قطايف ثقافية – بقلم : خالد جودة أحمد

 

منوعــــــات ….
بقلم : خالد جوده أحمد
عطر القلوب:
في هذه الأيام الطيبات المباركات يتنسم المسلمون في شتي بقاع الأرض نسائم شهر رمضان المبارك، وتمتلئ الأفاق بهذا العطر الحبيب إلي القلوب المؤمنة التي ترنو إلي الشهر الفضيل في شوق ورجاء، وأمل ودعاء، وتجتني فيه الحسنات، وتتعرض لنفحات المولي تعالي، فشهر رمضان هو فرصة كبيرة للقرب من الله رب العالمين، وهو أحب الشهور إلي الله فيه أنزل القرآن الكريم لسعادة المسلمين في حياتهم، وسبيلهم إلي ربهم، فيه ليلة هي خير من ألف شهر من أحياها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، وفيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتغل مردة الشياطين، كله خير، فأوله رحمه، وأوسطه رحمة، وآخره عتق من النار، من حرم خيره فقد حرم، فرمضان شهر البر والإحسان والخيرات والنفحات والبركات، كل أيامه ولياليه أعيادًا للأمة الإسلامية، وهو سوق قام ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر من خسر، لذلك يشمر فيه الصالحون عن سواعد الجد والدأب وينشطوا نشاطا عظيما للذكر الحكيم  والصيام الجميل والأخلاق الفاضلة والسجايا النبيلة والأعمال الصالحة، فيا تري كيف كان موقف الأدباء والمثقفين من الشهر الفضيل، والأدب هو نبض الحياة، وصدي الإحساس، ودفتر الخواطر، بالطبع لم يقف الأدب إلا موقفا جميلا يناسب موقف الذكري، ومناسبة الأيام العاطرة، وبدهي أيضا أن الشعراء هم أول من تأثروا وقالوا بفيض إحساسهم: (جاء الصيام فجاء الخير أجمعه / ترتيــــــل ذكر وتحميد وتسبيح / فالنفس تدأب في قول وفي عمل / صوم النهار وبالليل التراويح)، واستقبل الشعراء الشهر منذ لحظاته الأولي برؤية هلاله الجميل،  فقال ابن حمديس: (قلت والناس يرقبون هلالا / يشبه الصب في نحافة جسمه / من يكن صائما فذا رمضان  / خط بالنور للوري أول اسمه)، وأكد شاعر آخر ان الصيام صحة الأبدان، فقال: (ليس معني الصيام لو تدري / جوعة ثم أكلة عمياني / بل يصومون بغية للتداوي / إن في الجوع صحة الأبدان)
ولم يكن الشعر بمفرده في استقبال شهر رمضان، فقد شارك النثر أيضا في الاحتفاء بالشهر الكريم، فقال أمير الشعراء الأصلي “أحمد شوقي” في سجعه الجميل بأسواق الذهب (وهو الذي قال عن السجع شعر العربية الثاني، ونري قوله صحيحًا لو توافر الصدق الفني): (الصيام: حرمان مشروع وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع، ولكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب، وباطنه الرحمة، ويستثير الشفقة، ويحض علي الصدقة ويكسر الكبر ويعلم الصبر، ويسن خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع وحرم المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، والجوع آلمه إذا لذع)
والأدباء في ذلك وعلي رأسهم الشعراء كان أدبهم لترويح القلوب وفي طلب طرائف الحكمة، ومن باب الترويح عن الصائمين، فقد قال الزهري: (كان رجل يجالس أصحاب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ويذاكرهم فإذا ثقل عليه الحديث قال: إن الأذن مجاجة ألا فهاتوا من أشعاركم وحديثكم هذا ….”

