الغرب وسياسة طبق العدس – بقلم د . عبد الوهاب القرش

دراسات …..
بقلم – بقلم د . عبد الوهاب القرش – مصر …
تحكي اسطورة مفتراة في التوراة بأنه كان للنبي يعقوب عليه السلام شقيق توأم اسمه عيسو ، وكان مولعًا بالصيد”وحدث يومًا ما أن جاء عيسو جائعًا بعد أن أعيته مطاردته للحيوانات في البرية، ووجد أخاه يعقوب يطبخ عدسًا0 وحالما صعدت رائحة الحساء الأحمر إلى خياشيم عيسو، لم يستطع أن يكتم رغبته الشديدة إلى الطعام، فقال له : “أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت” (تك 25: 30). وانتهز يعقوب الفرصة وطلب منه أن يبيعه بكوريته(يتنازل عن حقه الشرعي كأبن أكبر)، فلم يتردد عيسو في الموافقة، وأيد الصفقة بالحلف له، “فأعطى يعقوب عيسو خبزًا وطبيخ عدس، فأكل وشرب ومضى. فاحتقر عيسو البكورية” (سفر التكوين: 25: 31-34).
ويبرهن مؤلف هذه الأسطورة على صدق قوله بأنه منذ ذلك اليوم وأصبح لون عيسو أحمر أو بني، ولذلك سمي”آدمي Edom “..ونحن نعلم بأن العدس لا يغير لون بشرة إنسان، كما نعلم بأن كلمة ” آدمي ” معناها في اللغة العربية أسمر اللون، وطبيعي أن يكون عيسو أسمر لأنه – كما ذكرت الاسطورة – كان صيادًا يتعرض للشمس وحرارتها، فما ذكره المؤلف يؤكد زيف قصته واستخفافه بعقل القراء..
ولنا نعلم بأن عيسو هو أبو الشعب الفلسطيني، وقد تزوج من امرأتين كنعانيتين ثم تزوج بابنة عمه إسماعيل عليه السلام وقد ظلت ذريته في فلسطين في حين هاجرت ذرية يعقوب إلى مصر..و يحاول المؤلف بهذه الاسطورة السخيفة بأن يثبت بأن لليهود الحق في أرض فلسطين ذلك أن والدهم تنازل عن حقه في نظير طبق عدس..
كما تبين هذه الأسطورة العقلية اليهودية ومن ورائها العقلية الغربية ، حيث أن ساسة الغرب وعلى رأسهم رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية أعلنوا مرارًا بأن ثقافتهم “مسيحية- يهودية”..فنجدهم يطبقون هذه الحيل اليهودية على مر العصور، فقد اشتروا من قبل جزيرة ” مانهاتن ” من الهنود الحمر بخرز وشرائط ملونة (طبق عدس) فنهبوا الأرض وهتكوا العرض وحرموهم مما رزقهم الله.
أما وفي قارة إفريقيا تحدث ولا حرج على ما فعله الغرب مع سكان هذه القارة .. في عام 1915م في كينيا سن الإنجليز قانوًا يسمى alienation يمكن من اغتصاب أخصب وأفضل الأراضي من أهالي البلاد ومنحها للأوروبيين ، ونقل أصحاب الأراضي المنهوبة إلى الأرض الصحراوية أو الموبوءة بذبابة النوم المعروفة باسم” تسي تسي “، فماتوا جوعًا في الأرض القفار أو بلسعات الذباب المميتة..ولما اكتشفت معادن السلفات و الذهب في الأراضي التي سمح بها الإنجليز للقبائل سحبوها منهم..وطبق الإنجليز نفس السياسة مع روديسيا عندما خدع مغامر إنجليزي يدعىCecil Rhode ملكها بأن يعطيه حق التنقيب عن الماس والذهب في البلاد مقابل مائة جنيه إسترليني شهريًا وعدة بنادق ومركب ترسو في نهر الزمبيزي، ولقد أعطاه البنادق ولكم لم يسلمه المركب حتى طبق العدس تجده ناقص عند التعامل مع اللصوص.. وانتهج الألمان ومن بعدهم الإنجليز نفس السياسة مع قبائل تنجنيقا ، والبلجيك مع شعب الكنجو ، والبرتغال مع شعوب أنجولا والموزمبيق فأخذوا منهم طبق العدس عندما وجودوا قطعة لحم في القاع..
