ست قصص قصيرة – بقلم بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين ..
(1)
(الفخ والأعمى)
دخل شراكهم من حيث لا يدري. كل شيء كان مُعداً للسقوط في براثنهم..
قال في نفسه والكمد يعتصر قلبه:
” حينما طلبت منهم قراءة النص الذي يتوجب تذييله بتوقيعي تضاربت العبارات على ألسنتهم، ترى ما سر ارتباكهم إزاء أسئلتي الواضحة!”.
كلهم يبشرونه بصفقة العمر التي سيكسب من ورائها الملايين..
” كيف أفهم حبهم الغامر والمفاجئ لي! في طبختهم رائحة احتراق مريبة، لا يولم الأعمى المغبون على موائد اللئام دون أن يتجرع سمهم الزعاف!”..
حتى محامي الأسرة قلب العقد بيديه وجعل يقرأ بصوته الرتيب بنود العقد المثقل بالتواقيع التي جمعت البائع بالمشتري والشهود..
تساءل مرتبكاً والشكوك تثير في عقله الحفيظة وتبعث في قلبه الامتعاض:
” كيف أوقع على صفقة يهمس لي مضمونها بالريبة”.
الحفل المحيط به يضج بالضحك ولانبساط. كانت أخته غير الشقيقة تطبع القبل على جبينه وهي تحرضه على التوقيع:
” وقع يا حبيبي”.
أما شقيقه مهندس الديكور فجعل يربت بيده على كتفه هامساً:
” وصية الحاج ستنفذ بحذافيرها! كيف لا وقد وصانا عليك.. ربما أنت أعمى؛ لكننا عيناك التي ترى بهما”.
دخل ابن الحارس الزنجي بالعصائر، كان الأعمى يصيخ السمع إلى دبيب أقدامه وهي تطوف بين المحتفلين، وكان بوسعه أن يتلمس حركته أثناء توزيعه الأكواب على الضيوف المتلهفين لإنهاء تواقيع العقد وعيونهم شاخصة في الضرير كأنها لا ترى غيره.. مسَّد الأعمى على عينيه بالسبابة والإبهام.. وأصغى باهتمام لحركة ابن الحارس ثم نادى عليه هامساً بعد أن لامس كتفه بأطراف أنامله.. اقترب ابن الحارس من أذني الأعمى دون أن يلفت انتباه المتربصين به، وانفرجت أساريره حينما استعلم عن دراسته باهتمام شديد:
” هل دروس القرآن التي أتابعك فيها سماعياً تفيدك في شيء”. فيجيب الفتى بافتخار:
“أنا الآن يا سيدي أحسن القراءة بطلاقة”.
ضغط الأعمى على يده وأسر له بأمر لم ينتبه إليه أحد:
” استرق النظر إلى بنود الورقة التي أضع يدي عليها واقرأها ثم اهمس لي بما تفهمه منها”..
وفي لحظات أمعن الأعمى السمع وسط الهرج والمرج لابن الحارس الذي انهمك والعرق يتصبب من جبينه بشرح ما علق في ذهنه:
” أقرّ أنا بالتنازل عن كافة حقوقي بالبيت والمزرعة و..!!” فاستوقفه الأعمى برعدة من يده هزت كيانه، وانتفض مزلزلاً الحفل وقد قلب الطاولة بما فيها على الضيوف متوعداً:
” أخرجوا يا سفلة!
(2)
(رجل يتقلب في حاوية النفايات)
ألقم فمه بلفافة تبغ وراح يستعرض فشله اليومي في البحث عن عمل.. تخيل نفسه كقطة منبوذة لا تجد قراها إلا في مكب النفايات خلف المطاعم وفي الأزقة المتوارية خلف البيوت..
يزحف إلى قوت يومه كالجرذ الذي تطوقه عيون القطط الجائعة والمكشرة عن أنيابها..