“ذاكرة البهجة”:
رحل عنا قبل حلول رمضان القادم بأيام قليلة الكاتب الجميل “د. أحمد خالد توفيق”،وكان قد سرد حديثًا جميلًا في أدب المقالة الأدبية عن رمضان (والمقالة فرع من شجرة الأدب الزاهرة بتعبير الناثر والشاعر صلاح عبد الصبور)، ففي كتابه المقالي  (قهوة باليورانيوم)، مقاله المعنون (رمضان جانا) يصف رمضان بين الأمس واليوم، بين الطفولة البرئية وبين أخلاق الزحام، يقول: (ازدادت الطوابير أمام باعة الكنافة والقطائف وإن تضاعف الذعر في الوجوه والرعشة .. كأن كل واحد يخشى أن يفوته شيء سوف يظفر به الآخرون .. ولا شك أن الناس كذلك صاروا أكثر شراسة وعدوانية، ولعها أخلاق الزحام. أخلاق الزحام تجعلك تشعر بقلق متزايد من ان رغيفك ليس مضمونا وهناك من سيخطفه في أى لحظة)، والمقال مر … ولكن سانتقي منه ذاكرة البهجة التي نحبها ونعمل علي إحيائها، يقول: (لهذا الشهر رائحة، ولهذا الشهر صوت .. وله شخصية كاسحة حفرت الذكريات لدى كل واحد منا. لو لم يكن لديك فيض من الذكريات يتعلق برمضان فانت علي الأرجح لست مصرياً.. لرمضان صوت. لا شك في ذلك في هذا، وأنا أضع علي رأس قائمة الأصوات صوت الشيخ رفعت الرهيب المزلزل، القادم من عوالم يعرفها هو وحده، والذي تقشعر لسماعه وتنتعش. بعد هذا ياتي صوت تواشيح النقشبندي … هذه تواشيح قد استطاعت أن تكون هي صوت رمضان بجدارة، وكل مصري يعرف الجو الذي تبعثه كلمات مثل (يقول أمتي. يا رب امتي) … او صوت تواشيح ما قبل الفجر … يمكن بشيء من التحفظ أن تضيف أصواتاً أخري: في طفولتي كان هناك ارتباط خاص بصوت القلي أو التحمير القادم من المطبخ والمرتبط بالأم المصرية المعتادة تقف في الحر وسط الأبخرة الخانقة، كأنها هكتور في حرب طروادة. كانت تعترف لي كثيراً أنها تتلذذ بهذا الشعور: أبناؤها صائمون ونائمون بانتظار المدفع بينما هي تحارب في المطبخ وحدها … أما عن رائحة رمضان فحدث بلا توقف .. رائحة مصر ذاتها .. رائحة الأحياء الشعبية وماء الورد الذي يذوب في الماء المثلج ويقدم للمصلين في المساجد بعد الصلاة .. رائحة الكنافة والقطائف وهما في مرحلة العجين الأولي. ثم السحور الذي تقاوم فيه النعاس بالقوة، يختلط برائحة الشمع الذائب في فانوس جميل من الصفيح صنعه عم شحتة أو عم بيومي في زقاق ما من درب الأثر(.

الأدب الرمضاني وفن الحكي والمسرح:
من المعلوم حضور شهر رمضان في الشعر العربي، بينما يرى البعض أن الحضور الرمضاني كان  محدوداً في فن الحكي، وهذا يراه بعض النقاد ليس صحيحًاً علي مستوي خلفية الأحداث في القصة، وأحياناً تكون هذه الخلفية هي قصدية الأحداث القصصية ببراعة فن الحكي، والمثال الشهير قصة (في بيتنا رجل) للروائي (إحسان عبد القدوس) حيث أبرزت الرواية العادات وطقوس رمضان الخاصة في العائلة المصرية مع إرتواء الأحداث بقضية وطنية، فتشرب الإيمان بقيم المقاومة دليل أنهما صنوان لا ينفصمان.
