ثقافة السلام في الإسلام – بقلم : د . معراج احمد معراج الندوي

دراسات ….
بقلم : معراج الندوي * جامعة عالية، كولكاتا- الهند
إن مفهوم ثقافة السلام من المفاهيم الحديثة التي تم نقلها وبيان مدلولها ضمن المنظور الإسلامي، تأثر مفهوم ثقافة السلام بالمدارس والتيارات النظرية والفكرية واختلافها في تحديد مفاهيم العنف والسلام. ثقافة السلام هي مجموعة من القيم والمواقف والتقاليد والعادات وأنماط السلوك وأساليب الحياة بحيث تجسد في مجموعها تعبيراً إلى احترام الحياة واحترام البشر وحقوقهم مع رفض العنف بكل أشكاله، والاعتراف بالحقوق المتساوية للرجل والمرأة، والاعتراف بحق كل فرد في حرية التعبير والإعراب عن الرأي والحصول على المعلومات والتمسك بمبادئ الديمقراطية والحرية والعدالة والتنمية للجميع والتسامح والتضامن والتعددية وقبول الاختلافات والتفاهم بين الأمم وبين الفئات العرقية والدينية والثقافية وغيرها من الفئات.
ترتكز ثقافة السلام على قيم عالمية منها احترام الحياة الفردية، الحرية، العدالة، التماسك، التسامح وحقوق الإنسان، والمساواة بين الرجل والمرأة ، فتعبير قيم عالمية مفهوم فضفاض لأن حياة الناس وحرياتهم، ومفهوم العدالة والتماسك والتسامح وحقوق الإنسان كلها مفاهيم متنوعة، تختلف بين أمة وأمة، بين شعب وشعب آخر، بل بين قبيلة وأخرى ، ولعل هذه التوجه في استخدام مفاهيم فضفاضة هو فرض المفهوم الغربي أو الاتجاه نحو عولمته.
تبدأ قصة السلام في الأديان السماوية مع إشراق فجر هذه الأديان على الأرض، أما في الإسلام فهي قضية أصيلة عميقة ترتبط ارتباطا وثيقا بنظرة هذا الدين الواعية والشاملمة للإنسان والحياة والكون. يعتبر السلام من الأهداف الرئيسية في الإسلام. والسلام مبدأ من المبادئ التي عمق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، فأصبحت جزئا من كيانهم وعقيدة من عقائدهم. إن هناك خمسة المبادي لثقافة السلام في الإسلام، وهي:
العدل: يعتبر العدل من أهم معززات ثقافة السلام ، وهو قيمة عليا نالت منزلة خاصة في رسالة الإسلام، وتميزت بخصائص متعددة تكفل فعاليته ، وتجسدت تجسيداً حيوياً غير مسبوق في العهد النبوي بما كان له أثره المباشر وغير المباشر في إشاعة معاني السلم على المستوى العالمي. هذه أبرز معاني العدل في اللغة وهي تدور على المساواة والمثيل والاستقامة والتوسط والحكم بالحق، وهذه المعاني كلها مرادة من العدل. ولأهمية العدل وحيويته في الحياة الإنسانية تنوعت تعاليم الإسلام المبرزة لعظيم منزلته وضرورة إقامته لكي تستقيم حياة الإنسان ضمن منظومة الكون والحياة. تميز العدل في الإسلام بخصائص متنوعة تضفي عليه حيوية ومصداقية وواقعية وفعالية يظهر أثره على مستوى الفرد والمجتمع والإنسانية.
العدل في الإسلام يمثل مبدءاً عاماً، وقيمة مطلقة صارمة لا تسمح بأي عبث ، ولا مجال للعواطف في تغييبها من المجتمع على المستوى الفردي أو الجمعي ، ولا يستثنى منها أحد ، ولا يقبل إخضاعه لأي تفرقة عنصرية يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ (الأنعام : الآية 152) فالناس كلمة عامة تشمل الإنسانية كافة مسلمهم وكافرهم أبيضهم وأسودهم لا مجال شرعاً للتمييز بينهم في الأحكام الدنيوية والقضائية ، كذلك لا مجال للعواطف في التأثير على قيمة العدل أو آثاره يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (النساء : الآية 135)
هذا هو العدل الذي حول ضعف النفوس إلى قوة صنعت النصر والتاريخ والحضارة والتقدم والرخاء لأمم كان يوصف أهلها بأنهم كلاب الصحراء وآكلو الجِعَل والرخاء والتقدم الحضاري له دوره الحيوي في تعزيز معاني الاستقرار والأمن والسلام داخل المجتمع.
