ورقة نقدية.. رواية صبحي فحماوي “قاع البلد” بقلم : بكر السباتين

ابداعات عربية ….
بقلم : بكر السباتين …
رواية تحفيزية تكشف المحظور وتغير في أسباب الهزيمة..
في رواية “قاع البلد” يأخذنا النهرُ المتدفقُ وقد ذابت فيه ملامحُ الأمكنةِ والوجوهُ والقصصُ المتداعيةُ عبرَ متاهاتِ الوجع الفلسطيني إلى منطقة النهار، بعد أن غيبتِ المؤامراتُ ملامحَها، وابتلعت دواماتها تلك التفاصيل الدقيقة التي تقيأها الخطباء والسياسيون قبل امتطائهم صهوةَ اللسان وإطلاقِ العنانِ له كي يفيضَ بالأكاذيب التي وارتِ الجرحَ عن الأنظار، وكان على فحماوي أن يملأ الطواحين بالحقيقة الصادمة لأسباب النكبة؛ كي لا تذهبَ جعجعتُها بعد أن كانت تطحن الوهمَ هدراً.. فيصبح للبوح معنى.. ويخرج من وراء الطحن دقيق.
ففي ملحمته المدهشة تتطوع اللغة المسرودة بكل تياراتها وما تحتويه من انعكاسات للضفاف والصور الجميلة، أو عربدة وتوتر قد تنجم عن تصادم الأحداث بالمفاجآت التي تعترض السياق، ناهيك عن الدخول في دوامات الذاكرة لتنداح دوائر البوح من خلال تيار الشعور، دون أن تتعارض مع سياق المجرى لذلك جاءت التيارات كأنها متهادية لتتناسب وطبيعة الأحداث المتدفقة عبر مسيرة عشرة أيام، جرت في حوار متسلسل طويل بين راويين جمعتهما الظروف في حيز غرفة بائسة بفندق الوادي القديم في قاع البلد (وسط عمان) المحاصر بين جبال العاصمة السبع التي اكتظت باللاجئين الفلسطينيين، حيث الذاكرة المكانية الي شهدت الأحداث المتوالدة أثناء تبادل الحوار، وقد جمعت بين بطل الرواية الرئيس الهربيد عوض، ذلك الراوي الذي جلب النهر إلى مجراه، واستطاع أن يبوح بالخبايا من خلال عربدته في قلب الهزيمة وذلك انتقاماً من الزمن الذي طوح به خارج حدوده المسورة بإرادة المنتصرين، إنه الهربيد الذي يشبه طرزان في بنيته الجسدية التي أنهكتها المخدرات، وأذلت صاحبها عاهرات من عدة طبقات اجتماعية، منذ إقامته في غرفة بائسة بمنافعها حول برك سليمان في بيت لحم، بعد غرق والده الراعي المغبون في سبخة صحراوية دون أن يستطيع إنقاذه، وصولاً إلى لحظة سقوطه المدوي أمام نفسه عندما باع نفسه في سوق النخاسة، منتهكاً كبريائه بثمن بخس مع سيدة ثرية صادفها في سوق الخضار؛ لتأخذه منقاداً إلى منزلها في جبل اللويبدة حيث أطفأ شبقها الجنسي المتصاعد، كان موقفاً ساهم في تأجيج الطاقة السلبية في أعماقه، وعزز من رغبته في تهميش الذات وتدميرها.. إنه الهربيد عوض الذي لم يسعفه قدره من تقييد لسانه المنطلق، وهو يبوح لشريكه في السكن بما يجول في خاطره من أسرار يندى لها الجبين، فبدا كأنه ينتقم من الماضي الذي لا دور له فيه، ولحسن الحظ أن شريكه في الحوار كان يحسن الإصغاء إليه ويتفاعل معه بوعي ومسئولية، ذاك هو طالب الطب الأزهري الطموح والمثابر سامي الناظر.. الراوي الرئيس الذي أنيطت به مهمة رصد مشاعر الهربيد، علماً أن اختلافهما في الشكل والمضمون لم يمنع تلاقيهما إنسانياً، ومحاولة تأثير أحدهما على الآخر؛ إلا أن ما نجم عن تفاعلهما معاً في الليالي العشر التي جمعتهما معاً، كان قد وجَّه النهر نحو النهاية شلال النهاية في ليلة الحسم الحادية عشرة حيث صنعت الأقدار الدهشة وألجمت في عقل القارئ كل التوقعات، لا بل وحولت العربيد الذي هزمته الظروف إلى صانع لمصيره.. فتخيل كيف يفقد الهربيد محبوبته (وظحى) وهو شاب يافع في قريته (مغارة النحل) غرب البحر الميت، ويعجز عن إنقاذ أباه من الغرق، محملاً أمه أسباب انكساره أمام نفسه إذا اتهمها بأنها خانت أباه مع تاجر الأغنام عقله الذي أخذها معه إلى الأزرق شرقي النهر، ثم تنتزعه عواصف الاحتلال من ذاكرته المكانية الجميلة لتطوح به في المنافي فيعيش ذليلاً كالكلاب على الهامش؛ ثم يأتي الكاتب ليهيئ الأسباب الموضوعية التي أدت إلى تحرير  الهربيد من متاهات الضياع والقهر ليجد الطريق أخيراً من خلال انضمامه لخلية فدائية مكونة من ثلاثة رجال تقودهم فدائية تدعى خالدة الحلبي، حيث نفذوا معاً عملية “برتقال يافا” الفدائية، والتي حولت مجرى النهر في حياة الهربيد إلى الشلال، وكما نمت الأخبار إلى الطبيب سامي وهو في القاهرة موضحة بأن الهربيد نجا من العملية، واعتقل؛ ولكن أفرج عنه أخيراً في صفقة تبادل أسرى.. وهكذا يصنع الهربيد قدره.