هذه المرة تخيل زوجته تنتظر منه خبراً يشعل الأمل في ظلام حياتهما.. فيلمح في عيون أبنائه اسئلة مبهمة بريئة تلح عليه كي يجلب لهم الهدايا كأقرانهم من الجيران.. لن يعود إلى بيته خالي الوفاض، ثمة ما يدفعه باتجاه ذلك الركن من الزقاق.. هل بوسعه لو بحث بين مخلفات هذه المطاعم أن يجد ما يسد رمق أبنائه المقموعين من الفقر المدقع.. فراح يعبث في حاوية النفايات عن شيء ما.. القطط التي تحتكر مونة المطاعم فزعت وأحاطت به مستنفرة.. لم يأبه بها بل راح يحرك الأكياس الفاخرة ليجد ما لذ وطاب من أطعمة لم تلمسها أنامل أصحابها.. وراح يستصلح ما يناسب وجبة الليلة من المشاوي والمقالي وقد أصابته الدهشة.. حتى اللحظة المثيرة التي لامس فيها ظهره رأس عكاز لأحدهم؛ وجاءه الصوت من خلفه مجلجلاً:
“لستُ مجبوراً بأهلك يا هذا.. أترك قمامتنا وابحث عن رزقك في مكان آخر”.
كاد ينشب أظافره في رقبة الرجل الأنيق المطقم ذي الوجه المورق بنعومة وثراء.. وكان الغضب يتوقد في عينيه المتهكمتين. لولا الرد الذي استجمعه في رأسه ليبصقه على وجه هذا التافه.. ربما جاء ليبحث عن قوته في هذا الركن المعتم من مدينة لا تهجع مطاعمها ولا مقاهيها الراقية.. طقمه الذي يرتديه ربما أفضل من لباس هذا الثري التافه.. ورغم عناء البحث عن عمل طوال اليوم؛ فقد كان أمثاله يوصدون الباب في وجهه إذا ما استبدل طلبه بصاحب واسطة من هؤلاء.. قال له هازئاً :
“أدهشتني!! وكأنني رأيتك قبل لحظات في قاع الحاوية تتقلب فوق مخلفات مطعمك.. أشبع بها.. ورزقي على الله”.
(3)
(قليلُ النخوة)
طُرِقَ على الباب بقوة، شيء يشبه الاقتحام.. كأنها عتلة نجار أخذ يستعيد بابه الذي تخلف صاحبه عن سداد ثمنه، هكذا كان حال الأستاذ جواد الغارق في الديون المتراكمة كالغبار حتى انقبضت أنفاسه المتحشرجة وأزرقت أوداجه المنتفخة التي غاص فيها رأسه الصغير المثقل بهموم الدنيا ومشاغلها.. والباب يطرق بقوة، فأعقب ذلك نقرٌ على زجاجِ النافذَةِ، بجوارِ الكنبَةِ التي كان يتمدد عليها الأستاذ جواد حيث أركنت بجوارها منضدة صغيرة عليها منفضة سجائر فخارية مكسورة الحواف، وقد اغبر سطحها بالسكن الأسود وبعض أعقاب السجائر المهروسة حتى ترك بعضها أثر حروق شوهت سطحها الخشبي، فمثل هذه الأجواء كانت تثير جواد حتى ترتعد فرائصه.. فهو قد استنفذ كل وسائل المواجهة والمحاججة حتى نفدت من أعماقه طاقة الصمود أمام الدائنين وخرَّ صريع الخوف والإحراج إلى درجة البلادة؛ لكنَّ الصوتَ في الخارجِ ما لبث يدبُّ موقظاً الجيران:
“يا رجلُ ما جئتكَ طلّاباً لديني ..فماذا تعني المئةُ دينار التي أسعفتك بها قبلَ شهرٍ وقرفتني العيشةَ لأجلها”.
ثم أكمل الرجل بخبث شديد وبصوتٍ خفيض كأنه الفحيح:
“يا أخي حابب أشرب معك فنجان قهوة يا نكدي”..
