لا تسألي اين الطريق – بقلم : د . عاطف درابسه

فن وثقافة …
د. عاطف درابسه – فلسطين المحتلة …
سألتُ الوطنَ هل تعرفُ عنواني ؟
وهل تعرفُ كيفَ يُعاقبني اليأسُ ، ويفتحُ الجُرحَ في قلبي ؟
هل شممتَ يوماً رائحةَ دموعي ودمائي ؟
وهل رأيتَ كيفَ يَبتبخّرُ الماءُ من جوفي ، وتتفتّحُ فيهِ الشُّقوق كالثّوبِ العتيق ؟
منذُ زمنٍ طويلٍ لا أغفو ليلةَ العيد ؛ فقد سرقوا ثيابي وألعابي ، والأزهار التي تعلو أغصانَ العُمر .
هل تعرفُ يا وطني الأزقّةَ الضّيقة التي تؤدّي إلى الفقراء ؟
لم يبقَ شيءٌ على الرّصيفِ يؤكل ، ولم يبقَ في صفائحِ الزّبالة خبزٌ جافرٌ  أو بقايا من قشورِ الموزِ والبرتقالِ والتّفاح .
نمضي وحدنا بلا طعامٍ أو ماء ، بلا أفكارٍ أو مشاعرَ ، وحصادُنا الوحيد شعرٌ أبيضُ وظهرٌ مُنحنٍ ، وأحلامٌ على جدار ، وهزائمُ ثقيلةٌ ، وحفنةُ تُراب تنزفُ وتصرخُ : نحن – الجائعين – نبحثُ عن حبّةِ قمحٍ في جوفِ سُنبلةٍ سقطت حينَ نخرها السّوسُ ، وامتصَّ ما كانت تحملهُ السّاقُ من ماء .
يا حبيبةُ جئتُ إليكَ أحملُ حروفَ وطني خاليةً من الأحلامِ والأماني ، وأحملُ آخرَ ما تبقّى من العُمرِ خالياً من الأيّامِ ، أُفتّشُ بينَ السّرابِ عن السّرابِ ، وعن شبابٍ توارى بينَ التُرابِ .
يا حبيبةُ : مضى العُمرُ ونحنُ نكتبُ روايةَ الأحزانِ ، ونرى أيّامنا تمشي على شواطئِ الدّماءِ ، ونسألُ الخُطى المرسومة على الرّمالِ كيفَ نلقى الله وفي عيوننا ألفُ خيانةٍ وخيانة ، وألفُ هزيمةٍ وهزيمة .
الشّاطئُ بعيد ، والليلُ كئيب ، فخبريني .. خبريني : من سرقَ الأحلامَ من صدورنا ؟ من سرقَ دموعَ الفرح من عيوننا ؟ من سرقَ الشّفاء من جراحنا ؟ من سرقَ الصوتَ من حناجرنا ؟ من سرقَ الوطن من أطفالنا ؟ من أسرى دماءَ الخوف في عروقنا ؟
يا حبيبةُ لا تيأسي ما زلتُ أرى في عينيكِ مكاناً قد تُشرقُ منهُ الشّمسُ ، وينبعثُ منهُ وطنٌ جديد .