استعراض وتحليل للواقع السياسي العربي خلال القرن العشرين والحادي والعشرين – بقلم : د . احمد مغير الجنابي

دراسات ….
د.احمد مغير – العراق
1-مقدمة
في البداية لابد أن اعرف الوطن العربي او العالم العربي وحسب رأيي البسيط , اعتقد أن منطقة الوطن العربي هي المنطقة التي عاش فيها العرب والاقوام الاخرون من الذين عاشوا هنا قبلهم و منهم السومريون الى الكلدانيين الى البابليين الى الاشوريين الى الاراميين والسريان والكنعانيين الى الاقباط الى اليونانيين او الاوربيين الى الافارقة الى الاقوام التركية والكورد او اللور او الفرس الى التتار اوالمغول اوالشركس او الالبان او الامازيغ او النوبيين ,كل هؤلاء الاقوام الذين عاشوا في هذه البقعة وتزاوجوا وتناسبوا وربط بينهم التأريخ واللغة والحضارة والحياة المشتركة والملمات والافراح والاحزان والحروب ونتج عن ذلك ثقافة تسمى الثقافة العربية اهم مميزاتها هي اللغة العربية.
اللغة الحالية هي ليست لغة العرب وحدهم وليس لهم حق احتكارها ,هذه اللغة لغة لكل من يتكلم بها ويكتب بها ويتبناها ويعتبرها لغته وسواءا كان مسلما او مسيحيا اويهوديا او صابئيا او غيرهم من الديانات والاعراق .هي لغة الثقافة العربية وليست لغة العرب كعرق وحدهم كما ان اللغة الانجليزية هي لغة ثقافة للاقوام التي تتحدث بها وليست لغة العرق الانجليزي , لذا لا يمكن لنا كعرب من الناحية العرقية الادعاء بأنها لغتنا وحدنا ونحن حراسها فقط ولهذه اللغة مميزة اخرى ولكونها مرتبطة بالقرآن تجعلها اكثر مشاعية من ان تكون لغة لعرق معين .
هذه المنطقة وبسبب ما شهدته من اختلاط بين هذه الاقوام والعرقيات اصبحت وعاءا تأريخيا للامتزاج , تم من خلاله انتاج الثقافة التي تتميز بها المنطقة بغض النظرعن العرق او اللون لذا نرى بأنه لا يوجد عرق نقي في هذه المنطقة له مميزات نقية  ويمكن ان يدعي بأنه عربي نقي او تركي نقي او كوردي نقي او قبطي نقي .هنا تمازجت الاجناس واختلطت لذا نشاهد التنوع في لون البشرة والسحنة حيث البشرة الداكنة اللون والسمراء والقمحية والفاتحة والبيضاء والشقراء وكذلك لون الشعر والعينين والاختلافات الانثروبولوجية الاخرى من شكل الجمجمة ومعالم الوجه وتقاطيعه الى الطول وشكل تقاسيم الجسم لذا اشك اننا سنجد جينوم نقي في اي من مجموعات هذه البلدان السكانية , ربما في سكان بعض القرى المعزولة او بعض القبائل في بعض الفيافي المنقطعة وهو من الصعب في هذا الزمان الذي اصبح فيه العالم على تواصل قريب جدا.
دخل العالم العربي في القرن العشرين وكانت جميع دوله الحالية تحت احتلال احدي الدول التالية وهي الدولة العثمانية وبريطانيا و ايطاليا وفرنسا واسبانيا ,وقد كان هذا العالم يعيش لقرون فيما سمي بالفترة المظلمة التي اعقبت سقوط بغداد عاصمة الدولة العباسية (عام 1258 ميلادي 656 هجري)على ايدي المغول بقيادة هولاكو, تلتها موجات من الاحتلال على ايدي دول متعددة وفاتحين متعددين  انتهت اخيرا باستقرار السيطرة على بغداد للدولة العثمانية .وقُسم العراق الى ولايات بغداد والموصل والبصرة كولايات تتبع السلطنة العثمانية حالها كحال باقي الدول العربية. اتسمت الفترة المظلمة وفترة حكم الدولة العثمانية بأنتشار التخلف و الجهل والفقر والامراض والاوبئة وسوء الادارة ,فقد كان من المعتاد أن تحدث موجة من وباء الطاعون لتقتل اعدادا كبيرة من السكان وخصوصا من ابناء المدن , لكونه مرضا معديا سريع الانتشار,اختفت مؤسسات الحضارة التي كانت في بغداد كالمدارس والمستشفيات ,وتراجعت الحياة اليومية للناس الى الوراء .