لكنَّ الرجلَ الذي لا يُلدَغُ من جُحْرِهِ مرتيْن، آثرَ الإنخمادَ كجثة ٍهامدةٍ؛ كيْ لا يكلفهُ فِنجانُ القهوةِ توبيخَاً من قِبَلِ الضيفِ الذي جعلَ ينعقُ كالغراب في الخارج، وأنامِلُهُ الغليظةُ تُخَرْمشُ سطحَ البابِ كمَخالبِ الضَبْعِ المناجزِ لفريستِهِ المُختبئةِ. وأخذ يتساءَلُ حينئذْ صاحبُنا في سره مغتاظاً:
” وهلْ لديَّ قهوةٌ منْ أصلِهِ أضَيِّفُ بِها هذا المخلوق النهم؟!” ثم راح جواد يتجاهل الرجلَ الغاضبَ في الخارجِ الذي قادَهُ اليأسُ أخيراً لأنْ يعودَ أدراجَهَ؛ متوعداً بذاتِ النَبْرَةِ:
“ستهربُ مني إلى أينْ يا قليلَ النخوة
(4)
(المارد تخيفه الأمنيات)
لعقته بلساني حين دفعه زبد البحر إليّ وأنا في انتظار بحارة تاهت بهم الغياهب وطوتهم الأساطير.. فانبعث من قلب المصباح القديم ماردٌ راح يظللني بقامته المديدة الضخمة كأنه سحابة مليئة بالوعود.. خاطبني كعبد مطيع وهو يبدي استعداده بصوته المزلزل الخاضع بأن يلبي ما تشتهيه نفسي من أمنيات.. فسارعت بعد أن تجردت من الخوف.. واستكانت فرائصي عن الخفقان..قلت بحماس:
“نعم .. أمنية وحيدة فحسب.. أريدها لنفسي.. ولك مني حرية تستحقها بجدارة الفرسان.. أحضر لي من عالم الواقع رجلاً اسمه الفساد وشقيقه الظلم وابن عمها الغلاء.. أيها المارد الحكيم وعدك لي دين لا بد من الالتزام به…. أريد أن أصل دكان الحاج عطا لشراء لوازم البيت بالسعر الطبيعي دون أن يغشني في البيع والشراء.. أو يدوس ابنه الأزعر لي على طرف.. هذا ما أتمناه في زمن التردي والأفول.. العدالة .. هل طلباتي مجابة لديك!؟”.
أغمضت عيني وأنا في حالة ترقب أسطورية لحادث جلل سيغير مسيرة حياتي؛ ربما إلى الأبد:
“الآن سأحمل ما لذ وطاب وما خف حملة بالدنانير القليلة التي بيدي”..
ومن يومها.. وأنا أبحث عن المارد الذي فر إلى المصباح السحري منزوياً في ركنه مهزوماً:
” كفَّ عني أيها الطماع.. طلبك محال في زمن الخصيان.. زمن تشرق فيه الشمس من غسق المغيب وتغرب من الأفق الشرقي.. زمن تدور فيه الأرض عكس عقارب الساعة.. زمن يغادر فيه البحارة الموانئ فتعيدهم الخيبة إلى بيوتهم المهجورة دون سمك.. بلد العرافات وهن يماحكن العلماء بالمعرفة. وقراءة الكف”.
ومن يومها لم أعد أصدق وعود الغيم بالمطر كلما تذكرت المارد المنتفخ بوعود جوفاء لأكتشف بأنها لا تعبئ حتى الركن الضيق الذي يقبع فيه المارد المرتعد داخل الفانوس. واكتشفت بأن السندباد حينما غادر المدن الآهلة بالسكان كان قد اكتشف تفاهة عالم البر فاختار الأساطير كي يصنع عالمه.. وفجأة.. طغى على تفكيري المأزوم سؤال محير..ترى هل نستطيع صناعة عالم نريده بين أحبتنا بعيداً عن غطرسة الجني وهروب السندباد الأبدي!!؟.. فيعود البحارة إلى بيوتهم العامرة بعد أن يدفنوا في الجزر النائية كل الرجال الذين خاف منهم المارد الرعديد.