أصوات الرواة في رواية “قاع البلد” تعددت في مستوياتها بين الحاضر والماضي من خلال الراوي الرئيس المتمثل بالطبيب سامي والذي سجل بعدسته كل تفاصيل البلد ومجريات الأحداث فيها بكل وعي فذكر في سياق ذلك سينما استوديو زهران وبار السنترال المتفرع من المقهى الشهير، وسوق الطلياني للملابس القديمة، ومستشفى الإيطالي، وتفاصيل شارع الملك طلال، لا بل وصف أهم الظواهر السلبية بدقة مثل السحر، والبلطجة، والدعارة، مع مراعاته لطابع المدينة العماني الثقافي والاجتماعي وما طرأ عليه على إثر إغراق جبالها السبع باللاجئين الفلسطينيين؛ لكن هذا الراوي العالم فقد عمد في سياق سرده للأحداث إلى الاستعانة بذاكرة الراوي المساند الآخر والمتمثل بالهربيد، وكان أميناً في نقل تفاصيل مكوناتها من حيث الأمكنة والشخوص والأحداث التي اعتنى في وصفها بدقة شديدة، واستطاع أن يدخل القارئ إلى أجوائها ويتفاعل معها دون أن يُحَرِّفَ في مشاعر راويها وطريقة سردها ونبرة الصوت التي تراوحت بين التوتر والهدوء..
كتبت رواية “قاع البلد” بلغة مفعمة بالحياة، وبأسلوب سردي متعدد المستويات، تخللتها صور شعرية جميلة وظفت دون إسراف.. وبدا أن الكاتب متأثرٌ بمدرسة محفوظ الواقعية، المدججة بالرموز ذات الدلالات المحسوبة بوعي واقتدار رغم طابعها التسجيلي في بعض الأحيان حيث منحها الخيال خصوبة وأمطر قمحها بالمياه..
لقد وفق فحماوي في إدخال بعض النكهات الساخرة التي اشتهر بها في سياق حواراته المباشرة أو من خلال تيار الوعي، متأثراً في ذلك بمدرسة توفيق الحكيم.. لكنه أيضاً انفتح بوعي مدروس على الموروث الديني والأساطير الكنعانية وبعض العادات والتقاليد المرتبطة بالسحر وطقوسه بما يخدم السياق العام، ما جعل واقعية فحماوي تقترب بعض الشيء من الواقعية السحرية التي اشتهر بها أدب أمريكا اللاتينية.
في نهاية المطاف، تعتبر رواية ” قاع البلد” منجزاً أدبياً يستحق الاهتمام، لا بل أوصي بتقديمها للسينما لأنها تحمل الكثير من القضايا في طياتها، وتعالج معوقات التغيير نحو الأفضل، والأهم أنها تبحث في أسباب نكبة فلسطين من زاوية خاصة تبدأ بهزيمة العقل العربي أمام الذات التي نكست هامتها بعد نكسة حزيران، ثم الانتصار بعد ذلك في معركة الكرامة التي أعادت للعقل العربي ثقته بنفسه ووضعت المهزومين على طريق التغيير.
إنها رواية تحفيزية تكشف المحظور وتغير في أسباب الهزيمة.. وتحتوي على طاقة الانبعاث من جديد والتغيير