كان العراق والعالم العربي بمعزل عن العالم الذي بدأ نهضته في اوروبا ,مع ان العالم العربي يقع في وسط العالم بين اوربا واسيا وافريقيا .ولم تفتح أي كوة في جدار العزل المظلم حتى جاء محمد علي باشا الى حكم مصر وكان رجلا متنورا ولديه استراتيجية لتطوير بلده فبدأ بأرسال البعثات الدراسية الى اوربا والتي فتحت شباكا للعرب للاطلاع على التقدم الذي تحقق في اوربا والذي سرّع من تقريبهم لما يحدث في العالم المتقدم .
كان تشكيل جامعة الدول العربية وسيلة لتنسيق الجهود بين الدول العربية على امل تطويرها الى مراحل اخرى من التعاون على طريق الوحدة التي كانت امل كل عربي ,ومع ان الثوريين القوميين العرب اعتبروا ذلك موجه لمنع تحقيق هدفهم في الوحدة العربية ولكن لم يكن في الامكان احسن من ما كان .
اذا قمنا بتحليل مواقف الحكومات العربية في مختلف الظروف التي واجهها العالم العربي وعلى مدى العقود الماضية منذ تأسيس جامعة الدول العربية على طريقة ( البلي باك) المستخدمة في السينما ,يتضح لنا صورة الواقع الحقيقي وليس كما يصوره الخطاب الاعلامي للحكومات العربية في وسائل اعلامها وفي بيانات القمم العربية. ماعانته الدول العربية والمواطن العربي في سوريا واليمن وليبيا والعراق خلال العقدين الماضيين على وجه الخصوص يبين لنا ماوصلنا له ونحن نعيش في هذه الفوضى وفي هذا التيه العربي .لقد تحول المال العربي والثروات العربية الى سلاح لقتل العرب وتدمير الدول العربية بدل ان يساعد في البناء والتطويرومساعدة الاشقاء للنهوض بواقعهم . اصبح كل مايعتبره العالم امتيازات للوطن العربي من الموقع الجغرافي الى الثروات الهائلة الى الارث التأريخي والذي تملؤه الشواهد التأريخية وأثار الحضارات السابقة والمشاهد الدينية حيث نزلت هنا كل الديانات السماوية ,اصبح كل ذلك وبالا على المواطن العربي والوطن العربي وليس امتيازا له .
مرت المنطقة العربية بنكبات وازمات ,وقد كانت مواقف بعض الدول تجاه الاخرى تفتقد الى التعاون والتنسيق بل على العكس في كثير من الاحيان اتسمت بالعداوة والصراع ومساعدة الاجانب ضد ابناء جلدتهم .وهناك محطات هامة ورئيسية في حياة هذه المنطقة حيث حدثت حروب وكوارث وانقلابات وثورات واعتداءات واحتلال ,وفي كل هذه الحوادث هناك ردود افعال على مستوى الدول والحكومات ,حيث قيّمت كل جهة الحدث من وجهة نظرها وحسب مصالحها وغالبا لم تكن وجهات النظر متطابقة لأنها ليست وجهات نظر الشعوب بل وجهات نظر الحكومات والتي انعكست على تقييمها للاحداث وبالتالي على النتائج ,وسنستعرض ونحلل المواقف خلال الازمات والاحداث الهامة التي مرت بها المنطقة وعلى مدى القرن العشرين والعقدين الحاليين من القرن الحادي والعشرين.سنقوم باستعراض الاحداث حسب تسلسلها التأريخي ونحلل ردود الفعل بناءا على مواقف الاطراف من حكومات وشعوب وحسب ما يتوفر لدينا من معلومات واراء.