(6)
(صيد وشواء)
خلص ابن الذوات من المشرد البائس الحمامة النازفة باكياً شاكياً بخبث موروث، فانهالت الكلابُ على غريمِه تعضُّه منْ كلِّ جنبٍ وطرف؛ وما بكى صاحبنا رغم الجروح الغائرة التي أصابته.. لافتَا بذلك انتباهَ أحدِ المارةِ وقد هاله أنَّ المشردَ الذي نهشته كلابُ الصيدِ بأنيابها ومخالبها دون رحمة منها أو شفقة من صاحبها الذي أكسبته السلطة بلادة الوحوش الكاسرة، قد تبلدت أطرافُه من الخوف.. ويبدو أن الحمامةُ التي عثرَ بها المشرد في طريقهِ كانت من صيدِ ابن الذوات الذي جعل يشتم عرضة حتى اختطق السعال آخر كلماته القذرة .. فجنى على نفسه متعوس الحظ وأدمت الخيبة جسده الواهن حتى بان قفصه الصدري!!.. فقال له الرجل ذو اللحية البيضاء الطويلة موبخاً والمسبحة معلقة على جيده:
“تستحق ما جرى لك! أتلاحقون الناس بأرزاقهم!! حسبي الله ونعم الوكيل”.
فاغرورقت عينا المشردِ بالدموع إزاء ذلك كأنّه يستجدي عطف الرجل متوسلاً.. لكنَّ الرجلَ تركه يتحسس أطرافه بألم مكبوت.. فلمّا خلا المشردُ بنفسه أجهش بالبكاء..فيما الرجلُ تبتلعه الطريق.. وابن الذوات يغيب هو الآخر لاهياً في بحثه الدءوب عن فريسةٍ أخرى يحتفي بشوائها؛ بمعية كلابه التي ملأت الأرجاءَ بالنباح.
بقلم بكر السباتين
قصة قصيرة
(يا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا)
توسدت سلمى ذراعَ والدها الذي بللته بدموعها السخية.. وأحست وهو يحتضنها برفق كأن والدتها تتوسد قلبه الشفوق الذي لم يباعد بينهما الفراق رغم موتها البعيد القريب، وكان بوسعها سماع صوته الشجي الملتهج بالدعاء بعد كل صلاة:
“رحمها الله فصورتها تحتل كل الأماكن التي تحيط بنا، وتتملك أفئدتنا، عبقها يأبى يا ابنتي الرحيل من بيننا، كأنها ياسمينة الدار وهي تظلل الحديقة فتتسلق السنديانة المتوارية التي غرسناها معاً”..
كان خفقان قلبه المحفول بالذكريات الطيبة، يبوح بخلجات والدتها، وهي تبارك رغبتها بالزواج من الممرض عزام الذي تحب وتهوى.. بقامته المديدة ووجهه المورق بابتسامة لا تفارق محياه، ونظراته المنفتحة على الحياة بكل ما في التفاؤل من عبق يغمر الأنوف ويحيي القلوب، كأنه نخلة تعج بأعشاش الطيور من فرط شهامته ومحبته للناس.. ذلك الشاب اليافع الذي كانت تعرفه والدتها حق المعرفة وهو يتناوب على راحتها أثناء مرضها في المستشفى الحكومي، وكأنه من افراد الأسرة.. وها هو الهذيان يطوف بسلمى في امكنة مهجورة حتى شعرت بالوحدة والضجر، فتستسلم للبوح كأن فيه خلاصها، وطيف والدتها يقف أمامها يائساً، يستمع إليها حتى النهاية دون أن يفعل لها شيئاً:
” الزمن تغير يا أماه، ووالدي يريدها مني زيجة تتجاوز اعترافي لزوج المستقبل عزام بالحقيقة المرة! لا يريد بأن يطرأ في الأمر ما يعكر صفو علاقتي بحبيبي الذي اختاره قلبي الواجف المهزوز؛ حتى يتم الزواج ولو على غش.. أما أشقائي سامحهم الله فقد تكاتفوا مع الشيطان لمنع هذه الزيجة! لا يريدونها يا غاليتي لأنني صفقة مربحة بالنسبة لهم، سيرثون من بعدي الدكان الذي ورثته منك يا أعز الناس.. ودروبي إلى الغياب مفتوحة وتلح عليّ بالرحيل.. يفعلون ذلك بشتى السبل؛ كي لا يرثني الجبيب عند الموت الزؤام، فطريقي إليه سالكة كما تعلمين ورحابك في الغياب تنتظر طلتي”.
