كنيسة دونالد ترامب ترسم صفقة القرن – بقلم : عبد الحميد العوني – المغرب

دراسات ….
بقلم : عبد الحميد العوني – المغرب ..
ورثت روح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  اللوثرية الألمانية من جده لأبيه ، وتنتمي أمه إلى الكنيسة المشيخية المتبعة لتعاليم اللاهوتي البروتستانتي جون كالفين ، وقد أصدر المشيخيون 7  وصايا من 11 قرارا حول إسرائيل في اجتماعهم الأخير ، رأى فيها  الحاخام ” نعوم ماران ” مدير مركز ( أ. جي.جي) انتقالا من الانتقادات الشرعية لإسرائيل إلى شيطنة الكيان اليهودي (1)5 وهو ما أغضب نتنياهو للحظة ، قبل أن يقول في مجلسه الحكومي نهاية يونيو 2018 : إن ترامب قادر على توفير مصالحة تاريخية مع الكنيسة المشيخية الراغبة في حل شامل لمشاكل الشرق الأوسط ، وعلى خطى الرئيس المنتمي إلى نفس الكنيسة ، ريتشارد نيكسون ،  في معركة أكتوبر 1973 ضد مصر ، ستكون الحرب ضد  إيران لرسم الحل ، المعروف ب (صفقة القرن) .
وأدارت تل أبيب خطة مضادة لقرار الكنيسة المشيخية ب (عدم الاستثمار التدريجي والنوعي للشركات الأمريكية في إسرائيل ) عام 2004، قادها رئيس الحكومة الإسرائيلي الحالي ، قبل تحول 2006 الذي قالت بشأنه الموساد وأمرت بقيادة رجل أعمال مشيخي الولايات المتحدة لتمرير حرب على إيران ، وإقامة تسوية نهائية في المنطقة على أساس اتفاق كامب ديفيد ثان يكون امتدادا للأول الموقع بين السادات وميناحيم بيغن ، وينتقل بموجبه جزء من صحراء سيناء للكيان الفلسطيني القادم لحل المساحة لأن مشكل غزة جغرافي وليس إنساني فقط ، ولا بد من حله .
ومنذ 2007 قامت كنيسة ترامب بنشر لائحة سوداء ل 19 شركة أمريكية تتعاون مع الجيش الإسرائيلي لتلتحق الاستخبارات العسكرية (أمان) بالخطة الموضوعة لنقل الرئاسة الأمريكية إلى المشيخيين .
ورأى أرييل شارون ، عقب توصله في مارس 2002 برسالة من مقرر الكنيسة المشيخية (كيفتون كيلياتريك) أن إسرائيل تجد شريكا قويا للحل ، يغلب الجانب الإنساني والجغرافي على الجوانب الأخرى ، وانسحبت إسرائيل من غزة لتركيز الحل على القطاع بتوسيعه ونقل البرلمان الفلسطيني إليه(2) .
وبقي الوضع مجمدا عند هذه الخطوة قبل أن يحول الحوار الإسرائيلي مع الكنيسة المشيخية إلى بناء خطة متكاملة تدعى (صفقة القرن) موجهة لمصالحة فلسطينية ـ إسرائيلية وأخرى خليجية ـ إسرائيلية لعزل ما تسميه عظات  الكنيسة العشرة ب “الراديكالية الإيرانية ” إلى جانب ” راديكالية داعش ” في المنطقة ، لأن يسوع المسيح ، في هذه العقيدة ، حاضر جسدا في كل صلاة ولا يحتاج إلى القيامة لظهوره ، وهو حاليا من يدعم صفقة القرن .
ولا يقبل يسوع الحي واقع الاحتلال الموجود ، ويجب تصفيته بمصالحة لا تغير المدن والقرى والمساكن ، بل تغير النفوس والتحالفات ، كما يقول قرار الجمع العام في يونيو 2004  ، بتصويت 431 عضوا مقابل 61 ( إن الاحتلال برهن أنه جذر الأعمال الشريرة الواقعة ضد الشعب على طرفي النزاع ) ويلاحظ أن الكنيسة المشيخية لا تميز بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي ، فيما تميز صفقة القرن الكيانين وليس الدولتين الفلسطينية عن الإسرائيلية .