1-اتفاقية سايكس-بيكو 1917 والتي تمت بين بريطانيا وفرنسا حيث قامت الدولتان بتقسيم منطقة الشرق العربي والتي كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية الى دول متعددة وكل دولة وضعت تحت انتداب احدى الدولتين بريطانيا او فرنسا حيث اصبح العراق والاردن وفلسطين تحت الانتداب البريطاني واصبحت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي .كانت هذه هي البداية للتشرذم العربي اذا اخذنا بنظر الاعتبار ان دول عربية اخرى كانت تحت احتلالات لنفس الدول او دول اخرى حيث مصر والسودان وجزاء كبيرة من الجزيرة العربية تحت الاحتلال البريطاني وليبيا وتحت الاحتلال الايطالي وتونس والجزائر تحت الاحتلال الفرنسي والمغرب تحت مجزء بين فرنسا واسبانيا.
2- وعد بلفور اعطى وزير خارجية بريطانيا الى الصهاينة وعدا بمنحهم ارضا في فلسطين لاقامة الدولة اليهودية عليها حيث كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وقد كان هذا الوعد بداية للصراع العربي الاسرائلي الذي لم ينته الى حد الآن وخصوصا بعد اقامة الدولة اليهودية واسيلائها على مزيد من الاراضي ودعمها وبشكل مستمر من العالم الغربي وخصوصا اميركا والذي ادى الى امتناعها عن تنفيذ قرارات الامم المتحدة بتقسيم ارض فلسطين بينها وبين الفلسطين واستمرارها بسياسة توسيع الاستيطان والاستيلاء على الاراضي العربية واسيلاءها على الضفة الغربية والجولان واحتلالها لسيناء وجنوب لبنان لفترات طويلة.
3-موقف العرب في نكبة 1948 . بعد اعطاء وعد بلفور  سمحت بريطانيا لليهود بالهجرة المنظمة التي تقودها الحركة الصهيونية ومنظماتها الى ارض فلسطين التي يسمونها ارض الميعاد ,حيث يتم شراء الاراضي  وتحت نظر ورعاية بريطانيا التي كانت تحتل فلسطين ,ثم بدأت موجات من التهجير شبه القسري لليهود من دول العالم وخاصة الشرق الاوسط بحثهم على الذهاب الى ارض الميعاد حيث تم احداث تهجير لهم من خلال الانفجارات والاغتيالات في دول الشرق الاوسط لارغامهم من خلال التخويف على الهجرة الى فلسطين ,ثم بدأت منظمات صهيونية عسكرية كشتيرن والهاغانا بعمليات اغتيال داخل فلسطين للعرب الذين يرفضون بيع اراضيهم ,ثم شنت حرب اهلية داخلية برعاية بريطانيا لتهجيرهم من المدن الساحلية ليتم تفريغها لليهود قبل موعد انسحاب بريطانيا والذي كانت حددته في منتصف مايس 1948وقد بدأت الحرب باعلان قيام دولة اسرائيل في 15 مايس 1948 حيث بدات الجيوش العربية المصرية والعراقية والسورية والاردنية بالتحشد لاستعادة فلسطين ,ولكن انتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية وباعلان دولة اسرائيل على ارض فلسطين وبدأت المفاوضات لتقسيم الاراضي الفلسطينية بين الفلسطينيين واليهود وانتهت باصدار قرار للامم المتحدة بتقسيمها بينهم رفضه العرب والحقت الضفة الغربية تحت ادارة الاردن وغزة تحت ادارة مصر .
خسر العرب حرب ال48 وأُعلنت دولة اسرائيل وهدد العرب وتوعدوا ولكنهم لم يتمكنوا من معالجة كيان صغير زرع كجسم غريب في وسط الوطن العربي وبقي هذا الكيان ينفث سمه ويمارس التهديد والابتزاز والقتل والعدوان ويزرع الفتن لحد الان وكانت مواقف العرب خلال حرب 1948هي ارسال جيوشهم و كانت هذه الجيوش كارتونية ليست للحروب ولكن لحماية الحكام ,ولا تستطيع خوض حروب مع دول اخرى ,كان تسليحها بسيطا وتدريبها شكليا ولم تستطع  تحقيق شيئا على ارض المعركة سوى ماكتبته الحكومات العربية في الكتب المدرسية من بطولات على الورق فقط لاقناع تلاميذ المدارس من الاجيال الجديدة بما فعلته جيوشهم . كانت نكبة 48 هي بداية المأساة العربية المستمرة, وهي النقطة الفاصلة بين هدف النهضة العربية في العصر الحديث الذي بدأ مع بدايات القرن العشرين وبين الواقع الذي تكرس فيما بعد ذلك. لو كانت الحكومات العربية مستقلة عن الاستعمار البريطاني والفرنسي وكانت برامجها في اعداد جيوشها وفي تعليم مواطنيها واقامة مؤسسات الدولة على اساليب صحيحة لتغير وجه التأريخ بالنسبة لهذه الامة .