هذه المرة كان نشيج بكاء والدها مسموع إلى درجة الحرج بعد أن طوى سجادة الصلاة، كانت سلمى قد تسللت إليه لتريح رأسها المصدوح على ركبته، وجعلت تتمرغ على حجره وفي جعبتها مواضيع كثيرة لا بد من طرحها عليه، الأمر لا يحتمل التأجيل، لكن والدها خلص فخذيه اللتين أصابهما الخدر من تحت رأسها المتعب بعد أن تلمس غايتها، نائياً بنفسه إلى الشرفة كي يختلي بنفسه مع أحزانه؛ لكنها لم تتركه هذه المرة، ولحقت به كي تنقل إليه قرارها في أن تعترف لحبيبها عزام بمصابها حتى لا يتحول الزواج إلى مكيدة محبوكة بمسلة الشيطان! خرجت إلى والدها الغارق في أحزانه تغني له أغنية فيروزية كانت ترددها والدتها على مسامعه قبل أن يطوي الغياب أثرها الطاهر:
“يا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا
بتموج متل العيد و همك متعبنا
إشتقنا لمواعيد بكينا تعذبنا
يا جبل اللي بعيد قول لحبايبنا
بعدو الحبايب بيبعدو بعدو الحبايب
عجبل عالي بيبعدو و القلب دايب”
وكأنها كوت قلبه فاستسلم للبكاء وهي مسترسلة بالغناء. لكن المصيبة التي باغتتها هي تلك المكالمة الغامضة التي غافلت فرحها.. حبيبها في الجانب الآخر يضرم النيران في الهشيم! إذ باغتها بصوته المتوتر:
” لا بد من فسخ الخطوبة يا سلمى؛ فلدي الأسباب الموضوعية لذلك”.
قال ذلك ثم استلبه الصمت..
ماذا!!..
أيتحرر بكل بساطة من الحب الذي جمع بينهما طويلاً!
هل حقاً ما كانت تتناقله الألسن في أن عزام كان يبدل حبيباته كالخاتم في أصابعه العشرة كما أشاع عنه أشقائها فكذبتهم حينذاك!!
لماذا كانت تثق به إذاً!
وكانت الأسئلة الجارحة تدمي قلب سلمى بقسوة:
” هل كنت ألعوبته التي توجب عليه نفضها من حياته كالغبار!أم أن أشقائي صارحوه بالحقيقة الموجعة في أنني مصابة بمرض العضال، فلم يحتمل أن يقيم حياته مع مريضة أوشكت على الموت..
معه حق! فالموت سيطويني على عجل قبل أن أصل إلى أول قبلة موعودة بيننا؛ حينما نحل لبعضنا.. لن أبكي بعد اليوم ما دمت سأطيع أشقائي بمراجعة مركز السرطان! ولتهنأ بحبيبة أخرى يا عزام متمنية لكما السعادة!”.
أخذت سلمى تمسد عينيها الجميلتين الكحيلتين بإبهامها ثم تمرر أناملها على شعرها الحريري بارتعاد:
” هل ستفتقد هذه الخصل من شعري يا عزام، لا ريب أنك تتذكرها وقد أدهشتك نعومتها ذات يوم، وها هي في طريقها إلى الجز بفعل العلاج بالكيماوي! أم..! لا بأس يا عزام، على الأقل فلولا أنها جاءت منك مبادرة قطع الوصال؛ لبادرت إليها أنا شخصياً وقد قررت الأمر قبل مكالمتك بدقائق.. الزواج قسمة ونصيب”.
وفي اليوم التالي كانت جولة سلمى مع الكيماوي أقل وطأةً من ألم الفراق لحبيبها الذي ودعها بمكالمة مبهمة وقاسية..
