دراسا ت ….
محمد عياش – كاتب ومحلل سياسي – فلسطين المحلة
أكثر فأكثر ورغم إنجازاتها العسكرية والسياسية , يبدو أن إسرائيل لن تتمكن من الاستمرار كمشروع استعماري . إذ عليها الاختيار بين الحرب والدمار وبين التحول إلى دولة لكل من في حكمها , ولكي تضمن وجودها بشكل وطيد , كحال أي دولة , ينبغي على دولة الاستيطان مواجهة ثلاثة تحديات , إذ عليها حل مشكلتها ‘‘ القومية ’’ , وقطع الروابط مع الدولة الأم , والحصول على اعتراف الدول المجاورة والأهم شعوبها .
إن إسرائيل لم تلتق مع أي من هذه الشروط . وبالنسبة لمشكلة إسرائيل القومية ومنذ إعلانها عام 1948 وحتى يومنا هذا تعتقد إسرائيل باقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم بالوسائل كافة بدءا ً بالمجازر الوحشية , وصولا ً بترحيلهم للدول المجاورة وانتهاء ً باعتبارهم أقلية تحمل الهوية الإسرائيلية من الدرجة الثانية مع التهميش والتنكيل .. والسماح لتدفق اليهود من أصقاع العالم , الأمر الذي أدى لانخفاض عدد الفلسطينيين إلى أقل من عشرة بالمئة من عدد سكان الكيان الإسرائيلي ولكن هل فعلا ُ قضت إسرائيل على مشكلتها القومية ؟ .
لهاث رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو وراء الاعتراف الدولي بيهودية إسرائيل , يؤكد فشلها بالممارسات المذكورة آنفا ً , فالفلسطينيون داخل إسرائيل يتصلون بمعدل ولادات مرتفع , ونتيجة لذلك ورغم التدفق المستمر للمهاجرين اليهود بلغت نسبة الفلسطينيين أكثر من 25 % من سكان إسرائيل وبشكل متزايد ينظر اليهود في إسرائيل إلى عرب إسرائيل على أنهم تهديد لدولتهم المزعومة . بعضهم يؤيد حملة تطهير عرقي مستمر والبعض الآخر ينادي بتقسيم جديد يستثني المناطق الأكثرية العربية . والفلسطينيون الذين طردوا من أراضيهم عام 1948 لم يبتعدوا , إذ نصبوا خيامهم في مناطق حول فلسطين أي , الضفة الغربية وقطاع غزة وسورية وجنوب لبنان والأردن .
في عام 1967 غزت إسرائيل الضفة الغربية وغزة , كان بإمكانها إقصاء أعداد أخرى أقل من الفلسطينيين عن تلك المناطق , وهكذا ومع وجود مليون فلسطيني إضافي تحت سيطرتها , أعادت مشكلتها القومية للوجود , وهي المشكلة التي أضحت أكثر سوءا ً إذ كان عدد الفلسطينيين يساوي أو أكثر من عدد اليهود بين البحر ونهر الأردن, وفي سنوات لاحقة استمرت نسبة الفلسطينيين بالتزايد , ومع انعدام الحلول , لجأت إسرائيل إلى إجراءات وحشية غير مسبوقة لمعالجة مشكلتها القومية فطبقت حصارا ً خانقا ً على غزة , وأبطلت تأثير الفلسطينيين في الضفة الغربية مع إقامة الجدار العنصري ووسعت المستوطنات والسيطرة العسكرية على وادي الأردن . غير أن هذه المعالجات خلقت مشكلات كثيرة وجديدة في الصراع العربي – الإسرائيلي إذ عززت من الاتهامات بأن إسرائيل مجتمع عنصري لا ديمقراطي , والنتيجة أن الشعوب الأوروبية تقوم ببطء ولكن برسوخ بدعم الحملات المنادية بمقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها , ولكن هل تخلت إسرائيل عن الاعتماد على الدولة أو الدول الأم ؟ مع غياب وطن أم طبيعي عملت الصهيونية مع بدائل وبالتأكيد ما من دولة أوروبية إلا وخدمت كوطن أم بديل للمشروع الصهيوني الاستعماري .