4-عدوان 56 على مصر    حدثت ثورة مصر بقيام تنظيم الضباط الاحرار باستلام الحكم وخلع الملك فاروق في تموز/ يوليو عام 1952 ثم قاموا بتغيير نظام الحكم الى جمهوري وتولى التنظيم ومن خلال ما سمي بمجلس قيادة الثورة المكون من اعضاء قيادة  التنظيم بادارة البلاد . كان هؤلاء الضباط وعلى رأسهم جمال عبد الناصر تنقصهم الخبرة ويتصرفون بثورية استفزت الغرب وبعض الدول العربية التي لا تزال تحت النظم الملكية ,وباتخاذهم خطوات اعتبرت اشتراكية وتميل الى الاتحاد السوفيتي  وخصوصا عندما قام عبد الناصر في عام 1956 بتأميم قناة السويس التي تشكل العصب الرئيسي للنقل البحري بين اسيا واوربا مما اعتبره الغرب ممثلا ببريطانيا وفرنسا واسرائيل محاولة للتحكم بطرق المواصلات البحرية اولا,  وثانيا اسقاطا من جانب واحد لاتفاقية قناة السويس والتي كان سينتهي سريانها قانونيا بعد اعوام قليلة لو صبر عبد الناصر  ,وبغض النظر عن مدى حكمة هذا القرار ام لا في وقته ,حيث كانت الثورة في بدايتها وكان على قادتها دراسة اي قرار يضعهم في مواجهة الغرب دراسة متأنية لمنع دخول مصر في صراع غير متكافيء قد تكون نتيجته معروفة ,ومن المفترض على اي قيادة حكيمة ان تقدر نتائج قرارتها على شعوبها ومصالحها .
حيث قامت بريطانيا وفرنسا واسرائيل بعدوان عسكري على مصر استهدف استرجاع السيطرة على القناة بالقوة العسكرية وافشال التاميم ,ولولا تدخل امريكا والاتحاد السوفيتي وتوجيه انذار لدول العدوان  لما توقف العدوان ,وبالنسبة للدول العربية فلم تظهر مواقف الدول العربية الا عن طريق وسائل الاعلام ومن خلال اعلانات وبيانات التنديد ولم يكن هناك مواقف عملية لدعم مصر عسكريا ,خصوصا ان مواقفهم المعادية لعبد الناصر كانت معروفة بسبب ما كان يقوم به من تحريض عن طريق دعم الجماعات المعارضة للانظمة الملكية التي كان يطلق عليها اسم الانظمة الرجعية ويحث الشعوب العربية على اسقاطها اسوة بثورة مصر على النظام الملكي واسقاطه.ظهر اثر الخلافات السياسية بين الحكومات على مواقفها تجاه قضايا الامة المصيرية فالخلافات السياسية هي المعوق الاول لظهور الامة في مثل هذه المواقف كأمة موحدة يشعر ابناؤها بأنهم جسد واحد.
5- قيام الوحدة العربية بين مصر وسوريا وانفصالها 1958-1961 قامت الوحدة العربية بين مصر وسوريا في نوبة من نوبات الشعور القومي العالي وبشكل عشوائي غير مدروس بين دولتين يقودهم العسكر المتحمسين ودخلت القيادتان بتنافس غير ظاهر على قيادة المشروع وشعرت القيادات العسكرية السورية بتهميشها وان القيادة المصرية هي التي تترأس المشروع وأن الدور الذي اعطي لها لا يناسب مع طموحاتها ,فقاد بعض العسكر السوريون حركة انتهت بالانفصال وانهت اول وحدة عربية اندماجية .