” أإلى هذا ىالحد هي الحياة قاسية كئيبة! فكيف يدوس ذلك الحبيب على قلبي دون أن يفصح لي عن الأسباب! يوجه إليّ سهامه بغتة فيقول بأنه لا يحتمل الزواج مني ولا يحسن الاستمرار في طريق خداعي!! واحسرتا”..
خرجت سلمى محمولة على أكتاف شقيقيها يتقدمهما رجل متهالك من الألم كان يصلي لله كي يحفظ ابنته الجميلة:
” ليتني أموت قبلها”.
وبغتة..
الرياح في الخارج تفزع الأشياء وتحدث قرقعة غير معتادة، والأبواب تغلق على المرضى من شدة البرد، ثم يعقب كل ذلك هدير رعد مدوي، ثم هطول زخات من المطر أخذت تشطف القلوب وتريح الأنفس، سوى سلمى التي كانت غارقة في الخوف، وتبحث في ذاكرتها الآفلة عن صورة الحبيب الخائن الذي تركها في أصعب الظروف!
لكنه القدر الذي دفعه أمامها فجأة، هذه المرة كأنها السماء أمطرت قمحاً فوق بيوت الصفيح التي يتلمس المحرومون الأمان في أركانها.
حبيب قلبها عزام جاء يسأل عنها متلهفاً مفجوعاً، عيناه غائرتان وفي وجهه صفرة الموت كمن شارف على السقوط في هاوية الغياب! ما الذي يجري وقد اندفع إليها باكياً كالصغار!يسابق الرياح التي تدفقت عبر بوابة المستشفى إلى الممرات وصولاً إلى غرفتها، وها هو يرتمي على صدرها النابض والحرقة تأكل قلبه المكسور:
“أهذه أنت يا حبيبتي!”
لكنها همست له معاتبة:
” كنت سأعترف لك بمرضي قبل إعمالك السكين في قلبي! ها أنا كما تراني عاجزة! ولن تجد عندي مفاتن الحياة ومتعتها.. مجرد رقم علق على هذا السرير”.
لكن الصدمة التي خلعت قلبها من جذوره، جاءت من طلب الطبيب إليهما بإلحاح:
” الآن دورك يا عزام.. الأجهزة معدة لك.. هيا إلى جلسة الكيماوي!!”
ربت حبيبها على كتفها وقد اغرورقت عيناه العسليتين بالدموع، همس بصوته الواهن:
“كنت سأعترف لك بمرضي، نعم رفضت إتمام الزواج حتى لا تغمرك التعاسة بعد فراقي، ولم أكن أدري بأن مصابنا واحد، علمت بالأمر لتوي من موظفة الاستقبال، دهشت حينما لمحتك تساقين إلى الطوارئ فيصاب قلبي بالهلع.
آه يا سلمى.. في عينيك بريق حياة تأنف الغياب، فراشة الود تتهادى على شموعهما كأنه الشفاء العاجل يرف بأجنحته حول وجهك الملائكي الجميل، أنا سعيد بوجودي معك، ولن نفترق ما دام نبضي يسري في جسدك المتماسك يا مهجة الروح”.
هذا ما كان سيبوح به عزام لحبيبته سلمى:
“نعم أنا مصاب بمرض العضال، السرطان ينهش مثانتي، كارثة وجدت أن أتصدى لها لوحدي! لكنني ومنذ اليوم سأستمر معك في حياة يحاصرنا فيها الأمل، سنواجه السرطان بقلوب مؤمنة.. لن أخاف منذ اليوم ومعركتنا في الحياة واحدة”.
لا تدري سلمى كيف انتعش قلبها بالأمل وامتلأ بالرجاْ، وعزام يغادرها بعد أن ضغط على يدها فأكسب جسدها المنهك طاقة وحياة، فيما أعجبتها حبيبات المطر وهي تسيل على النافذة العالية كأنها تفتح شرايين المستقبل وتغذيها بالأمل الذي تواصلت زخاته المرعدة في سماء المدينة الرمادية.. ثم لمع بريق عيني والدتها في الغرفة عبر النافذة المشطوفة بالمطر الذي همى على قلبها الملتهج بالدعاء مدراراً.
“الله يشفيك يا عزام”.