المثلث.. الأرض والإنسان – مقدمة الطبعة الاولى – للكاتب الاستاذ فؤاد عبد النور

ابداعات عربية …..
فؤاد عبد النور – المانيا ….
من الطبيعي أن   يسعى كل كاتب إلى معرفة رأي القراء في جهده، سلبية كانت تلك الآراء أم إيجابية، خاصة إذا كان ذلك الجهد ريادياً متميزاً – مثلما هي الحال، وبكل تواضع، مع جهدي الأول ” الجليل.. الأرض والإنسان “. ولما كنت أسعى إلى الاحتراف في أبحاث ميدانيةٍ معاصرة عن الواقع الجغرافي والتاريخي والاجتماعي لشعبنا الفلسطيني تحت – مع الأسف – الحكم الإسرائيلي، فقد كان اهتمامي بمعرفة ردود الفعل تلك قوياً، واستعدادي للاستفادة من ملاحظات القراء مضاعفاً، كي أتمكن من تطوير هذا العمل وتحسينه، وتثبيت قدمي في هذا الميدان الرائد.
وقد ساعدني على تلمس ردود الفعل أني قمت بتوزيع الطبعة الأولى والثانية من هذا المرشد بنفسي، ولولا ذلك ما استطعت تسديد تكلفة الطباعة. وأتاح لي ذلك الاتصال المباشر بالقراء والمهتمين بالثقافة، رسميين كانوا مثل رؤساء وأعضاء مجالس بلدية ومحلية، أو مؤسسات وطنية، أو مدراء ومعلمي مدارس، أو نشطاء في المجالين السياسي والاجتماعي، أو من دهماء الناس. وأتاح لي أيضاً أن أتلقى تشجيعهم، وألمس بعيني وأذني إعجابهم وسعادتهم بأن يبادر كاتبٌ فلسطيني إلى خوض هذه التجربة. كما لمست رغبتهم الشديدة في أن أمضي قدماً في هذا المشروع، وأُنـفذ مخططاتي حتى تغطي كل المناطق العربية، أو بعبارة أدق: المناطق التي بقي فيها وجودٌ فلسطيني!…
أما في الضفة الغربية فقد وجه لي عتابٌ لأني جنحت إلى الجليل والمثلث، ولم أبدأ في الضفة، وأنا ابنها المتفاعل مع مشاكلها، المضحي في سبيل تحسين وضعها. فأضطر إلى التوضيح بأني كذلك جليليٌ، مع أن أبي رفض أن يُسجل مهاجراً عندما سقط الجليل وهو موظفٌ مقيم في نابلس. إلا أن هذا لا يغير في حقيقة وضعنا كلاجئين. فنحن من حيفا، وكرم جدي في الكرمل، فلحه أبي، ورمم جدرانه، وحفر بئره بيديه الاثنتين، إلا أنه هو الآخر اختفى تحت حيين مكتظين بالمساكن الشعبية للمهاجرين اليهود من أوروبا وغيرها. وبيت أبي حيث ولد وترعرع لا يزال قائماً في أول شارع “النسناس”، عند التقائه مع شارع “ألنبي” في حيفا البلد. وأهم من هذا كله أني بدأت العمل هذا في عنفوان الانتفاضة، في أشهرها الأولى، لعل مردوده المادي يستر ما انكشف من حالي، ويعوض جزءاً مما لحق بي من خسارة في تجارتي. وقد يكون من سقط الكلام القول إن جمع المواد لمثل هذا الكتاب في الضفة، وفي تلك الظروف المتفجرة في الانتفاضة، يكاد يكون مستحيلاً.
لقي أسلوب المرشد استعذاباً لاختياري طريقة السرد البسيط، الممزوج بنتفٍ من السيرة الذاتية، ومن تجارب وأحداث وطرائف صادفتني أثناء العمل، وبصراحتي التي يعهدها كل من يعرفني. وحاولت تنويع المواضيع، وتجنب التكرار، تقية من الملل، مبتعداً عن الإحصاءات والأرقام، مغفلاً أسماء العائلات، ومن ولد من! وعندما تعرضت إلى رموز منصبة في الساحة الوطنية لدى العرب في إسرائيل، ولم أقدم لها فروض التزلف والتقديس، وسجلت تجربتي معها بصدقٍ وتجرد، وجدت القراء يتفهمون موقفي، ويثقون بسردي ما حدث كما حدث، في وقتٍ لم يكن فيه سهلاً أبداً تحدي سلطات ” بلدية الكرامة والخدمات “. وفوجئت بسماع ثناءٍ وتشجيعٍ من شخصياتٍ بارزة في الجبهة، وفي زعامة الحزب الشيوعي الإسرائيلي نفسه!
وكما أسلفت، فقد عمدت إلى توزيع ” المرشد ” بنفسي في الجليل والمثلث والساحل، وحتى النقب، وأجمع في نفس الوقت ملاحظات تمهيدية للمرحلة الثانية، التي رأيت أن تشمل حيفا وجنوبها – يافا واللد والرملة، مروراً بعسفيا والدالية- والقرى الحدودية التي سلمت إلى إسرائيل تسليماً في اتفاقية رودوس عام 1949.