الصـلح: إن رسالة الإسلام رسالة رحمة وسلام، وأن تحقيق السلم كان من أهم أهداف تعاليم الإسلام ، وهو هدف استراتيجي أكد عليه القرآن. نلاحظ أن بعض الآيات جاءت مطلقة في بيان أن تغليب المصالحة وحسر دائرة التوتر والشقاق هو دائماً خير، يقول الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ (النساء من الآية 128) يعتبر صلح الحديبية من أكثر الأمثلة وضوحاً في تغليب المسلمين لحالة السلم على الحرب، ولأهمية هذا الصلح وحساسيته. إنَ أول خطوة في الإصلاح بين الناس يجب على متصدر الصلح أن يتخذها هي أن يختار الوقت المناسب لذلك، فالأفضل ألّا ينتظر حتى تخف حدة الخلاف بين الأطراف وتبرد القضية، ويذهب الغضب عنهم، ثم يذهب ليصلح بينهم، إذ أن من أعظم الأمور التي حث عليها الشارع الحكيم قضية الإصلاح بين الناس، وأن يكون بين الناس التواد والمحبة والأخوة الإيمانية. وإذا حصل شيء من ذلك وجب الإصلاح فوراً ، قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(﴾ (لحجرات:10) إن الصلح مصدر الطمأنينة والهدوء ، ومبعث الاستقرار والأمن وينبوع الألفة والمحبة. فالصلحُ نهجٌ شرعيٌ يُصانُ به الناسُ وتُحفظُ به المجتمعات من الخصام والتفككِ.
الإحسان: الإحسان هو الرافد الثاني من روافد ثقافة الإسلام ، وقيمة عليا من قيم الإسلام. الإحسان من القيم السيادية في رسالة الإسلام ، وهي القيمة الأكثر شهوداً مع غير المسلمين ، وبها تبرز جماليات رسالة الإسلام ، وهي الحاضنة الفكرية والروحية لثقافة السلام التي تتميز بها تعاليم الإسالام حيث تفتح المجال واسعاً للتفاعل مع الآخرين والصبر على إيذائهم والحلم عليهم ، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (البقرة الآية 20) فالآية تطالب بالقول الحسن للناس كل الناس أبيضهم وأسودهم، غنيهم وفقيرهم ، مسلمهم وكافرهم دون تفريق ، وهذا نهج حضاري إنساني ينمي معاني الخير في ربوع الإنسانية. وقد أنكر القرآن الكريم التمييز العنصري على مستوى الأخلاق والمعاملات يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ (آل عمران: الآية 75) فهذا التمييز على مستوى المعاملة والأخلاق يأباه الإسلام ويرفضه، ونجده في كل تعاليمه ينحى منحىً إنسانياً. وهذا يعزز فرص التعايش السلمي بين المجتمعات. فالإحسان يعطي حيوية للإسلام لا يتصور وجودها في غيره ، وهي القيمة الأقدر على إرساء جسور التواصل بين الأمم وبث روح التعايش السلمي بين الناس.
الرحمة: الرحمة هي نزعة إنسانية وعاطفة روحية باعثة للعدل والإحسان، وقد آثرت ذكر هذه القيمة لسعة مساحتها في رسالة الإسلام من جهة ، ولأثرها الحيوي في تعزيز ثقافة السلام الأهلي والعالمي. تعتبر الرحمة من أهم ما تتميز به رسالة الإسلام ، نجد في كتاب الله أن لفظة “رحم “ومشتقاتها قد جاءت أكثر من ثلاثمائة مرة مما يدل على اتساع المساحة التي تشغلها الرحمة في رسالة الإسلام، يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (آل عمران : الآية 159) هذه الآية تبرز روح الرسالة التي تميز بها الإسلام عن الأديان الأخرى. واستطاع الإسلام من خلالها أن يغير معالم التاريخ ويفتح القلوب المقفلة و الآذان الصم ، ويحول العرب الذين تميزوا بقسوتهم وشدتهم إلى أصحاب حضارة سمحة رحيمة عادلة. فاستطاع الإسلام بذلك أن يسلب عقولهم وقلوبهم ويسوقهم إلى الخير والرشاد والرقي والفلاح.
