعملون وعشرون في طريقهم إلى العمل وعشرون يستريحون .
استخدم الخديوي سعيد كل وسائل البطش والقوة لإجبار العمال على العمل ، فقد كانت الشرطة تهاجم القرى في الدلتا والصعيد تجبر العمال على الالتحاق بمعسكرات العمل ، ومنهم ما كان يتم جره وراء الخيول وهم مكتوفي الأيدي ، وقد ترك آلاف الفلاحين أرضهم وعائلاتهم للالتحاق بهذا العمل الشاق ، وقد أدى هذا إلى فرار الكثيرين من القرى وكانوا يلجأون إلى الصحراء خوفاً من بطش السلطة وفوق ذلك العمل دون مقابل – بالسخرة – وفي ظروف قاسية للغاية ودون رعاية صحية وطعام كاف ، حتى أن المياه العذبة لم تكن متوفرة .
أثناء العمل كان العمال يتعرضون للضرب والجلد بالسياط ، كما كانوا يعلمون في مناخ صحراوي جاف وحار وساعات العمل طويلة تستمر من طلوع الشمس حتى مغيبها ، وكانت عملية الحفر تتم بأدوات بسيطة مثل السلالم والطواري والقفاف والحبال والفؤوس ، كانوا مجبرين على شق الأراضي الصخرية الصلبة ، واضطروا للحفر داخل مستنقعات المياه المالحة .
بسبب هذه الظروف القاسية قتل آلاف العمال بسبب الجهد الذي بذلوه وبسبب تفشي الأمراض داخل معسكراتهم ومن سوء التغذية ، وعندما نوهت الصحف في مصر إلى هذا الوضع الذي لا يطاق حاول الأزهر ومعه بعض المؤسسات الدينية التدخل لتحسين ظروف العمل لكن دون جدوى كما أن هذه المعاناة زادت من سياسة التحريض التي مارستها بريطانيا ضد المشروع عن طريق الصحف الصادرة في لندن والعديد من العواصم الأوروبية لافشاله لكن دون جدوى ، كما أن ضغطها على السلطان لم يتوقف لعله يستعمل صلاحياته لاجبار الخديوي على وقف هذا المشروع لكن الخديوي سعيد كان يتهرب من الاتصال مع السلطان وشدد من سياسته ضد العمال للضغط عليهم بالإسراع في العمل .
يمكن تقسيم مشروع حفر قناة السويس إلى مرحلتين ، كل مرحلة تختلف عن المرحلة الثانية :
المرحلة الأولى : هي مرحلة الخديوي سعيد وتمتد من عام 1859 الى عام 1863 حيث توفي قبل أن يحقق أحلامه .
المرحلة الثانية : مرحلة الخديوي إسماعيل الذي خلف سعيد ، وتمتد من عام 1863 الى 1869 ، في مرحلة سعيد تم شق قسم من طول القناة رغم الظروف التي ذكرت ولانتقادات الشديدة التي وجهت له ، مع بداية حكم إسماعيل واجهته أزمة مالية ، نشأت عن نزعته الشديدة في تبديد الأموال ، لقد استغل البريطانيون هذه الظروف وسارعوا إلى اقناع إسماعيل بأن في مقدوره أن يجني ثروة طائلة إذا استخدم ال 60 الفاً المسخرين للعمل في حفر قناة السويس في زرع القطن في الأراضي التي وافق الخديوي سعيد على تسليمها لشركة قناة السويس ، خاصة وأن أسعار القطن قد ارتفعت في تلك الفترة بسبب الحرب الأهلية الأمريكية ، اقتنع الخديوي إسماعيل بما اقترحته عليه بريطانيا ، وأبلغ ديليسبس بأنه لا يستطيع الاستمرار في تقديم العمال بالسخرة كما كان سابقاً فشلت محاولات المهندس الفرنسي باقناع الخديوي العدول عن رأيه ، وطلب من امبراطور فرنسا في