وقررت ألا تعتمد المرحلة الثانية على أية إعلانات تجارية- فقد كفتني حفاوة الجمهور لكي أغامر بعملٍ جديد يعتمد على جودة وجدية العمل نفسه. واتبعت خطة ثابتة لم أغيرها: وهي أن أسعى من الصباح إلى الثانية بعد الظهر في ترويج الكتاب وبيعه بيعاً مباشراً للجمهور. أعرض الكتاب وأقول: إن أعجبك هذا الجهد، وترغب في تطويره، بإمكانك أن تشتري نسخةً أو أكثر، وبسعرٍ تشجيعي”. وغالباً ما يكون رد الفعل إيجابياً، وأخصص ساعات الظهر والمساء، وحتى ساعة متأخرة منه للتعرف على الناس وعلى مشاكلهم، وإجراء المقابلات معهم.
ساعدني كثيراً أنني كنت أحمل باستمرار نسخة من عملي للعرض والبيع، كنت أقدم مثالاً ملموساً لما اقوم به. لم يكن ذلك متوفراً أثناء بحثي الميداني في الجليل. كنت أشرح هناك فكرة غير واضحة لجمهور من كنت أقابله، أما في المثلث فكنت أقول: ” مثل هذا أريد أن أنتج عن قراكم”. وأبتهج بالكثيرين ممن لم يكونوا يكتفون بتشجيعٍ معنوي، أو مادي بشراء نسخٍ، بل كانوا ينشغلون عن شؤونهم، ويأخذون بيدي لأتعرف على أصدقائهم، وعلى من يظنون أنه من الضروري أن أتعرف عليهم، كي تشملهم المرحلة الثانية من المرشد هذا. ولم يكن بعضهم يكتفي بهذا، بل يضع نفسه وسيارته في خدمتي، وينتقل بي من مكانٍ لآخر، إلى حيث يعتقد أنه من الضروري أن أعرفه وأصوره، وفعلاً إن المرشد هذا سيكون ناقصاً لولا تطوعهم الإرشادي هذا. وقد زاد بعضهم بأن فتح لي صدره وبيته، وأكرمني وأحسن ضيافتي ضيافة عربية أصيلة، وكان خير دافعٍ وحاثٍ لي على الاستمرار، بطاقةٍ متجددةٍ، فخفف عني مشقة العمل وتثبطه. هذا، وإني أثبت في ختام هذه المقدمة قائمة بأسماء أولئك الأصدقاء الذين سأبقى على الدوام مديناً لهم بالجميل، آملاً أن يحفظوا على تلك الروح، وأن يتأكدوا أنهم سيجدون دائماً من يعترف بجميلهم، ومن يتغنى به!
غطيت مصروفاتي الخاصة من مواصلات وأفلام خام وتحميض وطبع وغير ذلك من ريع الكتاب. وغطيت ميرة بيتي المقلصة إلى أدنى حد من التقشف من ريع الكتاب أيضاً. ولم أتراجع عن أن يكون هذا المشروع بديلاً عن تجارتي الواسعة، والتي كانت في الواقع تعتمد أساساً على التجار والبضائع الإسرائيلية، استجابة لنداء المقاطعة، وإيماناً بضرورة الاعتماد على الذات. ولبيت نداء التوقف عن دفع الضرائب، عن قناعة قديمة أنه ليس من حق المحتل أن يفرض ضرائب علينا، وأن يلحقنا باقتصاده. ولما رأيت أن ذلك الإجماع الوطني لم يستمر، وأخذ التجار في التراجع بفتاوي وحجج مختلفة، لم أتراجع. أصبح الأمر بالنسبة لي موقفاً فردياً لثائر بعثت فيه ثانية روح المقاومة والتمرد على الاستبداد، فأصر على رفضه الخضوع لذلك الأسلوب الشرس والمذل لزبانية الضرائب، الذين تفـنــنوا في فض بكارات تجارنا!
ساعدني في ثباتي على موقفي هذا أني عملت في مشروعٍ فرديٍّ يعتمد برمته على نشاطي الخاص، وقوّى من عزيمتي تعاطفي الكلي مع معاناة من سبقونا إلى معسكر الأسر من إخواننا عرب الداخل، فحكاياتهم حكاياتنا، وعندما يتحدثون عن تجاربهم فكأنهم يتحدثون عما حدث معنا في وقت متأخر، وعندما أكتب عنهم فكأني أكتب عن نابلس ورام الله والخليل.
تجولت في كل قرى ومدن الجليل، العربية والمختلطة، وتعرفت على سكان تلك القرى الحدودية التي سلمت إلى إسرائيل في اتفاقية رودوس 1949 والتي أصبحت تعرف باسم “المثلث الشمالي والمثلث الجنوبي”، أو المثلث اختصاراً، من أم الفحم إلى باقة الغربية، وإلى جت وخرب دير الغصون، وإلى قلنسوة والطيبة وكفر قاسم. ورأيت أن هذه القرى تتميز بوضعٍ فريد لا يشاركها فيه الجليل ولا المدن المختلطة في الساحل، ولا التجمعات المتفرقة لبدو الجنوب. تتميز هذه القرى بكونها سلمت هبة لإسرائيل باتفاقية رودوس، وقطعت عن قراها الأم التي بقيت تحت الحكم الأردني في الضفة الغربية، وشكلت جيباً عربياً قي منطقة كادت تخلو من الوجود العربي. إذ لم يكن إلى الغرب منها سوى مستوطنات ومزارع يهودية، أُقيمت على أراضي القرى العربية المهجرة، أو المهجورة خوفاً ورعباً وطمعاً في الأمان إلى الشرق.
