إيزنهاور وترامب .. وجه واشنطن الحقيقي – بقلم : محمد عياش – فلسطين المحتلة ..

آراء حرة …
محمد عياش – كاتب سياسي – فلسطين المحتلة …
ثمة تشابه أو نسخ نموذج قديم في إستراتيجية امبريالية كولونيالية حاقدة ساخطة على منطقة الشرق الأوسط التي تختلف معها حتى النخاع ، هي السياسة التي يسير بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، والتي تشابه إلى حدٍ كبيرٍ مع الرئيس الأمريكي الرابع والثلاثين ، دوايت ديفيد إيزنهاور 1953 – 1961 .
في عام 1957 أعُلن في واشنطن عن “مبدأ إيزنهاور” لملء الفراغ في الشرق الأوسط ، واعتمد هذا المبدأ على التجزئة والتفتيت في الشرق الأوسط ، وعدم تمكين النخب الفكرية من الوصول أو التواصل مع الشعب ، ومن أهداف مبدأ إيزنهاور خمسة أمور أساسية :
الأمر الأول : الحفاظ على التجزئة وتقسيم كل ما يمكن تقسيمه لمنع أي تجمع يمكن أن ينتج عنه حزب أو مجموعة معارضة للوضع ، والعمل من خلال التجزئة والتقسيم على إثارة النعرات العشائرية والطائفية , ومنع أي تواصل بين العرب مهما كان أشكاله .
الأمر الثاني : كبح الدور القومي لمصر ، والذي تعاظم بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر ولاسيما بعد اندحار العدوان الثلاثي على مصر 1956 .
الأمر الثالث : التصدي لأي مساس بامتيازات النفط وتدفقه إلى الأسواق العالمية ، والمحافظة على السيطرة على النفط والثروات المعدنية .
الأمر الرابع : تعزيز النفوذ الأمريكي – من خلال بناء المعسكرات والمطارات والأساطيل البحرية .
الأمر الخامس والمهم للولايات المتحدة ، دعم «إسرائيل» وإطلاق يدها في المنطقة ، والعمل من خلالها الحفاظ على المصالح المشتركة وجعلها نواة الاستعمار والحارس الوفي للاستعمار الحديث .
يؤرخ لإعلان “مبدأ إيزنهاور” باعتباره بداية الحقبة الأمريكية والتي غدت القطب الأوحد بسبب جبروتها وغطرستها في الشرق الأوسط وذلك عقب انحسار الفكر والعمل القومي ، وغياب حركة عدم الانحياز ، والعمل على تفكيك الاتحاد السوفيتي .
إن واقعنا الحالي شبيه إلى حدٍ ما مع ما ذكرنا آنفاً ، وذلك بحلول سوريا بدلا ً من مصر في المعادلة والمواجهة ، ولأن دمشق أصبحت موئل دعاة التحرر والوحدة العربية وبسبب كسرها لحاجز الخوف وإجراءاتها الاقتصادية وتحالفاتها مع إيران وروسيا وبعض الدول التي ترفض السير بركب السفينة الأمريكية .
” مبدأ ترامب ” لا يختلف بالمطلق مع المبدأ الأول – استراتيجياً – ، إلا أنه زاد عليه بوقاحة ممزوجة بروح الصفقات التجارية التي لا ترحم ، حيث ذهب بعيدا ً في الصراع العربي – الإسرائيلي وتنصل من كل الاتفاقات والمعاهدات التي تفضي لحل الصراع ، ولم يكتف بذلك بل رافق تنصله حزمة من الإجراءات الغير مسبوقة من عمر الصراع ، فالطريق نحو تحقيق الحلم الإسرائيلي بات سهلاً – من خلال حماية واشنطن لكل ما تقدم عليه دولة الكيان من إجراءات على الأرض من هدم المنازل وبناء المزيد من المستوطنات والتضييق والتنكيل على من تبقى من سكان فلسطين الأصليين .
إيزنهاور خطط وحدد الرسم البياني للإستراتيجية المقبلة ، أما ترامب جاء على وقع التنفيذ أو على الأقل على توفر الأمور التي وضعها إيزنهاور ، فالوضع العربي لا يزال يصارع ويقارع الاستعمار الامبريالي والإرهاب الذي صنعته واشنطن للأهداف المذكورة ، وإطلاق يد «إسرائيل» في المنطقة أي الدعم اللازم لها عند شن الحرب على أية دولة تقف في وجهها ، وللأمانة التاريخية وجود الاتحاد السوفيتي في ذاك الزمان كان عائقاً حقيقيا ً أمام تنفيذ المشاريع التوسعية .
إن روسيا والصين وبعض الدول الإقليمية مثل الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفنزويلا وكوريا الشمالية ..نغّصت على واشنطن السيطرة على القرار الدولي ، حيث تجلت هذه المواجهات في مجلس الأمن واستعمال روسيا والصين لأكثر من مرة حق الفيتو مفوتة على واشنطن الاستباحة والتفرد بقرارات المجلس ، ولزاما ً على واشنطن أن تضع مشاريع القرار على الرف ، مشروع تلو المشروع .
أخطر ما تقوم به واشنطن ، وتنفيذاً لمبدأ إيزنهاور ، التفتيت والتجزئة للمنطقة واللعب على وتر الطائفية والقومية ، وإيجاد ما يسمى كيانات تدعمها واشنطن لكي تكون بمثابة « مسمار جحا» لها في المنطقة ، والأكراد للأسف لم يتعلموا الدرس من التجربة الكردية في شمال العراق حين أغرتهم واشنطن على الاستفتاء وخذلتهم ولم تعترف به ، والغباء التركي لا يبعد كثيرا ً عما نتداوله من استخدام رخيص للقوات التركية في الشمال السوري بحجة مكافحة حزب العمال الكردستاني وهي في النهاية مصيدة أو فخ أمريكي لكي تستدرج الأتراك والأيام بيننا .