ويطالب القرار بوكيل نزيه للسلام يبدأ بسحب قواته من المنطقة ، غير مميز بين الشعبين المؤذيين لبعضهما مع نشر قوات لحفظ السلام انطلاقا من مفاوضات الأطراف ، وثوابت أهمها عودة الفلسطينيين وأمن إسرائيل وتنفيذ كامل لاتفاق كامب ديفد ، الذي تعتبره الكنيسة المشيخية الاتفاق الوحيد الذي يمكن البناء عليه ، في إقصاء كامل ل ( أوسلو) ، لطابعه الانتقالي والتجزيئي ، ولم يتحول إلى اتفاق نهائي لشعب المنطقة ، وطبقا لقرار كنيسة ترامب ، فإن ثوابت الحل تركز على :
1ـ الاعتراف ببقاء جدار الفصل في الضفة الغربية ، حسب منطوق الجمع العام 217 للكنيسة المشيخية (3) ، بعد رسالة وقعها الحاخام ” كاي بريتون غرانتور”  و “شيلي كلين ” و 11 آخرون يمثلون الوكالات اليهودية ، وبالعطف رسالة أخرى وقعها إيثان فيلسون ، القريب من ترامب ، باسم 15 وكالة يهودية وعلى إثرها اعتبر الرئيس الأمريكي بناء الجدارات فتوى دينية لكنيسته .
2ـ جدار الفصل هي حدود إسرائيل الأمنية والنهائية في الضفة الغربية .
3ـ إنهاء أي توسع ترابي للصهيونية ، وجاء قرار الجمع العام لعام 2014 الوارد في موقع الكنيسة الرسمي رافضا لما سماه “الصهيونية غير المنضبطة “، لذلك فالحدود النهائية لإسرائيل جزء من أمن الشرق الأوسط .
4ـ بناء اتفاقية سلام على اتفاق كامب ديفيد ، ويتحول ما طعن فيه الإسرائيليون ورفضوا عودته إلى الفلسطينيين لبناء دولتهم ، إجراء يمكن من حل مشكل غزة ومشكلة الدولة غير المسلحة للفلسطينيين ، بأمن مشترك إسرائيلي ـ مصري يشمل صحراء النقب .
ويحاول العبريون تصحيح علاقة الكنيسة المشيخية مع اليهودية ، لذلك قالوا بالحل على ضوء مجتمع عادل في إسرائيل الكبرى ، لكن دونالد ترامب يرفض دينيا هذه العبارة ، خصوصا وأن صفقته لحل أزمة والشرق الأوسط تغلب المال والدنيا على الدين بلغة صحيفة (لاكراو) الكاثوليكية ، تبعا لمذهبه في المسيحية ، منذ زواج أبويه عام 1936 على الطقوس المشيخية ، ومتابعة القس  نوران فانسون بيل صاحب نظرية التفكير الإيجابي للعائلة إلى حين وفاته 1993 ، ولذلك فالرئيس الأمريكي عندما يخطئ على حد قوله يصحح خطأه ، ولا يطلب العفو والغفران من الرب ، لأنه لا يدخل الله إلى مشكلته ، ويصلي ليتطهر ، وحسب ” نيويورك تايمز ” ، في عددها ل 18يناير 2016 ، فإن الإنجيليين ينظرون إلى ترامب رجل عقيدة ، وإن لم يكن فرجل إيمان .
ويعتمل هذا الإيمان في صفقة القرن ، انطلاقا من عشرة مبادئ للوصول إلى خمسة أهداف ، تنتهي بخارطة نهائية لحدود إسرائيل ، لأن بقاءها من غير ترسيم لحدودها يهدد بسيناريو جديد لا يبتعد كثيرا عن اجتياح أربعة دول دفعة واحدة ، كما حدث 1967 ، وفارق التسليح والاستعدادات للحرب بين إسرائيل وجوارها يتجاوز ال 300 في المائة ، ولذلك تدخلت روسيا في سوريا كي لا تتغير مرة أخرى خارطة هذا البلد العربي ، ووافق ترامب على هذا التدخل ، انتصارا لقناعته الدينية بالأساس ، وهو متهم بصلات قيد التحقيق مع روسيا ، ورفض البنتاغون ، في وقت سابق ، قرار الرئيس الأمريكي سحب قوات بلاده من سوريا .
