وفاة العالِم ستيفن هوكينغ تُعـــرّي عجزَ العقل العربي – بقلم : لطيفة الحياة

منوعات ….
بقلم : لطيفة الحياة – المغرب
أثارني الجدل الذي خلقه خبر وفاة العالِم البريطاني ستيفين هوكينغ (1942-2018) في أوساط النشطاء العرب. فبينما انشغل العالَـم بالحزن على الرجل والاشادة بعبقرتيه واتقاد عقله، وما خلَّفـه من نظريات فيزيائية في تفسير الكون وقوانينه، انشغل بعضنا بمحاكمته والسخرية من قناعاته. فبدل أن يناقشوا خلاصاتِه ونتائجَه العلميةَ، خاضوا في ايمانه ومصيره بعد الموت متسائلين: هل ستيفين مؤمن أم كافر؟؟؟ هل سيدخل الجنة أم النار؟ هل يجوز الترحم عليه أم لا؟
الجميل في هذه الأسئلة أنها تُعـرّي سَـوْءةَ العقل العربي الذي يخفي بطالتَه وعجزَه العِلْمي خلف ما أسماه بـ” الاعجاز العلمي في القرءان”. أما الخطير فيها فكونها تعكس عقلية إبليسية تجعل صاحبَها يتوهم نفسَه في موقع أعلى وأفضل من كل باحث متأمل متفكر، كما توهم ابليس أنه خير من ءادم وأفضل منه، لأنه مخلوق من نار لا من طين. عقلية من يحسب نفسه مالكا للحقيقة التامة والأجوبة النهائية، فقط لأنه مسلم ومؤمن بالوراثة. عقلية تتحدث بيقينية قاتلة مرجعُها سلسلة (عن فلان عن علان عن رسول الله). عقلية تمتهن الوصايةَ والرقابةَ حد محاسبة الناس ومحاكمتهم، بل وتحديد مصائرهم بعد الموت المادي. إنها عقلية لا تخجل من نفسِها حينما تضع اللهَ تحت أمرها، فتُملي عليه ما يفعله وما لا يفعله بخصوص علماء خالفوا معتقداتهم وقناعاتهم التراثية الجاهزة.
وأنا أتأمل عجز هذه العقلية عن الإنتاج في مقابل تعويضه بالتعالي والطغيان والتسلط، تذكرت ما قاله الدكتور محمد شحرور: (العقل العربي عاجز عن إنتاج المعرفة للأسباب التالية:
1-هو عقل ترادفي، يستخدم الشعر في التعبير، والشعر لا يعيبه الترادف، فليس على الشاعر أن يفرق بين الأب والوالد في قصائده. فالعرب أنتجوا ثلاثة آلاف شاعر في القرن العشرين، ولم ينتجوا عالماً واحداً. إننا لم نتعلم من الأوربيين إنتاج المعرفة، أما اليابانيون فقد فعلوا ذلك.
2-هو عقل قياسي، يحتاج إلى نسخة أصلية ليقيس عليها. والعقل العربي عقل قياسي سواء كان مؤمناً أو ملحداً. فالمؤمن يقيس على حياة القرن السابع، والملحد يقيس على حياة الاتحاد السوفييتي سابقاً والصين حالياً.
3هو عقل يسأل عن المسموح والممنوع قبل أن يسأل عن الموجود وغير الموجود، أي يسأل عن الجوال: هل هو حرام أم حلال قبل أن يسأل عن الأسس العلمية للجوال وكيف يعمل، وهذا يتناسب تماماً مع السلطة المستبدة).
وبناء عليه، شغل القياس والسؤال عن الحلال والحرام هذا العقل، مما حرفه عن وظيفته الوجودية المتمثلة في فعل التدبر والتفكر والتعقل. هذه الوظيفة التي تمنحه القدرة على الابداع والانتاج والتطور والنمو. وهي جوهر صلة الأبناء (المسلمين) بالأب (النبي إبراهيم) الذي طالب ربه بأن يريه (كيف) يحي الموتى، ليطمئن قلبه (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) سورة البقرة 260.
ونفهم من هذا، أن النبي ابراهيم (الأب) ركز سؤاله لربه على الكيفية التي بها يٌحي الموتى، أي كيف يتحول الموتى إلى أحياء. لقد اهتم بحال وصفة ذلك التحول من حالة الموت إلى حالة الحياة، لكي يطمئن قلبه. والقلب في القرءان غير الفؤاد كما لا علاقة له بتلك العضلة التي تضخ الدم في الجسد. إنه ما يمنحنا القدرة على التعقل الذي يتحقق بفعل السير في الأرض(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) سورة الحج، الآية 46.
وإلى هنا أختم مقالي بالقول: إن أبناء الأب إبراهيم هم الذين يصلون صلاته الوجودية. أولئك الذين يسيرون في الأرض ولهم قلوب يعقلون بها حيثما حلوا وارتحلوا. أولئك الذين يهتمون بالسؤال عن الكيفية التي يتم بها الانتقال والتحول من حالة إلى حالة أرقى منها.