لقد فقد المستوطنون اليهود في فلسطين دعم بريطانية ( أمهم البديلة الرائدة ) في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية , ولكنهم استعادوها بشكل كان كافيا ً لإنشاء دولتهم , وفي السنوات القليلة تطلعت إلى بدائل جديدة بما فيها الاتحاد السوفيتي وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية , ومع توالي السنين قدمت الولايات المتحدة الدعم وسلحتها وسمحت لها بامتلاك أسلحة نووية ومنحتها حصانة من عقوبات المجتمع الدولي , ففي ظل حماية الولايات المتحدة كسبت وبسرعة السيطرة على الشرق الأوسط وأضحت ‘‘ قانونا ’’ بحد ذاتها .
ومع ذلك لا تزال إسرائيل غير مستقلة بذاتها , إذ ليس بإمكانها الحفاظ على وضعها العسكري الحالي دون الهبات والمساعدات العسكرية السنوية من الولايات المتحدة والبالغة أكثر من أربعة مليارات دولار , ومساعدات اليهود الأمريكيين المعفاة من الضرائب .
والأهم من ذلك إن إسرائيل ودون حق محمية من الولايات المتحدة بالفيتو في الأمم المتحدة , حيث لا يمكنها الاستمرار باحتلال الضفة الغربية والجولان وحصار غزة وحروبها الاستباقية والاغتيالات .. ولولا الحصانة لغدت منبوذة ومعزولة , وهذا الاعتماد المطلق لا يعرضها للخطر بما أنها أصلا ً صنيعة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة , ولكن مع مرور الزمن وتسرب الأضرار التي تسببها لمصالح واشنطن إلى الناخبين الأمريكيين قد يغدو الدعم الأمريكي المفرط في موضع خطير .
وأخيراً يبقى موضوع كسب إسرائيل لاعتراف جيرانها، وفي هذا المجال، مكاسب إسرائيل ظاهرية أكثر منها حقيقية، فالحكومات العربية التي اعترفت بإسرائيل أو تلك الطامحة أو المستعدة للاعتراف بها تمتلك شرعية قليلة، وعلى الأغلب في حالة انهيار هذه الحكومات سيستأنف من يحل مكانها موقف المواجهة الأولى تجاه إسرائيل، وهذا ليس ضرباً من التخمين، فتحت حكم الشاه الطاغية كانت إيران صديقة لإسرائيل ولكن بعد الثورة الإسلامية عام 1979 أضحت خصماً أيديولوجياً لها.
وفي السنوات الحالية تعاني إسرائيل من مشكلات جديدة وهي فقدان الشرعية في ظل نمو المجتمع المدني في الدول الغربية , فمع رفع إسرائيل لوتيرة الاستيطان وتضييقها للحصار على غزة وتهديد الدول العربية المجاورة ومع تعميق سياسة التمييز العنصري في الضفة الغربية , ومع التهديد بسلب الإسرائيليين العرب حقوقهم فإنها تستدعي جبهة معارضة لسياستها , تجلى ذلك برفع العلم الفلسطيني من قبل حزب العمال البريطاني رفضا ً لسياسة إسرائيل التعسفية والشواهد كثيرة .
إن المجتمعات المدنية في أوروبا وكندا والولايات المتحدة الغاضبة من اشتراك حكوماتها في الجرائم الإسرائيلية تتحرك قدما ً في المناداة بمقاطعة إسرائيل والعقوبات ضدها , وبشكل متزايد ورغم المعارضة الشديدة من المؤسسة اليهودية فإن هذه الحركة تنتشر بين الأكاديميين والطلاب والنقابات التجارية ومجموعات الكنيسة والمنظمات اليهودية المعارضة وناشطي حقوق الإنسان وبعضهم لا يزال ينظم قوافل عبر البر والبحر لكسر الحصار الجائر على قطاع غزة .
ومع كون إخفاق المشروع الاستعماري الإسرائيلي أمرا ُ يلوح بالأفق , فإن قادتها الخائفين سيتطلعون أكثر وأكثر إلى حروب جديدة أكثر خطورة , وأكثر فأكثر ستغدو إسرائيل خطرا ً لا يطاق على الشرق الأوسط والعالم وعلى اليهود في كل مكان .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