وجدت نفسي أميل إلى تخصيص الجزء الثاني من ” المرشد” لهذه القرى فقط، ربما لعلاقتها بالسلطة الأردنية، وما يذكرني به ذلك من تجاربي الخاصة في مقارعة تلك السلطة، ومعاناتي قسوة قمعها الذي لم يكن ليقل أبداً عما عانته هذه القرى الحدودية من السلطة القامعة على الجانب الآخر. ووجدت نفسي أركض وراء مسلسل الخداع الذي لعبته السلطة الأردنية على أولئك الفلاحين البسطاء، وإيهامهم بأنها بذلت غاية جهدها لحمايتهم، وضمان حسن معاملتهم، وأن اتفاق تسليمهم ما هو إلا اتفاقٌ مؤقت، وما هو إلا مقدمة لاتفاقية سلامٍ أكيدةٍ خلال خمس سنواتٍ! وأن بنود الاتفاقية تحمي السكان، وأملاكهم، وتحظر دخول قواتٍ عسكرية إلى قراهم. إلا أن ما حدث كان العكس: إذ فُرض عليهم حكمٌ عسكريٌّ شديد منذ اليوم الثاني لدخول القوات الإسرائيلية قراهم، وقيدت حركة السكان تقييداً شديدا، فعزلت كل قريةٍ عن الأخرى، عزلةٍ تكاد أن تكون مطلقةٍ لمدة ستة أشهر تقريباً، ومنع التنقل فيما بين القرى نفسها، وبينها وبين إسرائيل، إلا بتصريحٍ خاصٍ من الحكام العسكريين. ووصل السكان إلى الدرك الأسفل من هدر الكرامة والحقوق الإنسانية الأساسية، وأهم من ذلك من حيث المأكل والمشرب. وأصبح الحصول على تصريح من الحاكم العسكري غاية المنى، ولا بد من إهراق ماء الوجه، ولا بد من التنازل عن العزة والكبرياء القومية والشخصية، ولا بد من التزلف والتعاون وتقديم الخدمات للحكم العسكري الجديد مما أتاح لهذا الحكم سيطرة مطلقةً على كل شاردة وواردة في تلك القرى العزلاء والمعزولة تماماً عن بقية البلاد، وعن العالم، وبالطبع عن قراها الأم التي بقيت تحت السلطة التي قلبت ظهرها لهم، وكأن الأمر لا يعنيها البتة!  وليس هذا فقط، بل إن الذين كان نصيبهم أن يعودوا ليقعوا بين أيديها خطأً أو لجوءً أو اختطافاً، لم يكونوا ليعاملوا معاملة حسنة، ولا يمكن أن تقارن بأي شكلٍ من الأشكال مع المعاملة التي كان الأفراد اليهود الذين قد يقطعون خط الهدنة خطأً أو قصدا!
حكمٌ عسريٌّ شديد في المثلث، وحكم عسكريٌّ شديدٌ أخر في الضفة الغربية، وتعتيم شديدٌ على الكثير من المعلومات التي رافقت تسليم المثلث،  وحقيقة وضع السكان فيه، فجاء بحثنا هذا لينبش تاريخاً رغب الكثيرون في المثلث أن يبقى منسياً، مثل قضية تصفية الأراضي، ومبادلتها بأراضي المهاجرين الذين تركوا قراهم، والذين أصبحوا يُدعون غائبين، واضطهاد عائلة يونس  في قرية عرعرة للاستيلاء على أراضيها الشاسعة، وقصص الاستبداد الفظ للحكام العسكريين، وقوة حرس الحدود التي شكل الدروز نسبة لا بأس بها فيها، ولا يزال السكان يحفظون لهم ذكريات مريرة، ومن تعاون، ومن لم يتعاون، ومن استفاد من تلك الظروف الشاذة، ومن لم يستفد!
إنه وضعٌ كان يختلف كليةً عن الوضع في الجليل، أو وضع بقايا العرب في المدن المختلطة، حيث لم يكونوا يخضعون لحكمٍ عسكري، ولكن لإشرافٍ قاسٍ وقوي من دوائر البوليس.
في الجليل كان هناك الكثير من المؤسسات الدينية المسيحية والممثلين الأجانب، الذين كانوا يتعاطفون مع السكان العرب بشكلٍ عام، وبالطبع مع أعضاء طوائفهم بشكلٍ خاص. وكانوا ينقلون أخبار ما يجري إلى رؤساء مؤسساتهم في أوروبا وأمريكا، وإلى حكوماتهم كذلك. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ضغطت المؤسسات المسيحية لإعادة أهالي “عيلوط” إلى قريتهم يعد أن طردوا منها، أو هربوا إثر المذبحة التي ارتكبتها القوات الغازية انتقاماً لمعركة دموية دارت بين العمال العرب واليهود في مصفاة بترول حيفا أيام الانتداب. ونجحوا فعلاً في إعادتهم إلى قريتهم التي كانت قد أسكنت فيها عائلاتٌ من البدو- طردوا هم أيضاً من أماكن أخرى – وأُخليت الأديرة المختلفة منهم.