6-نكسة حزيران 1967    حدثت حرب الخامس من حزيران في 1967 على جميع الجبهات العربية عدا لبنان ,وقد انتهت باحتلال الجولان والضفة الغربية وسيناء من قبل اسرائيل , اي احتلت اسرائيل اراضي عربية في ثلاث دول عربية محيطة بها ,وانتهت بهزيمة مخزية اسماها العرب بالنكسة للتخفيف من وقع كلمة هزيمة التي هي حقيقة الموقف ,وحدث انكسار معنوي على مستوى الحكومات والشعوب لاتزال الاجيال المتتالية تعاني منه .كانت نكسة حزيران اكبر هزيمة في تاريخ العرب بعد احتلال هولاكو لبغداد ,حيث انهزمت جيوش عدة دول امام كيان كانوا يريدون رميه في البحر كما يدعي قادتهم في خطبهم ,وكان وقع الهزيمة النفسي والمعنوي كبيرا , بعدها دخلت الدول العربية في عصر الدكتاتوريات التاريخية حيث جثمت الدكتاتوريات في حكم شبه ابدي ,و جمدت العقل والتاريخ العربي واغلقت الابواب في وجه التطور والحريات تحت مظلة (كل شيء في سبيل المعركة) ,في مجتمعات تعيش احكام عسكرية عرفية لا يسمح فيها بالنقد او التعبير او التظاهر.ومع ان اكثر الدول العربية حاولت المشاركة في الحرب ولكن سرعة التحرك الاسرائيلي واخذهم زمام المبادرة حول الحرب الى معركة سريعة اعلنت نهايتها بسرعة وخلال خمسة ايام كما سميت بحرب الايام الخمسة.
تعتبر النكسة هذه نقطة فاصلة بين ماقبلها وما بعدها ,خصوصا بالنسبة لمصر بما كان يمثله الرئيس عبد الناصر كقائد للوحدة العربية التي كان يتغنى بها ,وكان يستخدم نهجه القومي الثوري الذي يتردد في وسائل اعلامه ضد الانظمة الرجعية العربية حيث اعادته الى وعيه الطبيعي بحجم المخاطر ,وقد حاول بعد النكسة اعادة ترتيب علاقاته مع الانظمة العربية التي يسميها الرجعية التي كان له حساسية معها بقصد ترتيب الاوضاع لمعركة قادمة لتحرير ارض سيناء وبقية الاراضي العربية المغتصبة.
7- وفاة جمال عبد الناصر عام 1970 توفي جمال عبد الناصر وبشكل غير متوقع بعد مؤتمر القمة العربية الذي عقد في مصر للملمة الصف العربي بعد نكسة حزيران وقد كانت وفاته نهاية لقيادة مصر للمشروع القومي العربي الذي أسسه وقاده وبداية لأنهيار حلم الوحدة العربية الذي وعد  الجماهير العربية بتحقيقه.
8- حرب 1973     بعد فترة من حرب الاستنزاف بين مصر واسرائيل استمرت من عام 1967 وحتى 1973 كانت كل من مصر وسوريا تستعدان لحرب استعادة اراضيهم المحتلة من قبل اسرائيل وقد حدثت الحرب بتنسيق مصري سوري لرفع آثار الهزيمة في 67 ,ولكن لم تستطع تحقيق اي انجازات كبيرة على الارض ,سوى رفع معنويات الحكومات التي ادعت الانتصار فرفعت معنويات شعوبها , ولكن لم يتحقق للشعوب اي انجازات على مستوى الحريات او الرأي او الاقتصاد.
ارسلت الدول العربية الاخرى قطعات عسكرية وطائرات للاشتراك في الحرب وقطعت الدول النفطية تصدير النفط الى الغرب ,وكان ذلك يبدو عهد جديدا للتعاون في مثل هذه الملمات ولكن ذلك جلب الوبال على العرب حيث ماحدث بعد ذلك يبين ان الغرب قرر بأن النفط يجب أن يصبح تحت الحماية الغربية وخصوصا في دول الخليج ,خصوصا وأن العراق كان قد اعلن قبل ذلك بسنة قرار تأميم النفط عام 1972 ومنذ ذلك الحين بدأ المسلسل الطويل من التدمير والاستهداف لشعوب هذه الامة لكي لا تقوم لها قائمة ولكي لا تخطو خطوة على طريق التقدم ابدا بل تستمر بالتراجع الى الوراء بشكل مستمر.كانت فرحة الجماهير كبيرة في البداية وخصوصا مع ماصوره الاعلام من انتصارات ولكن انتهت الحرب بخيبة لانها لم تستطيع ان تحقق ما وعدت به من استعادة للارض العربية .