ناهيك عن بشاعة ما فعله الهولنديون ومن بعدهم الإنجليز في جنوب إفريقيا حيث اغتصبوا أراضي قبائل ” البنتو ” و جعلوهم عمال سريحة يعملون في المناجم التي لا ينزلها الأوروبي لخطورتها وضررها على الرئتين، وعاجلت الكنيسة السود فاصدرت فتوى تمنعهم من الثورة ضد الاستعباد والظلم و أن أي ثورة يقوم بها السود ضد الحكومة – وإن كانت ظالمة – هي كفر وتمرد على الخالق لأن الحكومة جاءت بأمر الرب..وإذا كان هذا حال الكنيسة فانظر إلى حال الساسة يقول وزير العدل C.R.Swart:”إن الرجل الأبيض لا يستطيع الحياة إذا كان للرجل الأسود نفس الحقوق” ، ويرى رئيس الوزراء Dr.F.Malan :”إن الرجل الأسود لا يحتاج إلى بيت فيستطيع أن ينام تحت شجرة”..ولما العجب إذًا والحال هكذا بأن يقرر أول دستور لترنسفال المبدأ التالي:
“There shall be no equality between black and white”
فالدستور ينص على عدم المساواة والقانون يفرض الظلم..وقوانين التفرقة لا تنتهي، ومنع الإفريقي بقوة القانون من أن يعمل في الحرف الفنية بل يجب أن يعمل حمالاً للحطب أو جامعًا للقمامة أو عتالاً للأحجار..وهذه الطيقية فرضتها الكنسية عنوة، بعد أن أدخلها اليهود في التوراة وتقول بأن: نوح وهو سكران – ولم يكتشف السكر بعد إلا بعد نوح بقرون – دعى ابنه حام أن يكون ولده كنعان عبد لغيره و حام أبو الأحباش والفلسطينيين والمصريين ولكن نجد النقمة تخص الفلسطينيين وحدهم وهم أبناء كنعان.(التكوين:9-25)، حسب التصنيف اليهودي، ونرى هنا الطابع السياسي لهذه الخرافة..وأخذ ساسة هولندا ما شاؤوا من التوراة ، ولا ندري لماذا قرروا أن قبائل البنتو هم أولاد كنعان..هل عندهم نسب لهذه القبائل؟ وهل عندهم ما يثبت صدق اليهود..وتأسيسًا على ذلك أصبح دم الزنجي مباحًا فإذا خرج ليلاً من معسكره بدون إذن قتل ..وإذا تزوج من سيدة بيضاء قتل..وكذلك إذا دخل سينما أو فندق للبيض ..وبالطبع كان هناك رد فعل من جانب السود..وبعد نضال أجيال تمكن أهل البلاد من كسب بعض الحقوق ، لكن بعد دفع ثمن رهيب من في الأرواح وبعد أن ذاق ألونًا من العذاب، فكان طبق العدس غالي جدًا.
العدس المر:
لقد أخذ يعقوب ميراث أخيه بطبق عدس، ولم تخبرنا أسطورة التوراة بأن العدس كان مرًا..أما العدس الذي تعطيه حكومات الغرب للبلاد الفقيرة في هذه الأيام شديد المرارة فلا تأخذه بلد إلا وكانت مكرهة عن طريق ضغوط خفية مكبلة بشروط مغلظة بالفوائد المتضاعفة..وهو نوع خبيث يفيد البلد الذ منحه ومواطنيها على حساب من يأخذه..فنحن مثلاً نعمل ونكد وندفع ضرائب باهظة والدين الخارجي لم ينقص بل يتزايد ويؤجل ويجدول ومازال مر في حلقنا وغل في في رقابنا..كما أننا ملزمين بأن نشتري حسب اتفاقية طبق العدس سلعًا أمريكية وغربية مما يوفر لهم فرص عمل ويزيد من معدلات البطالة والفقر والجوع وتأخر الصناعة في بلادنا ، علهم يكسبون مكاسب متضاعفة من بيع السلع ومن فوائد الديون..وهذا ما يعرف بالمساعدات الأمريكية والغربية مشكورين عليها.
تقول آخر إحصائيات أن البلاد الغربية تنتج 98% من المواد السامة والنفايات في العالم، وتقوم بدفن هذه السموم في صحاري وأراضي بلاد الجياع نظير طبق عدس تعطيه للحكومات..وقد ذلك ألمانيا في ألبانيا ولم تبالي..كما فعل ذلك البيض مع السود في أمريكا..وحينما احتج السود في اجتماع رسمي حضره ” آل جور ” نائب الرئيس، قال لهم الأخير إن هذه ليست مشكلتكم وحدكم بل مشكلة عدة بلاد في إفريقيا ومشكلة كل الشعوب التي لا تستطيع أن تيدافع عن نفسها!
يبدو أن الدنيا أصبحت مؤامرة كبيرة وكل من لا يستطيع أن يحطات يُدس له السم حتى في طبق العدس