وهناك مثالٌ آخر في “عيلبون”، القرية المسيحية في الجليل، حيث قتل 16 من أهالي القرية، و12 من البدو المقيمين إلى جوارها. رغم أن القرية رفعت الراية البيضاء، ولجأت إلى كنيسة القرية احتماء بحرمتها. أُخرج السكان العزل من الكنيسة، وأردي أول قتيلٍ على بابها، ووزع القتلى الآخرون، أربعةً هنا، وخمسة هناك، وطرد بقية أهالي القرية سيراً على الأقدام كي ينضموا إلى قوافل المُهجّرين إلى لبنان. بقي كاهن القرية لوحده، لا طاقة له على دفن القتلى، ولا قدرة له على السكوت على هذه المجزرة التي ارتكبت ضد أبناء بلدته وأقاربه بدمٍ بارد، فاشتكى لرؤسائه الدينيين، وإلى ممثلٍ  قنصليٍّ في الناصرة، فجاءوا على عجل لاستقصاء الأمر، ورأوا بأم أعينهم ما حل بالقرية، وبسكانها، والجثث الموزعة في ساحاتها، فنقلوا الخبر إلى العالم الخارجي، وترددت أصداؤه، مؤيدة ما انتشر من أخبارٍ عن مجازر وتجاوزات لقوانين الحرب المعترف بها، مما أحرج الحكومة الإسرائيلية الجديدة، فسمحت بعودة جميع أهالي عيلبون من لبنان، وأصدرت أمراً إلى القوات اسرائيلية بتسهيل دخولهم من الحدود، ودخل معهم المئات من سكان القرى المجاورة الذين ادعوا أنهم من عيلبون.
لم يحصل شيءٌ كهذا في المثلث. ترك أهله لمصيرهم وأصبحوا ” كالأيتام على مائدة اللئام “على حد تعبيرهم بأنفسهم، وأدرك السكان أنهم قد خذلوا تماماً. وأن الذين خذلوهم لم يكونوا القوة العراقية التي تعاطفت معهم، ولا الأردنية التي قدمت لتسليمهم فحسب، بل من الدول العربية جميعها. إلا أن أملهم بقرب الخلاص لم يضعف، بل قوي مع انطلاق الثورة المصرية بقيادة زعيمها القومي عبد الناصر، وانتعشت الآمال بإمكانية الخلاص والرجوع إلى أحضان العالم العربي. إلى أن حصلت النكبة الثانية عام 1967، فهُزمت الدول العربية مرة ثانية، وانضمت إلى فلسطينيي الداخل تحت الاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، بدلاً من أن ينضموا هم إلى الأخيرين أحراراً، فأخذ الاتجاه إلى الاندماج في الدولة العبرية يقوى بينهم، والاستسلام لوضعٍ لم يكن في يدهم تغييره، إلا أن هذا الاتجاه لم ينفعهم، فلا هو قربهم من الحكام الجدد، ولا جعلهم مقبولين على قدم المساواة كمواطنين في الدولة، ولا هو ساعدهم على تقوية علاقاتهم وتوحيد نضالهم مع إخوتهم في الضفة والقطاع. أصبحوا فعلاً في وضعٍ ينطبق عليه تعبير الصديق نجيب أبو رقية من قرية ميسر، الذي انضم إلى أحد أحزاب اليسار الصهيوني، وبقي يحس بالغربة في حزبه، وفي قريته مسقط رأسه، فلا هو مقبول من جيرانه إلى الغرب، ولا هو مرغوبٌ فيه من أبناء جلدته إلى الشرق، فعبر عن هذا بصورةٍ واقعية ورمزية: وذلك بأن جلس على خازوق الحدود الأردنية – الإسرائيلية السابقة، ليشرح كيف أن اليهودي يريد دفعه للخارج، وأخاه الفلسطيني يريد دفعه إلى الداخل، فأعجبنا هذا التشبيه، ووجدناه قريباً جداً من حقيقة وضع العربي في المثلث، واخترنا هذه الصورة رمزاً لغلاف كتابنا هذا، فأجلسنا فلاحاً فلسطينياً على خازوق يمثله حرف اللام في كلمة المثلث، ونأمل أن يكون اختيارنا هذا موفقاً.
لا بد أن يلاحظ القارئ أننا توسعنا في بحثنا الميداني هذا عن المثلث، وساعدنا في ذلك قلة عدد المدن والقرى العربية فيه مقارنة مع الجليل. وغطينا بعض القرى العربية المهدمة مثل ” مجدل  يابا ومسكة وبيار عدس وقاقون”. وبحثنا عن بعض سكانها السابقين، وسمعنا ودونا كيف تدبروا أمورهم منذ أن هاجروا للآن. واكتشفنا بشكلٍ واقعيٍّ أن تجارب المواطن الفلسطيني مع قياداته التقليدية تكاد تكون واحدة- نفس العائلات، ونفس العشائر تستفحل أمورها في غياب الوعي، وحضور المال، وتنصب نفسها على سدة الزعامة، للمزيد من المال، وتحت حماية أنظمة الرجعية والاستبداد المتعاقبة. ونفس الأخطاء تتكرر جيلاً بعد جيل- الزعامة تحرض دهماء الشعب من فلاحين وكادحين، والشعب يتجاوب، ويندفع اندفاع الساعي لحتفه بظلفه، وعندما تتغير الأمور، ويختلف حساب السرايا عن حساب القرايا، تتراجع الأصنام، وتنفصل عن الجماهير المنكوبة، التي تترك في الميدان لوحدها، تواجه قدرها، وتلعق جراحها، وتدفن قتلاها. ينفرط الإجماع، ويترك الأفراد لمصيرهم كيفما اتفق. لقد حصل هذا في ثورة ال 36، وفي سنة 48، وفي سنة 67، وفي أيامنا هذه في الانتفاضة. إذ رغم أن القيادة دعت السكان للعصيان والمقاطعة، فإنها لم تعرف كيف تعالج آثار تلك الدعوة على الأفراد المتضررين، ولا هي ساهمت بحل المشاكل المعقدة التي تركتها تلك الدعوة على المتجاوبين معها. ولما كنا مفتوحين على المجتمع اليهودي في الطرف المقابل، فلا بد لنا من المقارنة، مقارنة مريرة، ونحن نرى جيشاً لجباً يتحرك لنجدة جندي فقد، أو قتيل سقط خلف خطوطنا!