وللكاتب نفسه في مجموعتة القصصية (عقلى وقلبى)، أولي القصص في المجموعة والمعنونة (القرآن) عن قرية كفر ممونة التى واجهت مشكلة عدم قيام الباشا لظروف ألمت به باستقدام المقرئ ليحيى ليال شهر رمضان كما اعتادت القرية كل عام، وعقد الاهالى مؤتمرا لحل المشكلة وتعاونوا باعطاء اخر ما معهم من مال شحيح عن طيب خاطر ومنها مهور البنات وخزين البيت من الذرة وخلافة ليوفروا مبلغ (50) جم حتى لا يقال ان كفر ممونة مضلم في رمضان وجاء المقرئ وكان مذاق رمضان هذا العام أحلى وأطيب، فلما كان العام التالى ُأسقط في أيديهم فليس لديهم ما ينفقونه فكانت ذروة الأزمة في القصة القصيرة (قال الشيخ تمام: يعنى يفوت رمضان كدة سكيتى .. دى ما حصلتش في كفرنا من عشرين سنة .. ما تشوفوا لكم تدبيرة)، وكانت لحظة التنوير بالاشتراك مع أهالى كفر حتاته (ونحط اللى معانا على اللى معاهم، ونجيب الشيخ عبد الباسط) ثم حل مشكلة اخرى فى اي قرية تكون السهرة كل يوم؟ فكان الحل السهرة بالتناوب بين القريتين يوم هنا ويوم هناك وظهرت المشكلة الثالثة في اي قرية تكون سهرة ليلة القدر فكان الحل: (اللى يجى عليه الدور في ليلة القدر تبقى السهرة عنده) وتمت في القصة طقوس التفاوض النبيل وكانت الخاتمة الرائعة (وعندما انتهى الشهر المبارك .. عقدت خمس زيجات بين كفر ممونة وكفر حتاتة(، وهذا النص يؤيد فكرة أن النص الأدبي في حقيقته وثيقة فنية واجتماعية وشعبية أيضًا.
وفي مجال المسرح قام الباحث د.محمد أبو بكر حميد، راعي أدب الراحل الأديب الكبير/ علي أحمد باكثير، بتحقيق وتقديم مجموعة مسرحياته القصيرة ذات الفصل الواحد، وضم الكتاب الصادر من مكتبة مصر عدد (48) مسرحية قصيرة من ذوات الفصل الواحد، وتمثيلية واحدة وقصة قصيرة واحدة، وبعضها منشورًاً من قبل في مجموعتية (هكذا لقى الله عمر)، (من فوق سبع سموات)، ومن هذه المسرحيات مسرحية معنونة (من نفحات رمضان) واستشعرت بعد مطالعتها أنها مشروعاً لم يكتمل لمسرحية كانت تختال في خاطر الراحل الكريم، ومن المعروف عن باكثير أنه كان في غاية الإخلاص والبذل في الكتابة فلا ينقطع بالليل أو النهار عن القراءة والكتابة، ولكنه رغم ذلك كان يدقق أشد التدقيق في منجزه الإبداعي، لدرجة انه كان يكتب بقلم شديد الخشونة حتي يمنعه من تدفق الكلمات بلا حساب قبل تدقيقه فيها. وفي المسرحية نجد حديثًاً رصينًا عن الشهر الجليل، فالبطل في المسرحية عصام يترنم بأبياتا من الشعر (يا رب طهرتنى بالصوم فامتلأت /
نفسي صفاء إلي الرضوان يهدينى  / أمسيت روحاً بلا جسم ينازعني /إلي التراب، كأني لست من طين/ روحًاً تحلق ما شاء الحنين لها  / في كل أفق من الآفاق يدعوني/ الحمد لله لا جوع ولا ظمأ/ الله يطعمني، والله يسقيني(، ويقول كلاماً شاعريًاً في وصف ليلة القدر: (انظري هذا الضياء ينساب في كل أفق! ألا ترين جداول النور تنفجر في السماء؟ ألا تبصرين النجوم لها بريق عجيب وصفاء غريب لا ُيعهدان في سائر ليالي العام. ألا ترينها كأنها حيناً ترقص من طرب! وحينا تخشع من رهب(، ثم يتحدث عن علامات الليلة البهية، ويضمن سور القدر كاملة في الحوار، … إلى مطلع الفجر.