5- زيارة السادات لاسرائيل   اعلن رئيس مصر السادات عام 1977وبشكل مفاجيء نيته في زيارة اسرائيل ودون تخطيط او معرفة من بقية الحكومات العربية ,وبذلت جهود لاثنائه عن خطوته هذه انتهت بالفشل .اعقب ذلك انعقاد مؤتمر القمة في بغداد الذي قرر تجميد عضوية مصر في الجامعة ولحين عودتها عن قرارها .عقد السادات اتفاق صلح مع اسرائيل سمي باتفاقية  كامب ديفيد واستعاد من خلالها شبه جزيرة سيناء واستمر ذلك فلا السادات تراجع ولا العرب قرروا اعادة مصر وانتهت القصة بأغتيال السادات عام 1981 خلال الاستعراض العسكري في ذكرى حرب اكتوبر واغلق الملف بعدها وعادت مصر دون ان تنسحب من اتفاقها مع اسرائيل ودون ان يثار الموضوع مرة اخرى.كان موقف الدول العربية الرسمي موحد وهو تجميد عضوية مصر ولكن الحقيقة أن بعض الدول العربية كانت لا تمانع في اي علاقة مع اسرائيل  بل انها اعتبرت تجربة مصر باب للبديء بالانفتاح على اسرائيل ,وقد عقدت دول اخرى كالاردن اتفاقيات سلام وكذلك فلسطين نفسها عقدت اتفاقية انتهت بعودة منظمات التحرير الى ارض فلسطين ,وشكلت سلطة وبدأت تدير ارض الضفة وغزة من قبلها. تحليلنا لما حدث هو أن السادات كان ضحية لتصرف انفرادي ادى الى اثارة المتطرفين ضده من قبل بقية العرب ,مما ادى الى اغتياله ,مع ان بعض الحكومات كانت راغبة بالاتفاق ولكنها لم تكن مستعدة أن تكون البادئة ,وكانت تريد من يبدأ ويصبح كبشا للفداء وكان السادات مستعدا لذلك ولكنه خسر حياته بسبب ذلك.
6- الحرب العراقية الايرانية 1980-1988   كانت الحرب العراقية الايرانية صفحة اخرى لتحليل العلاقات العربية ,حيث ساندت بعض الدول العربية العراق ماليا او اعلاميا او سياسيا كمصر ودول الخليج واليمن وكان مواقف دول اخرى كسوريا وليبيا والجزائر ليس مؤيدا للعراق و قد يكون ضده واتخذت دول اخرى جانب الحياد وهو ما يوضح ان الموقف العربي لم يكن موحدا ولا منسقا ,وكان يتسم بالارتجال وكان على الدول العربية ان تتخذ موقفا موحدا بأتجاه محاولة اصلاح الوضع بين العراق وايران ,لانه يصب في مصلحة الطرفين ويساهم في بناء علاقة صحيحة بين المحيط العربي و ايران بعد ثورتها ضد الشاه. لكن المصالح الجزئية الضيقة والتفكيرالسياسي المحدود الرؤية كانت دائما تحد من النظرة الاستراتيجية للدول العربية للمستقبل وكانت دائما ما تربط مواقفها بمواقف الغرب والتي تصب في مصالحة هو وليس في مصالحها .