ذلك الحين نابليون الثالث أن يتدخل ، فتم تشكيل لجنة تحكيم للنظر في الأمر ، وقد قضت هذه اللجنة بتعويض شركة قناة السويس مقابل تنازلها عن 60 الف هكتار من الأرض وتنازلها عن اربع أخماس العمال تحصل الشركة على تعويض مقداره 30 مليون فرنك مقابل الأرض و38 مليوناً مقابل العمال مع أن الأرض مصرية والعمال مصريون ، هذا الحكم ينطبق عليه المثل الشعبي ” من دهنو اقليه ” ، وافق الخديوي إسماعيل على قرار هيئة التحكيم برئاسة الامبراطور الفرنسي رغم أنه كان مجحفاً و ظالماً ، بدأت المرحلة الثانية من العمل عام 1864 وسارعت الشركة للتعويض عن العمال الذين توقفوا عن العمل بشراء الروافع البخارية و الآلات المختلفة وقد دُفع ثمنها من التعويضات التي حصلت عليها الشركة من الحكومة المصرية ، وخلال خمس سنوات تم شق القناة وتم الربط بين البحرين الأبيض والأحمر ، وفي آخر مرحلة من مراحل العمل أي عند ربط البحرين غرق 5000 عامل راحوا ضحية الإهمال بحياتهم ، وهذا يشير إلى التضحية والثمن الباهظ الذي قدمه الشعب المصري لإنجاز هذا المشروع .
عندما انتهى حفر القناة تفاوت عمقها من مكان لآخر لكن الحد الأدنى لهذا العمق يصل الى 8 أمتار أما عرض القناة فهناك أيضاً تفاوت لكنه يتراوح ما بين 17 – 25 متراً هذا ما كان في البداية ، القناة تبدأ من بور سعيد على البحر المتوسط متجهة بخط مستقيم عبر بحيرتي المنزلة والبلاح ، ثم تخترق تل الجسر البالغ ارتفاعه 16 متراً وبحيرة التمساح ومن ثم تلتقي مع البحيرتين المرتين الكبرى والصغرى ثم تصب في البحر الأحمر عند مدينة السويس ، وفي يوم 17 تشرين ثاني 1869 دشنت القناة في احتفال بالغ الروعة ، اطلق من خلاله إسماعيل العنان لنزعته من البذخ الاسراف ، شارك في هذا الاحتفال امبراطور النمسا ، في حين أناب نابليون الثالث عنه الامبراطورة اوجيني كما حضر الاحتفال ولي عهد ملك بروسيا والعديد من الامراء الأوروبيين .
عانت الخزانة المصرية من حالة الإفلاس بسبب ما صرفه على الاحتفال الخديوي فحاول أ ن يجعل من مصر في عيون ضيوفه كأنها قطعة من أوروبا ، فبنى داراً للأوبرا لمشاهدة الحفلات الخاصة لتدشين القناة ، كما أقام الفنادق لضيوفه وأنار شوارع القاهرة وشق طريقاً خاصة لنقلهم الى الاهرامات .
نتيجة افلاس الخزانة المصرية أضطر إسماعيل الاستدانة من بيوت المال الأجنبية ، لكنه فشل فيما بعد بتسديد هذه الديون ، وقد بدأت بريطانيا تضغط عليه لتسديدها ، فلم يبق أمامه سوى حصة مصر في اسهم قناة السويس ، فعرضها للبيع في الأسواق العالمية لكن بريطانيا فرضت عليها حصاراً ومنعت شراءها من قبل الشركات الأخرى في المزاد العلني ، حتى يتسنى لها شراءها ، وقد تم في النهاية شراؤها بأربعة ملايين جينه ، حصلت عليها بريطانيا من عائلة روتشيلد اليهودية ، بهذا حرجت مصر من مشروع قناة السويس صفر اليدين ، حتى جاء الرئيس الخالد جمال عبد الناصر وأعادها للشعب المصري عام 1956 .