الأدب الرمضاني والنقد البناء:
وشارك الأدب أيضا في التنبيه لفضائل الشهر، وحسن إجتنائه، كما حذر من مغبة تضييع فضائله، وعكس الأمور لتؤدي نقيض أهدافها، وكان للأدب الساخر النصيب الأوفى في انتقاد مظاهر  تحدث في شهر رمضان لا تناسب بالمرة الشهر الفضيل، ونشير هنا لنص جميل من الأدب الساخر للأديب الراحل يوسف عوف ينتقد فيه ظاهرة الاحتفاء بالطعام بدلًا من الصيام في شهر رمضان، حيث  إن كميات الطعام علي موائد رمضان لأسرة واحدة مصرية تكفي لإطعام عشرات الأسر، كما أنها أطعمة دسمة للغاية، فكأن الإحتفاء بالشهر يقتصر فقط علي الطعام.  ففي صورة أدبية في كتابه “هموم ضاحكة” يحكي  كيف عاد إلي مصر المواطن المصري “سيد كامل” ومعه زوجته السويدية “توفيدا جابلر” والتي تصاب بالذهول من أعياد المصريين والتي تقتصر علي الاحتفال بالطعام بداية من يوم عاشوراء ومولد النبي (عليه الصلاة والسلام) وليلة 27 رجب وليلة النصف من شعبان، ثم أقبل شهر الصيام: (سيد يحكي لزوجته عن شهر رمضان الذي سيحل بعد أيام وعن أركان صومه …. إلخ ، فتنبهر بهذا الشهر الجميل الذي في صومه أبر فرصة لكي تعتدل الصحة والروح والقوام …. لكن ما ان يبدأ الصيام حتى تفاجأ بكميات الطعام المهولة التي يتناولها الصائمون في الإفطار ثم في السحور وما بينهما كان أعظم، أما عيد الفطر المبارك فإنه يخيب أمل توفيدا: فاحتفالاته تقتصر علي أكل الكعك والغريبة، وتصل السخرية إلي قمتها عندما تستجير توفيدا بسفارة بلدها وهي بملابسها المنزلية بعد أن تجري في الشوارع، والسفارة تخابر وزارة الخارجية والتي تعتذر عن عدم التدخل نظرا لأنها قضية أحوال شخصية، فترفع السفارة باسم توفيدا دعوى طلاق بسبب التضرر من الطعام .. فترفض المحكمة الدعوى لأنها لا ضرر ولا ضرار في الطعام المصري، فلم تجد مناصا لاستمرار حياتها الزوجية سوي قبول الوضع السائد وتتقن أصناف الطعام وخاصة شهقة الملوخية وتغير اسمها إلي تفيدة جابر.
ولم يقف الشعراء موقفا سلبيا بل صاغوا أبياتا من الشعر احتجوا فيه علي عادة الإسراف في شهر رمضان، فمن الحكمة صاغ الشاعر العراقي “معروف الرصافي” (توفي عام 1945) شعرًا يتبرأ فيه من عادة الإسراف في شهر رمضان خاصة في الطعام بعد الإفطار ضمن قصيدة طويلة، يقول: (ولكن لا أصوم صيام قوم / تكاثر في فطورهم الطعام / فإن وضح النهار طووا جوعا / وقد نهموا إذا اختلط الظلام / وقالوا يا نهار إن تجعنا / فإن الليل لنا منك انتقام / فقل للصائمين أداء فرض / ألا ما هكذا فرض الصيام)، وشاعر آخر قال موضحا أن الصيام الحقيقي يكون بصيام الجوارح: (إذا لم يكن في السمع مني تصامم / وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت / فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ / وإن قلت إني صمت يوما فما صمت)، كما تحدث الشعراء بكل صدق عن تبديل معاني الشهر الكريم في عالمنا المعاصر لضددها، فللأسف لدي بعض المسلمين (إلا من رحم ربي) تحول شهر الصيام إلي شهر الطعام، وشهر القيام إلي شهر الخيام، ومن شهر الاقتصاد والتوفير إلي شهر الإسراف والتبذير، وقد عبر عن هذا الشعراء بظرفهم الشديد ، فيقول أحدهم في زجل رائع وخفيف الدم: (أظن الولية زعلانة / وما كنت اقصد إزعالها / أتي رمضان فقالت هاتولي / زكيبة نقل فجبنا لها / ومن قمر الدين جبنا ثلاث / لفائف تتعب شيالها)، وأحيانًا يأتي رمضان مع المدارس، فالطبع قد تتفاقم الأمور ويتسبب الياميش (النقل) مع أجور الدروس الخصوصية في وقوع كوارث عائلية.