ولم يحدث منذ اجتماع 7 وزراء في 1706 لإنشاء أول تجمع للكنيسة المشيخية أن قاد مشيخي أمرا خارج أرض أمريكا ، وتتسيد هذه الفكرة الانفرادية لترامب انطلاقا من روحه المطهرة ، كما يقول ، لكنها لا تظهر بأي حال في مسألتي الهجرة والقدس ، مستفيدا .
من تعدد القراءات ، حسب مقال أماندة كازانوفا في (كريستيانيتي ) .
من جهة ، نفذ الرئيس المشيخي قرارات وقوانين للكونغرس بدون تأجيل أو تبرير ، فالنظام في هذه الكنيسة لا يسمح بتجاوز ما قرره الجمع العام بالتصويت ، ولا يستند لأي سلطة دينية للقس أو الرهبان ، أو أي كان ، ومن جهة ثانية قرر ما أورده كتاب الاعترافات ، والرئيس معني بمشاركة الشرق أوسطيين رؤية الله ، حسب زعمه .
ولا يهتم ترامب بحل عادل ، لأن كل شخص أو عمل في نظر كنيسته ، ليس جيدا ، ولذلك لم يطلب الغفران في كنيسة المهد ، لاعتقاده أن يسوع كلمة يجب أن يشاركها المؤمن ، لكنه حسب زعمه مؤمن غير نشيط ، ولا يستبعد علاقة كيان فلسطيني بتاج داوود الإسرائيلي كقطعة تابعة له ، إنها في تصوره (أنف ترامب) لأن كنيسته تعتقد في مهدها الاسكتلندي أن من يخالفهم ليسوا أكثر من (أنف البابا) الذي يدسه في شؤونهم .
وفي لحظة حساسة انتقلت فيها العاصمة تل أبيب إلى القدس لم ير أصحابه في الإيمان سوى تطبيق  لوصية تعود إلى 1900  ، حين قدمت الكنيسة الحرة واتحاد الكنائس المشيخية خطة لنقل العرب إلى الصحراء ، فيما الشاطئ لإسرائيل إلى جانب القدس .
ومن اللافت أن نعرف ، في نظر ترامب ، أهمية العودة إلى خرائط التلمود ، وليس إلى القانون الدولي ، لأنه بدعة سمجة ، فالخارطة القديمة لغزة ، وقبل غزوها في 145 قبل الميلاد ، هي المطلوبة حاليا لحل مشكل شعب المنطقة ، فالكنيسة المشيخية لا تعترف بالارتباطات العرفانية للحاخام ( يسرائيل ناجار) صاحب كتاب (كاه ريبون علام) أو كتاب حاخام فاس أبراهام أزولاي ، عن هذه المدينة وقطاعها الذي لم يدخله إبراهيم وابنه إسحاق حسب التلمود ، وبقي في مدينة (جرار) القريبة منها يترقب ، وبقي كذلك طيلة حياته .
وفي 1929 انقطع اليهود  عن أرض غزة ، لكنها لم تكن بالجغرافيا الحالية ، بل بنطاق يشمل جزء واضحا من سيناء التي حضنت شهادة شعوب أخرى ( إريف راف) لنبوءة موسى .
وفي اعتقاد هذه الكنيسة ، سيكون الحل كامنا في مصالحة شاملة بين هذه الشعوب تتقاسم فيها التراب ، وتتأسس جغرافيا منسجمة مع الشعوب أولا قبل الدول ، فالحل المصري ـ الإسرائيلي لمشكل الفلسطينيين هو الحل الدائم والممكن ، وقد اتبع الرئيس الأمريكي في صفقة القرن ما تقوله كنيسته .
ويصارع اليمينيون الإسرائيليون عدم اعتراف ترامب بيهودية الأرض أو الدولة ، وهي في نظره أمرا متجاوزا ، ووافق بنيامين نتنياهو على تخفيف لهجته في بشأن ما يسميه (الدولة اليهودية) ، لأنها ليست من قناعة ترامب ، وكل الكنائس المشيخية في العالم .