وأنهي هذه المقدمة بتقديم الشكر الجزيل لكل من ساعدني أثناء بحثي هذا.

كيف يثبت الكاتب أنه كاتبٌ محترمٌ  فعلاً؟
سألت عن أحد من السكان السابقين للمجدل في جلجولية، وفي كفر برا، وفي الطيبة، فقيل لي أإني سأجد امرأة من المجدل متزوجة في كفر قاسم. سألت هناك، وأخبرني الصديق والزميل إبراهيم بدر في كفر قاسم، المحرر لصحيفة ” النقاء ” الثقافية التقدمية أنه مع الأسف لم يبق أحدٌ من سكان المجدل في المثلث. واقترح على أن أزور أنسباءهم في مخيم بلاطة للاجئين، فهم من المجدل. وذكر لي اسم ” أحمد خليل حمدان ” بقال وملاك ويسكن في جنوب المخيم. فزرته ذات عصرٍ وأخبرته أن إبراهيم قد أرشدني إليه، فانفرجت أساريره، وقال: إبراهيم محترم، لا يرسل إلينا إلا أناساً محترمين مثله.
شكرته على المجاملة، وعلى الثقة، وأجبت بأني آمل فعلاً أن يكون كتابي القادم عن المثلث كتاباً محترماً فعلاً. أخبرته أني قد زرت أطلال القرية مرتين، وتجولت حولها، وهي تستخدم حاليا في تصوير الكثير من الأفلام. وأني أرغب في التعرف على سكانها السابقين، وعلى طبيعة حياتهم بعد أن اضطروا للهجرة منها.
عمر أحمد – أبو سمير – اثنتان وخمسون سنة، إذا كان عمره سنة النكبة والهجرة تسع سنوات فقط. لا يذكر الكثير عن المجدل، وأعداده عن السكان غير دقيقة. ولكن ذكرياته عن الهجرة، وقسوة الحياة بعيداً عن قرية مولده لا تزال حية في ذاكرته، يمتزج فيها الألم والشقاء، وأوضاعه المحسنة الآن في المخيم لا تخفف من شجن تلك الأيام المؤلمة. وقال:
” قعدنا أسبوعين أو ثلاثة في شرق المجدل. وقلنا في أنفسنا لعل الجيش العراقي يتقدم فنستطيع الرجوع إلى قريتنا. ولما يئسنا، ووجدنا أنه لا فائدة ترجى من الانتظار، طلعنا إلى ” دير بلوط “. بيننا وبينهم نسب. استقبلونا في دير بلوط حسناً. وسمحوا لنا أن نستقر في ” خربة ” دير المير ” و ” دير القلعة”. قعدنا أربع سنوات في دير المير. حتى نأمن معيشتنا، كنا نأخذ جبال ونعشبها، نفلحها ونجدرها (ندعمها بسلاسل وجدران) ونزرع في بعض القطع المستصلحة حبوب نعيش منها. أنتجنا أول سنة قنطارين قمح ستروا علينا.
” وجدنا في الخربة عقداً قديماً مهجوراً مثل براكسات الجيش الانكليزي، أصلحناه وسكنا فيه، سبع أو تمان عائلات. عملنا قواطع من الخشب أو القماش بين العائلة والعائلة، والشباب اللي احتاجوا يؤسسوا عائلات جديدة أخذوا يبنوا سقايف يغطوها بخشب أو لواح زينكو.”
وسألت: والمدارس، ماذا فعلتم بالتدريس؟ وأجاب:
” المدرسة راحت على جيلنا كله تقريباً. الكل فينا كان مضطر للعمل عشان يساعد العيلة. ساعدنا في تصليح الأرض. ذهب أخ لي للعمل في طوباس. وآخر التحق بكراج حتى يتعلم مهنة الميكانيكي.  وبدأت وكالة الغوث تقدم مساعدات للاجئين. الله ستر علينا.