وشاعر آخر ينتقد الإسراف في رمضان فيقول في شعر فاتح للشهية: (نصف شعبان قد مضي / ووراء النصف ما بقي من شعبان / فتري كل ما تحب ونهوي / من شهي الطعام في رمضان / من كباب وكفتة وفطير / وكنافة محشوة في الصواني / وفراخ محمرات بسمن / خير ما يشتري من الدكان / وإذ المشمش البديع خشافا / بزبيب له أعض لساني / وابدأ الأكل حين يضرب المدفع / والهط وأشفط وقربع كمان / غير أني أخاف أن يتخم الأبعد / أو يصاب بالدوران)

الأدب الرمضاني والثقافة الشعبية:
ارتبط الأدب الرمضاني بالثقافة الشعبية أعظم الارتباط، ويكفي أن نشير للأزجال الشهيرة وفنون التسحير بالأناشيد وغيرها، ونبدأ بمشاركة الزجل مشاركته الهامة، بل ودخل تراثنا الشعبي من أوسع الأبواب، خاصة في الزجل الشهير الذي شنع به أحد الزجالين علي مفطر رمضان، فيحكي أنه كان بمصر شاعران أحدهما من علماء الأزهر الشريف وهو الأستاذ النجار، والثاني الاسكندر وكان الأخير سكيرًا عربيدًا حتى في رمضان وفي رابعة النهار، فنظم فيه الأول جملة من القطع شعرا وزجلا منها هذا الدور: (يا فاطر رمضان / يا خاسر دينك /  كلبتنا السوده / تقطع مصارينك)، وقد انتشر هذين البيتين وحفظه المداحون والأطفال وسارت به الركبان في كل مكان فكسب هذا الفاطر مذمة علي مدي الدهر بهذا الزجل.
ولم تكن تلك المساهمة الزجلية المهمة إلا امتدادا لرحلة مع الأغاني الرمضانية، والتي صارت قسمًا مهمًا في الأداء الأدبي للاحتفاء بالشهر الكريم، فكلنا رددنا ونحن أطفال الأغنية الرمضانية الشهيرة: وحوي يا وحوي …. إياحة ، فما أصلها؟، فلم يكن لتلك الأغنية الرمضانية انتشارا إلا بواسطة المسحرين الذين يوقظون الناس لطعام السحور، كما كان الأطفال يغنون معهم وهم يطوفون بفوانيسهم: (أحوي … أحوي … إياها / بنت السلطان ……إياها / لابسه قفطان …… إياها / بجلابيبه  …. …  إياها / ياللا نجيب له …. إياها)، ومعناها أن الطفل  يتمني أن يحوي عنده بنت السلطان ذات الثياب الفاخرة المحلاة بالجلاجل الذهبية، وقد أعاد بعض المؤرخين نشأة هذه الأغنية إلي العهد الفاطمي ثم تحرفت بعد ذلك إلي لفظها الشهير، ثم اشتهرت أغنية “وحوي” في الإذاعات الأهلية عن رمضان كتبها “حسين حلمي” وغناها “احمد عبد القادر”.
ومن الفنون الأدبية الأخرى والتي ارتبطت بالشهر الفضيل وتضرب أيضا بأطنابها في الثقافة الشعبية الرمضانية، فنون التسحير بالأزجال والأناشيد المنظومة، لدرجة إبتكار الأشكال الفنية المتعلقة بها، فقد بدأ التسحير برفع الآذان وإضاءة ملآذن المساجد، ففي العصر الفاطمي كان المؤذنون يؤذنون علي مآذن المساجد للسحور ثم اشتهر من المؤذنين في أواخر العهد الفاطمي “ابن نقطة” (توفي عام 597 هـ) والذي كان يسحر الناس ويوقظ الخليفة الناصر في بغداد واخترع فن “القوما” وهو ضرب من الموال كفن شعبي شعري له تقاليده الفنية الخاصة وأصله الزجل المشتق من قول المسحر: “قوما للتسحر قوما” أو “نياما نياما قوما للسحور” فلما مات ذهب ابنه لقصر الخليفة وأنشد: (يا سيد السادات … لك في الكرم عادات … أنا ابن نقطة … تعيش أبويا مات). وراحت طوائف المسحرين علي امتداد الوطن الإسلامي التفنن في الأساليب والأناشيد والأزجال وتؤديها وفق مرور أيام الشهر الكريم، ومن تلك الأهازيج علي أربع مرات خاصة في المساجد كما يلي: (التذكير الأول: أيها النوام قوموا للفلاح / واذكروا الله الذي أجري الرياح / إن جيش الليل ولي وراح / وتداني