7- احتلال العراق للكويت 1990والحصار الاقتصادي على العراق   احتل العراق دولة الكويت في خطوة مفاجئة وبين ليلة وضحاها وبعد مفاوضات لم تدم طويلا حول قيام الكويت باغراق السوق بالنفط لضرب اسعاره بأتجاه التأثيرعلى اقتصاد العراق الذي يعتمد على النفط .القصة قديمة حول ان الكويت جزء من العراق ,وتعود الى ايام حكم العهد الملكي وعهد حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ,حيث اثير هذا الموضوع على نطاق اعلامي وسياسي ولكن يبدو ان صدام حسين دخل في الفخ الذي اعد له واحتل الكويت بتلميحات امريكية بأنها لن تتدخل ,ولكن الهدف كان بأتجاه تدمير القوات العسكرية العراقية والبنية الصناعية العسكرية التي تم بناؤها خلال الحرب العراقية الايرانية ,و تحديد القدرات العراقية التي اصبحت تهدد المنطقة ودول الخليج واسرائيل .وقد تم تدمير الجيش العراقي والمؤسسات الصناعية ومحطات الكهرباء والبنية التحتية واعادت العراق الى عقود الى الوراء وانهت احلامه بالتطور والبناء وادخاله في نفق الحصار الاقتصادي من عام 1990 الى عام 2003 . ودخل العراق نفقا مظلما من الحصار والفقر والجوع والمرض ,وصل دخل الفرد العراقي الى ما لم يصل اليه في تاريخه, وباع العراقيون اثاثهم واغراضهم الشخصية خلال 13 سنة مؤلمة بقي فيها الشعب العراقي وحيد يعاني آثار الحصار لوحده وتحت نظام حكم دكتاتوري لا يهمه موت الاطفال تحت تأثير الحصار بل كان يتاجر بذلك ,ولم تقوم الدول العربية وخصوصا الغنية بأي جهد لمساعدة العراقيين كشعب من خلال المساعدات ,ولم تقوم بأي محاولة لحلحلة المواقف السياسية بين النظام والمنظومة الدولية لرفع الحصار الاقتصادي او تقليل آثاره وبقي اطفال العراق يلاحقهم الموت بسبب الجوع والمرض ونقص الدواء . كانت مواقف الدول العربية تجاه الحرب وتجاه الحصار هزيلة واتسمت بالتفكك وعدم التنسيق وكالمعتاد  .كانت مواقف بعض الدول كاليمن والاردن والفلسطينيين مع العراق في مسألة احتلال العراق للكويت وكانت مساندتهم واضحة مما ادى الى اتخاذ مواقف متشددة من قبل دول الخليج ضدهم تمثلت بقطع المساعدات ومواقف دبلوماسية متشددة.على الجانب الاخر وقفت دول اخرى مع الكويت ودول الخليج كمصر وسوريا ودخلت ضمن التحالف العسكري ضد العراق وارسلت قطعات عسكرية دخلت الحرب التي شنها التحالف الدولي المكون من 33 دولة برئاسة الولايات المتحدة والدول الغربية لتحرير الكويت .بعض الدول الاخرى اتسمت مواقفها برفض التدخل الغربي ومحاولة معالجة الازمة ضمن الجامعة العربية كليبيا والجزائر ولكنها لم تنجح واكتفت بالانكفاء على نفسها والصمت حتى انتهاء الازمة .بعد هزيمة العراق ومطاردة جيشه داخل حدوده ,قامت انتفاضة دامت اشهر في المحافظات الشمالية والجنوبية استطاع النظام القضاء عليها . لم تكن مواقف الدول العربية بعد ذلك تتسم بالتعاون لمساعدة الشعب العراقي على تجاوز آثار الحصار وعدا قيام الاردن باستقبال العراقيين من المؤسرين وقيام ليبيا واليمن بأستقبال الكفاءات للعمل في مؤسساتها الحكومية والخاصة لم يتلق العراق اي مساعدات ,وحتى الدول التي كان العراق يساعدها خلال فترة قوته الاقتصادية وقد انعكس سوء علاقات الانظمة العربية مع النظام الحاكم في العراق على علاقتها بالشعب العراقي الذي كان يفترض دعمه اقتصاديا لمساعدته على تخطي اثار الحصار.