” ولما رأى نسيبنا أنه إقامتنا في أرضه طالت، أخذ يتنكد منا. ربما خشي أن تطول إقامتنا في الأرض أو نتملكها. وفي نفس الوقت لا يدري كيف يطردنا منها. فابتكر طريقة جديدة – ولكنها قديمة في الواقع – جاب كيس روث حيوانات ورماه في البير اللي نشرب منه كلنا. صرنا نضطر نجيب الماي من بعد عشرة كيلومترات. ما عدنا نرغب نبقى في الأرض غصب عنه. أخذ كل رب عيلة يفكر في الانتقال. لحقنا بأخي إللي عمل في مطحنة قمح في طوباس. ينزل الحمل من السيارة أو الدابة. ويرجع يحمله بعد ما ينطحن مقابل ما يتبرع به أصحاب الحمل. عادة كانت الأجرة ملء الكفين طحين. سعر رطل الطحين كان 35 قرش. هذا يعني إنه كان يحصل سبعين قرش في اليوم.” فسألت: كانوا بكفوكم. لو قارنا قيمتهم باليوم شو بكونوا؟ فأـجاب:
– ” كان العامل يحصل بين الخمسة والعشر قروش. هذا بعني أنه يوميته كانت كويسة كثير. مكنتنا من المعيشة في طوباس أربع سنين. إما اللي تعلم ميكانيكي سيارات فهذا راح للكويت. وسحب لهناك انين من إخوته. وطلبوا إخوتنا إنه نسكن نابلس. سكنا في مخيم ” بيت امنا ” من سنة 56 حتى 63. بعدين أرسلولنا مصاري اشترينا بيت جنوب مخيم بلاطة للاجئين.. وبنينا هذا البيت اللي إنت قاعد فيه هلّأ.”
– ——-
تعاهد على قتل الوصي على العرش العراقي!
أدرك أبو سمير أنه لن يستطيع إفادتي كما يجب بسبب صغر سنه قبل الهجرة، فأرسل أحد أبنائه ليستدعي قريباً له أكبر منه سناً، السيد إبراهيم عوض حميدان (أبو صلاح)، من مواليد 1922، وهو متحدثٌ لبقٌ، صاحب ذاكرةٍ دقيقة التفاصيل، وأهم من هذا يحب قريته، ويحب التحدث عنها.
ذكر أنه كان يعمل في بيارات اليهود، ثم في المحاجر التي أقيمت على أرض القرية، ثم انتهى به الأمر إلى أن أصبح شريكاً في محجرٍ مع صاحب المحجر (شريك مضارب). ولما كان الصخر جيداً لقطع الحجارة، ولإنتاج الحصى، ولصناعة الكلس، سعى اليهود في الثلاثينات إلى شراء أربعين دونماً من أحد سكان القرية، وأقاموا هناك محجراً ضخماً لشركة ” سلوليم “، وأسرع سكان المجدل لتقليد هذه الشركة، وتلبية الطلب المتزايد على الحجر، وأغلب تلك الطلبات كانت للمستوطنات الجديدة اليهودية عند الساحل الفلسطيني. فازدهرت المجدل، و(فقست) الأرض محاجر ومصانع لإنتاج الكلس، ويقدر أن المجدل كانت تنتج مئة وأربعين قنطاراً من الكلس يومياً.
وتحدث عن ازدواجية تسمية القرية، فهي مجدل يابا، ولما قدم إليها الصادق الجماعيني، وهو من عائلة الريان، وكان جامع ضرائب من العهد العثماني، غلب على القرية اسم مجدل الصادق. وكانت عائلته تحتل القلعة التاريخية فيها، وتسكن بقية الحمولة حوالي القرية. وكانت هي العائلة السائدة، وإن لم تكن الأكثر عدداً.
لم تصل المجدل في تاريخها الحديث تحت الحكم العثماني والبريطاني واليهودي إلى مجدها السابق وأهميتها السابقة، حين كانت نقطة حراسة هامة على طريق القوافل ” فيا مارس ” قربها نبع راس العين الغزير المياه، وتقابلها النقطة والقلعة الأهم” أنيتا بتروس ” الواقعة عند منبع نهر العوجا، والتي سماها العرب ” أبو فطرس “. وكانت القوافل ملتزمة بالمرور فيما بين هاتين القلعتين في طريقها للشمال، إذ كانت المستنقعات والأحراج الكثيفة تغطي الساحل الفلسطيني، مما يشكل عائقاً طبيعياً أمام الجيوش والقوافل، وهي حقائق كان سكان القرية يجهلونها. فهم لا يعرفون على سبيل المثال بوجود آثار كنيسة بيزنطية في القلعة، يؤكدها شاهد الكنيسة الذي لا يزال موجوداً على إحدى البوابات الداخلية للقلعة.
أكد أبو صلاح أن عدد السكان كان 1600 نسمة.  ويعتقد أنهم جاءوا أساساً من اليمن، ولا أدري على ماذا يعتمد حين يقول: ” عندما انهار سد مأرب، وتشتت العرب، قدم أجدادنا إلى المجدل!” ولكنه فيما يتعلق بتاريخ المجدل الحديث يكون أكثر تحديداً:
” كان معسكر العين من أكبر معسكرات الإنكليز في الشرق الأوسط.  .. كنت تجد فيه من إبرة الخيط حتى الدبابات والمدافع. لما طلع الجيش الإنكليزي منه بعد انتهاء الانتداب احتله اليهود. مين بتفكر كان راصد للمعسكر؟ ما كان إلا جماعة مثقال الفايز من العربان اللي كانوا منتشرين في المنطقة، أو ما أجو إلا للنهب والسلب. في ساعة واحدة هجموا على المعسكر، اقتحموه ونهبوا كل ما لم يقدر اليهود إنهم ينقلوه. كانوا يصرخوا ويولولوا أثناء الهجوم ” لي.. لي.. لي “. تفاجأوا اليهود بها الهجوم الغير منظم وهربوا. بتذكر أنه قدام عيني إني شفت واحد من اليهود بطلق النار من البرج على البدو، أصاب واحد. تطلع زميله إلى مصدر دخان الطلقة، وأطلق رصاصة واحدة، وراح يركض مثل كلب الصيد، لقى اليهودي فعلاً مقتول. شلحه ثيابه ورجع بالثياب والأغراض اللي لقاها معه. كان دايماً يصرخ على جماعته: لا تضربوا الكتف، أضربوا الراس.. ترى ثيابه لي!”