عسكر الصبح ولاح / اشربوا عجلي فقد جاء الصباح / معشر الصوام بشراكم / ربكم بالصوم هناكم / وجوار البيت قد أعطاكم / فافعلوا أفعال أرباب الصلاح / اشربوا عجلي فقد جاء الصباح). (التذكير الثاني: تسحروا رضي الله عنكم، كلوا غفر الله لكم، كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا، كلوا من الطيبات وأعملوا صالحًا، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور). (التذكير الثالث: يا مدبر الليالي والأيام، يا خالق النور والظلام، يا ملجأ الأنام، يا ذا الطول والإنعام، رحم الله عبدا ذكر الله، رحم الله عبدا شكر الله، رحم الله عبدا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله). (التذكير الرابع: اشربوا وعجلوا قد قرب الصباح، اذكروا الله في القعود والقيام … وارغبوا إلي الله بالدعاء والثناء، اشربوا وعجلوا فقد قرب الصباح). وواضح تمامًا أن هذه الأهازيج هي أصل التواشيح الدينية والتي تقال في المساجد والإذاعة قبيل صلاة الفجر واشتهر بها الشيخ “سيد النقشبندي” وغيره من المنشدين. وكلنا يذكر صوت المسحراتي وهو ينادي علي سكان البيوت وفي زجل للشيخ “محمد النجار” يقول فيه: (أنا المسحراتي  جيت أطبل لكم / حافظ أساميكم صغير مع كبير / في كل ليلة لي علي كل بيت / اللي في الذمة خرج للفقير / ولي عدية عنكم كل عيد / الكعك وكفوف الشريك والفطير / أجي أصحيكم وأنتم نيام / وقت السحر عن كل خير غافلين).
وفي صورة طريفة حيث شاركت المرأة الرجل حتى في مهنة التسحير السنوية، وقد تغزل في إحداهن الشاعر “زين الدين بن الوردي” قائلا: (عجبت في رمضان من مسحرة / قالت ولكنها في قولها ابتدعت / تسحروا يا عباد الله قلت لها / كيف السحور وهذي الشمس قد طلعت؟!)

معارك الشعراء حول الكنافة والقطائف في رمضان:
لكن لم يكتفي الأدباء والشعراء بالطواف حول معاني الشهر الفضيل، بل نشبت معارك حامية الوطيس بين الشعراء حول حزبي الكنافة والقطائف، وقصة ذلك انه من أشهر الحلويات (الألغام) علي مائدة رمضان: الكنافة، ونسبت خطأ للفاطميين، إذ أنها أموية 100 %، واختلفت أراء المؤرخين في اصل نشأتها، وما علينا فأيا كان سبب نشأتها تاريخيا فقد استقرت كتقليد رمضاني عتيد ومظهر من مظاهره لا يمكن الفكاك منها، أو كما يقول كاتب (من مستلزمات رمضان لا لوازم رمضان)،  فقد انطلق الشعراء الكرام يصفون الكنافة وموائدها ويتغزلون فيها وهاموا بها عشقا وأشهرهم في هذا شاعر من شعراء الدولة الأيوبية هو “أبو الحسين يحيى بن الجزار” حتى يمكن أن نسميه “عاشق الكنافة” حتى أنه لم يجد الكنافة في عهد الدولة المملوكية فكتب يقول: (سقي الله أكناف الكنافة بالقطر / وجاد عليها سكرا دائم الدر / وتبا لأيام المخلل أنها / تمر بلا نفع تحسب من عمري)، وقال في زفرة حزن وألم بأنه لم يعد يستمتع بالكنافة: (ما رأت عيني الكنافة إلا / عند بياعها علي الدكان)، ويالها من مأساة حيث يبدو أنه كان فقيرا لا يستطيع شرائها!
حتى “البوصيري” صاحب “البردة” الشهيرة في مدح الرسول الأكرم (صلي الله عليه وسلم) قد نقم نقمة شديدة علي القاضي “عماد الدين” إذ أنه لم يقدم له الكنافة عندما زاره فقال: (ما أكلنا في ذا الزمان كنافة / آه .. وأبعد علي مسافة / قال قوم إن العماد كريم / قلت هذا عندي حديث خرافة / أنا ضيف له وقد مت جوعا / ليت شعري لم لا تعد الضيافة / وهو إن يطعم الطعام / فما يطعم إلا لسمعة أو مخافة).