8-احتلال العراق عام 2003     قامت الولايات المتحدة وبريطانيا بتشكيل تحالف دولي مع دول اخرى واحتلت العراق دون غطاء قانوني من الامم المتحدة بدعوى امتلاكه اسلحة كيمياوية وبايولوجية ,وبعد مفاوضات مع النظام كانت محكومة بالفشل تم الاحتلال خلال فترة وجيزة حيث قامت دول التحالف بعمليات عسكرية ادت الى تدمير البنى التحتية وتدمير القطعات العسكرية وكانت مواقف الدول العربية عموما تتسم بالضعف والتفرج على التدمير الذي حدث  ,انتهت الحرب بسقوط النظام وحدوث فوضى اعلنت امريكا احتلالها للعراق وعينت السفير بول بريمر حاكما للعراق مع تشكيل مجلس شكلي للحكم من 25 شخصا على اساس النسب الطائفية والعرقية لمكونات الشعب العراقي المختلفة , مما ادى الى دخول العراق بنفق الطائفية المستمر لحد الآن .ثم تشكلت حكومة موقتة لعدة اشهر ثم تم اعداد دستور للبلاد والتصويت عليه, اعترفت جميع الاطراف السياسية فيما بعد بأنه مليء بالاخطاء بضمنها الاطراف التي كانت متحمسة جدا له .ودخل البلد في اتون الحرب الاهلية الطائفية التي استمرت منذ عام 2004 في موجات من التفجيرات والقتل اليومي والاختطاف , ثم تلاها في عام 2014 قيام التنظيم الارهابي الدولي داعش باحتلال عدة محافظات بدأت بعدها حرب تحرير هذه المناطق حتى عام 2017.عانى العراق والعراقيون خلال هذه الفترة من العمليات الارهابية المستمرة التي استهدفت الاسواق والمناطق الدينية والتجارية والسكنية وذهب ضحية هذه الاعمال آلاف الضحايا واصيب الاف اخرون .اتسم موقف اغلب الدول العربية بعدم الوضوح والتردد ولم تكن هناك مساعدات واضحة للعراقيين لتخطي الكوارث التي كان يمر بها البلد ,وترك العراق والعراقيين ليواجهوا الارهاب والاضطرابات وحاولت بعض الدول التدخل بشكل منفرد وبشكل ضعيف بينما الموقف كان يستدعي تدخلا واضحا ومساعدات على مستوى الجامعة العربية.
9-ثورات الربيع العربي  2010-2011    حدثت موجات من التظاهرات والاعتصامات بدأت بتونس ثم مصر ثم ليبيا واليمن وسوريا ,انتهت بتخلي الرئيس التونسي عن الحكم وهروبه خارج البلاد, وتخلي الرئيس المصري عن الحكم واستلام المجلس العسكري ادارة البلاد ,واغتيال الرئيس الليبي ودخول البلاد في فوضى ,وتخلي الرئيس اليمني عن الحكم ايضا في اتفاق بينه وبين القوى السياسية برعاية دول الخليج .ادت هذه الثورات الى حدوث تغيير في انظمة الحكم في تونس ومصر ,ولكنها على الجانب الآخر ادت الى حروب اهلية في ليبيا واليمن وسوريا لا تزال مستعرة حتى الآن ,وعدم استقرار في المنطقة عموما وانتشار الاضطرابات والتنظيمات الارهابية وعدا عن دول الخليج التي تدخلت بشكل او بآخر مع هذا الطرف او ذاك وحسب ما يلائم مصالحها اتسم موقف الدول العربية الاخرى بالانكفاء على نفسها اما خوفا من وصول الثورات الى حدودها او لترميم وضعها الداخلي ,او خوفا من ردود الفعل الغربية التي يعتقد بأن لها اليد الطولى في اثارة هذه الثورات.
من هذه الاحداث ومن خلال المواقف المستعرضة رأينا أن العرب كأمة ذات مميزات مشتركة تجمعهم كاللغة العربية والجوار والمصالح والمخاطر التي تهدد مجتمعاتهم لم يستطيعوا أن يواجهوا التحديات بمواقف موحدة او على الاقل متقاربة بل على العكس اغلب المواقف التي واجهوا بها الازمات اتسمت بالتشتت والانانية, ولم يحاولوا حل المشاكل والتحديات التي تواجههم من خلال دراستها بشكل متأني ومحاولة حلها ضمن الداخل العربي ,بل كانوا دائما ما يدخلوا الدول الاخرى وخصوصا الغربية لغرض طلب الحل والمساعدة لأنهم اي العرب لا يخططون للمستقبل بل يعملون بطريقة الفعل ورد الفعل وما يهم دولهم هو استقرار وبقاء الحكام والانظمة السياسية وليس مصلحة الشعوب وتقدمها.
ملاحظة   الموضوع مقدمة لبحث اوسع تحت الاعداد وقد يتم نشره أن شاء الله على حلقات .

*طبيب اختصاص وباحث