وكان لا بد من التساؤل: ما دامت المجدل كانت غنية وقوية، والسلاح متوفر فيها، والنجدات والفزيع ما نقطع، وصعب إنها تُـقتحم من الغرب بسبب المحاجر، كيف لكان سقطت؟”
زفر أبو صلاح وأجاب:” كانت حراستنا قوية. المناضل كان يدافع عن بيته وعن أرضه. كان اقتحام القرية من الغرب صعب فعلاً. ارتفاع أرض المحاجر من 10 -20 متر.  كان عندنا خط أسلاك ألغام ضد الدبابات. ولكن في الحقيقة كنا نعتمد على الجيش العراقي في حمايتنا. سقطت اللد والرملة. وأخذ الخط الجنوبي يتساقط قرية ورا أخرى. حاول عبد الكريم قاسم إنه ينجد المزيرعة بنفسه، وحمل إلها 2500 طلقة على بغل، وجدها سقطت. شفناه راجع يبكي. وانسحب قائد القوة العراقية لبلدنا لكفر قاسم هو التاني، كان يبكي برضه. هيك هي الأوامر! بدي أقول لك ها شّي. أنا سمعته شخصيا من الدكتور رفعت عودة ، بتعرفه؟: هززت له رأسي بالإيجاب. فاستأنف” حلف لي الدكتور أنه ضباط عراقيين اجتمعوا شي يوم في بيته في بيديا، وكان هو موجود شخصياً معهم، وكان بيناتهم عبد الكريم قاسم، وضعوا مسدساتهم على الطاولة، وأيديهم فوق المسدسات، وأقسموا على قتل الوصي عبد الإله. اتفقوا أي واحد يقوم بها المهمة لما تسنح الفرصة. فعلاً قتلوه بخطيتنا!
” لما شفنا القرى إلى الجنوب منا سقطت، والجيش العراقي بنسحب لكفر قاسم، أخرجنا النسوان والأولاد بعيد عن القرية. تسللت القوة اليهودية من الشرق. قاومنا. الخلّة كانت مولعة كلها. بس ما قدرنا نقاوم الدبابات. انسحبنا |إلى الشرق، وهجرنا المجدل”.
——-
أصررنا نتسجل إنا من المجدل!
لا يزال يوجد عند المحاجر مقام بناءه عثماني، على بعد بضعة أمتار منه حافة المحاجر. سألت أبو صلاح عنه، ولكن معلوماته قليلة: إنه مقام براز الدين. كان للمدعو براز الدين إخوان اثنان: عماد الدين ومجير الدين. الثلاثة كانوا من جنود صلاح الدين. وكان المقام يخدم كزاوية للصوفية من دار ضمرة، على الطريقة القادرية. كانوا يلعبوا الكاس. العرب (يقصد البدو) اللي كانوا يسكنوا جوارنا كانوا يدفنوا أمواتهم عندنا. ولكن المحاجر كانت توكل من المقبرة بالتدريج. كثير ما كانت الألغام تسقط الصخور والتراب وعظام الموتى!
” القبر الموجود في المقام مش قبر المجاهد. في الحقيقة هو قبر شخص من دار الريان بعرفه اسمه يوسف الريان. كان مكتوب على شاهد القبر بيت الشعر التالي ” قبرٌ سقاه الله الغيث كرامة    لساكنه رضى لا يوصف “. ولكن النسوان كانوا يعتبروا المقام للمجاهد. كانوا يجلسن في ذياله. ويعلقن الرايات البيض على الشجرة. خروبة برية. حاول اليهود يهدوا المقام، حتى يوسعوا المحجر وياكلوا المقبرة. زرعوا تحته بارود لنسفه. ولكن البارود ما انفجر. جابوا جرافة تا تهدمه، فسقطت الجرافة من فوق وقتلت ثلاث عمال. قرروا ترك الولي لحاله على التلة. ”
——
كنت قد قرأت في كتاب ” أـبنر كوهن – القرى الحدودية ” أن نساء المجدل كن فائقات الغنى لدرجة أن أساور الذهب كانت تصل إلى الركبة. فنفى أبو صلاح ذلك وقال: ” مش نسوانا. ولكن صحيح هذا كان عن نسواان الخونة والسماسرة اللي كانوا يبيعوا أرضهم لليهود. من القرية بس ” محمد العابد” باع أربعين دونم لشركة سلوليم. أسست في الأرض أكبر محجر، بعده شغال للآن. إما نسوانا فكانوا ثلاث فئات:
الفئة الأولى: ترتدي الكاب، إزار وبرقع على الوجه. بلوزة قطن وتنورة كتان.