أما حزب القطائف (توأم الكنافة) التي هي حلوي فاطمية 100 %، ومنها المحشوة بالكريمة أو بالمكسرات وقد أحبها الشعراء أيضا كما أحبوا شقيقتها فهذا هو “أبو الهلال العسكري” يمدحها قائلًا: (كثيفة الحشو لكنها / رقيقة الجلد هوائية / رشت بماء الورد أعطافها / منشورة الطي ومطوية / جاءت من السكر فضية / وهي من الأدهان تبرية / قد وهب الليل لها برده / ووهب الخصب لها زيه). وآخر يمدحها قائلًا: (أقول وقد جاء الغلام بصحنه / عقيب طعام الفكر يا غاية المني / بحقك قل لي جاء صحن قطائف / وبح باسم من أهوي ودعني من الكني)، وهذا شاعر آخر عاش تجربة شعورية عصيبة، فجرت ينابيع الشعر داخل نفسه فأنشد يقول لما رأي القطائف: (لله در قطائف محشوة / من فستق رعت النواظر والفما / شبهتها لما بدت كالكهرمان / بحقاق عاج قد حشين زبرجدا)، وقال “سيف الدين بن قزل” متغزلا في القطائف: (وقطائف مثال البدور / أتت لنا من غير وعد / قد سقيت قطر النبات / وطيبت بالماء ورد / فحسبتها في صحنها / لما بدت أقراص شهد). ويبدو أن القطائف قد تتسبب في خسارة الصداقة بين الصديقين كما حدث بحال البوصيري في شأن الكنافة مع صاحبه القاضي تمامًا بتمام، فهذا شاعر يحكي تجربته المرة مع صاحبه الذي دعاه لأكل القطائف: (دعاني صديقي لأكل القطائف / فأمعنت فيها أكلا غير خائف / فقال وقد أوجعت بالأكل قلبه / رويدك . . مهلا .. فهي إحدى المتالف / فقلت له .. ما سمعنا بهالك / ينادي عليه يا قتيل القطائف)، وواضح طبعًا أن القتيل هي الصداقة التي كانت بينهما، وكل هذا بسبب القطائف!. ويبدو أن لعشق القطائف جين وراثي بحيث يتوارثه الأبناء عن الأباء وأكد تلك النظرية القطائفية الجديدة أحد الشعراء فيقول: (هات القطائف لي هنا / فالصوم حببها لنا / قد كان يأكلها أبي / وأخي وأكرهها أنا / لكنني منذ ذقتها / ذقت السعادة والمني).
وثارت القضية الجدلية بين القطائف والكنافة، فقد انقسم الشعراء فريقين متصارعين وثارت قضيتهم الجدلية تفضيل الكنافة أم القطائف، فهذا شاعر مناصر للقطائف يقول: (قال القطائف للكنافة ما / بالي أراك رقيقة الجسد / أنا بالقلوب حلاوتي حشيت / فتقطعي من كثرة الحسد). لكن اغلبهم وصل إلي رأي جامع بين الحسنيين في القطائف والكنافة، فقال الشاعر مصلح ذات البين: (وقطائف مقرونة بكنافة / من فوقهن السكر المذرور / هاتيك تطربني بنظم رائق / ويؤرقني من هذه المنثور). وقد جمع الحافظ “جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي” المولود عام 849 هـ في كتاب أسماه: “منهل اللطائف في الكنافة والقطائف” كثيرا مما قال الشعراء في باب الكنافة والقطائف!، ويبدو أن الشعب المصري كله يشجع القطائف والكنافة معا ولا يتحزب لأحدهما دون الآخر، فمن طريف ما يروي أن المصرين تقدموا إلي المحتسب بشكوى منظومة يتظلمون فيها من ارتفاع ثمن القطائف والكنافة وسائر أصناف الحلوي!

خاتمة:
وبعد تلك الرحلة الطريفة مع الأدب في شهر رمضان، ندعو الله تعالي أن يبلغنا شهر رمضان، وننعم فيه بقطائف ثقافية وأخرى إيمانية، وكل عام والقراء جميعًا بخير.