ويمكن التقليل من “الدولة اليهودية” مقابل “الدولة الفلسطينية” لأنها عنوان آخر للأزمة ، وتوقف المفاوضات ، وبالانتقال إلى دولة واحدة  بنظامين إداريين وجغرافيتين متميزين سيفشل مسلسل السلام ، فاقترح ترامب خطة كنيسته ، وبدعم واسع من أعضاءها الذين عدوه مؤمنا مجددا ، من واقع أنه قال بالحق التاريخي ، وعلى قدم المساواة لطرفي النزاع ، رافضا الصهيونية والإسلاموية معا ، ومعتمدا على الخارطة التوراتية لإعادة توزيع الحقوق ، لذلك رفض الاحتلال في الضفة وغزة ولا يشمل إيمانه القدس ، وفي هذا التصور ، للرئيس الأمريكي وكنيسته ، يتقدم ما يسميه (الحق التاريخي) لليهود في المدينة ، مع الحفاظ على حقوق الفلسطينيين غير السيادية في الأحياء التي يسكنونها ، وفي الحرم  القدسي ، على أن تكون (ثابتة وموثقة ) ونهائية وغير قابلة للنقض أو التراجع ، حسب صيغة واضحة في المذكرات الخمس المفصلة لصفقة القرن .
وتبعا لهذه الخارطة المتوقعة ، تعود المنطقة إلى 100 قبل الميلاد ، بما يسقط حقوق كنائس الشرق دفعة واحدة ، وهي تقول ب (هرطقة) المشيخيين ، وفعلا تحرك البابا  الكاثوليكي إلى الإمارات ، أي الجزيرة العربية ثم المغرب في أقصى شمال إفريقيا لخلق توازن مع رؤية الإنجيليين لحل الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني ، وقد دخل في أفق معقد لتحالف جزء مؤثر في اليمين الإسرائيلي مع كنيسة تناقض الصهيونية وتفصل إسرائيل عنها ، كما تفصل فلسطين عن إيران ، في أفق الحل الذي يعطي  نطاق حياة آخر لقطاع غزة ، مع خطط كلها من خلفية دينية لربط القطاع بالضفة الغربية ، وفضل الرئيس الأمريكي ، بعد تحرك بابا الفاتيكان عدم وضع القدس في أي من الخرائط المعروفة على قادة المنطقة .
وسبق وصف ما اقترحه المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط (جاسون غرينبلات) بالمنطقي في الكنيست الإسرائيلي ، حسب الموقع العبري (ييي نيت نيوز) في 16 أكتوبر الماضي .
ويراقب الجميع حدود الاتفاق بين اليمين الإسرائيلي والكنيسة المشيخية على خارطتين ، وقد اقترح 6 قسس  خارطة وافق عليها الرئيس ترامب وست دول عربية فقط مع عدم رد السلطة الفلسطينية بالرفض .
وفي الخارطة غير القابلة  للتعديل ، يسعى دونالد ترامب إلى تشجيع نتنياهو على الموافقة ، لكن الكنيست لا يرى أي استعجال في الأمر ، إلا بعد قبول المجلس الوطني الفلسطيني بهذه الخارطة .
واقترح (غرينبلات) قراءة توراتية عميقة لخارطة العهد القديم ف، يما بين جبل الطور في سيناء والقدس ، وفي أجواء المصالحة ، حسب التقليد المشيخي ستكون غزة حجر الزاوية في بناء دولة فلسطينية غير مسلحة ، مشترطا على أبو مازن عدم تسليح دولته لتوسيعها وربط الضفة بقطاع غزة ، وانتصر ترامب لما تدعوه كنيسته بالمصالحة بين الفلسطينيين بوساطة أمريكية عبر 3 خرائط مقترحة على الطرفين ، وكلها  خضعت لموافقة الإنجيليين الذين تداولوا خارطتين على الأقل بمناسبة اجتماع (جنيف) ، وحاليا ، يعيد الرئيس ترامب صياغة ما اقترحته الكنيسة المشيخية في 13 صفحة ، ودائما من مبررات دينية يريد بها الرئيس الأمريكي  أن يطهر بها شعب المنطقة على طرفي النزاع ، وبإخراج سياسي كامل واحترام لأعراف  الصفقات تحاول (صفقة القرن) تغطية المبرر الديني المكشوف لترامب في صفقة قال عنها الرئيس الأمريكي نفسه في لقاء مع الإنجيليين ، إن الحل إلهي ، وأنا لا أقدر على عدم الاستجابة .
هوامش
1- Presbyterian church USA blasts « apartheid «  Israel at its general assembly , the times of Israel , 25 June 2018.
2- Clifton Kilpatrick (2002-2015) kirk Patrick sends letter of protest to Sharon, Presbyterian news service, march 2002.
3- Letter from 12 national Jewish agencies to Presbyterian