التسامح: السماحة والفكر السمح ميزة جوهرية من ميزات رسالة الإسلام استقتها من إنسانية التعاليم ووسطية الفكر الإسلامي، وهذه القيمة يظهر أثرها الواضح في جانبين: الأول: بساطة التعاليم وسهولتها في التعاطي مع المواقف المتنوعة. والثاني: يسر النهج في التعامل مع غير المسلمين؛ لذا هذه القيمة هي من أبرز قيم التعايش السلمي بين المسلمين و غيرهم ، وبين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم. ومن مظاهر سماحة تعاليم الإسلام أنها فتحت المجال واسعاً لكل أشكال البر لغير المسلمين ، ولعل مرجع هذه التوسعة هو الطبيعة الإنسانية لرسالة الإسلام المبنية على احترام الإنسان كل الإنسان. والإسلام وإن أكد على الأخوة الدينية ؛ إلا أنه لم يلغ الأخوة الإنسانية ، وما دامت رسالة الإسلام رسالة قيم وأخلاق ؛ إذا من حسن الخلق رعاية الأخوة الإنسانية ببر أهلها والإحسان إليهم وصلتهم . سماحة الإسلام تبرز المظهر الحضاري لرسالة الإسلام ، وتعزز من نهجها الإنساني الذي تميزت به ، وهذا له دوره في تعزيز السلم العالمي ، بل كانت هذه القيمة هي الأكثر شهوداً وتأثيراً في العالم القديم مما فتح المجال للكثيرين للدخول في دين الإسلام.
الحوار: إن الأخوة الإنسانية التي يقر بها الإسلام ويحترمها تقتضي التفاعل مع عموم الإنسانية واحترام جوانب الخير فيها وتعزيزها والتأكيد عليها ، كذلك الحرص على هدايتها ونقل معاني الخير إليها ، وهذا التفاعل الإيجابي لا يصلح له إلا الحوار. إن رسالة الإسلام ليست قومية ولا عنصرية ، بل هي رسالة لعموم الناس، ودين عالمي، وهذا يستلزم عدم انغلاق الرسالة وتقوقعها على نفسها ، بل هي مطالبة بالانطلاق بين الناس بجميع أعراقهم وأطيافهم. لذا جاء الاهتمام في رسالة الإسلام بالحوار على اعتباره الوسيلة الأمثل لإقناع الآخرين بتعاليم الإسلام، وهذا يتضح من تلك المساحة الواسعة للحوار في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ ( الحجرات : الآية 13) وقد ذكر القرآن حوار الأنبياء لأقوامهم ، وهذا الحوار كان يأخذ الحيز الأكبر من القصص القرآني مما يشير إلى أهمية الحوار وفعاليته في رسالة الإسلام.
تميز رسالة الإسلام بقيم كثيرة معززة لثقافة السلام، وتتميز هذه القيم بقدسيتها وإيجابيتها وحيويتها وشمولها ووسطيتها، وهي بمجموعها تكفل تعزيز السلم العالمي والأهلي بأرقى الصور وأقلها تكلفة. إن القيم في رسالة الإسلام وربطها بالفلاح والخسران عزز تجسيد ثقافة السلام في المجتمع بشكل لم يعهد له مثيل على مستوى البشرية، وهذا يكسبها امتداد إنساني افتقر له القانون الدولي الإنساني الذي أصبح من الناحية التطبيقية شريعة للأقوياء فقط. وعلى الطرف الآخر، يرسم الإسلام الطريق الأمثل للتعايش الإنساني القائم على المحبة والسلام والود والاحترام.

الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية وآدابها
جامعة عالية، كولكاتا- الهند
merajjnu@gmail.com