الفئة الثانية: عباية تغطي الجسم كله. دار حمزة.
الفئة الثالثة: تلبس رداء فلاحي- توب أبيض، ومنديل يغطي شعر الراس، مثل نسوان كفر قاسم.
ولكن هذا ما بعني إنه القرية ما كانت غنية. قبل النكبة ساد القول إنه بدل ما تروح لأمريكا تعال للمجدل! كان عندنا أربعين نقطة عمل نشطة. الحقيقة أنه اليهود نشطوا عندنا. ونشطنا إحنا معهم”. وسألت: كيف كانت العلاقة معهم؟  فأجاب:
” الحقيقة كانت جيدة. كان عندهم حراسة قوية في المحجر. كان في بيننا مصالح قوية. بعتوا لنا أنا ما نسمح للدول العربية بالدخول إلنا ونبقى على علاقة جيدة. لا كان هذا ممكن، ولا ذاك!” وسألت: سؤال أخير أبو صلاح، بعد ما خرجتم من دير بلوط، شو عملتوا؟
” طلعنا لنابلس. أحصتنا الوكالة. حددت مخاسرنا في القرية. ولما سجل الموظفين إنا من نابلس، أحتجينا وعملنا هوزعة كبيرة. أصرينا إنا نتسجل من مجدل الصادق. وفعلا تسجلنا إنّا من مجدل الصادق.”
——
من عندنا القماش.. أُو من عندهم الروح!
اقترح علي أبو صلاح أن أتوجه إلى السيد سليمان ضمرة، صاحب دكان أقمشة في السوق التجاري الجديد في نابلس. وهي دكان واسعة عامرة، وزيارتي في وقفة العيد، والزبائن كثر. قلت للسيد سليمان أنها زيارة تعريف بجهدي، وسأرجع للبحث بعد العيد. ولكنه أصر على التخفيف عني، وأمر أبناءه أن ينتبهوا للمحل، وأدخلني إلى القسم الخلفي، حيث قدم لي مقعدا وجلس على آخر. وقبل أن تقدم الضيافة المعتادة، وقبل أن نبدأ الحديث، دخل حدثان، أحدهما في الخامسة عشرة تقريباً، والثاني يظهر عليه بوضوح أنه أصغر سناً. وطلبا بعض الأمتار من القماش الأبيض، والأحمر، والأخضر والأسود. وفسرا: ” إنه العيد!”  كان هذا كافياً. لم يعرضا الدفع، ولم يُطلب منهما الدفع. فسألت متعجباً: أهكذا؟  فأجاب:
” نعم.. هكذا. لا يستأهل الطلب. ثم إنها ضريبة الوطن. من عندنا القماش، ومن عندهم الروح! ”
أيد السيد سليمان أن عدد السكان مرتفع، وليس 600 شخص، كما قال المتحدث الأول. وعدّد أفراد الحمائل قبل الهجرة: ضمرة 300. الشامية 350. حميدان 400. ريان 400. عايد 200. وآخرون 300. يكون المجموع 1850. وكان عدد العمال 150. وكان في القرية باستمرار 50 عاملاً من حوران سورية. وكانوا يدعون: الحوارنة. وتحدث عن الظروف التي واكبتهم منذ أن اضطروا للتخلي عن القرية:
” عندما انسحب العراقيون من عندنا ومن راس العين عرفنا إنا مش رايح نقدر نصمد لوحدنا. طلعنا عند اخوالنا في ” الزاوية.” كان إلنا دكان سمانة في المجدل. فتحنا دكان أخرى في الزاوية. ومثل ما لازم تعرف، دكان القرية بتبيع كل شي. أخذنا في التوسع في تجارة الأقمشة. كنا نحمل حمار أقمشة، وندور على القرى مبيع النسوان. كانت الحياة رخيصة، والفقر عام. كان العامل يعتبر حاله محظوظ إذا حصّل عشرة قروش يومياً. ولما ايئسنا من العودة، طلع أغلبنا للزرقاء وعمان. حاول البعض يتسلل للمجدل، يسترجع حاجة تركها، أو نقود وحلى خباها، كان ينقتل هناك، وما يرجع لأهله.
” ثم أصدرت الحكومة الأردنية أمر إنه ممنوع الباعة المتجولين يوصلوا للقرى الحدودية مع إسرائيل. والحجة إنهم بهربوا بضاعة لإسرائيل! ما عاد إلنا رزق في الزاوية. أرضها جبلية. الواحد يعزق الأرض بالفاس، ويحمّل بذاره بقمبازه. لمين بكفي هذا؟  ومين بطعم؟ لجأنا لنابلس. كانت المحلات تتأجر بدون خلو. أخذنا هالمحل هذا. واستقرينا هون”. واستفهمت:
” لما انفتحت البلاد على بعضها، وصرت تقدر تروح للمجدل وسكان المثلث وغيرهم، مين شفت وضعه أحسن؟  فأجاب بدون تردد:
” لقينا وضعنا أحسن بكثير. بكفي كانت البلاد مفتوحة بوجوهنا. تقدر تسافر للدول العربية، ولأي بلد. ما في بلد مغلقة بوجوهنا”. وعدت للسؤال:
وهل زرت المجدل؟
” زرتها مرة واحدة، ما كررتها!”