القصة …
قصة : د. أماني العطوي – مصر …
لم يستطع عقلها الصغير يوم أن رأيتها استيعاب كيف يمكن أن تكون هذه الفتاه التى تكبرها بأعوام قليلة زوجة لمختار.. ذلك الرجل اليابس ذو العيون الكليلة ونظرته التي ينطق كل ما فيها بالذبول..
كيف لهذه الطفلة أن تصبح زوجته الثانية خلفا لزوجته الأربعينية “مستورة” التى عجزت عن الإنجاب، رغم أنها لم تكن تدرى ما هو الزواج أصلاً.؟ إلا أنها لم تستطع مقاومة الإحساس الذي داهمها بالشفقة تجاه أم احمد.. ذلك أنها كانت تخاف مختار وتراه دميما ربما لم يكن دميما بهذا القدر لكنها كانت لا تطيقه منذ رأته يرمى ثلاثة كلاب وليدة من فوق سطوح منزلهم القديم فلفظوا أنفاسهم في التو، ولم تنس منظر أمهم ودموعها وهى تتشممهم.. ولم تنس هذا المشهد وقسوته أبدا رغم مرور الأعوام. يومها سمعت مقولة إحدى عجائز الحارة “لو كان داق معزة الضنا ما كانش هان عليه يفجع الكلبة بأولادها”.!
جميلة التقاطيع كانت.. سمعت من أمى أنها كانت تعاني مرضاً صدرياً ربما كان سببا في قبول عائلتها الفقيرة بالزيجة ليأسهم من أن يتزوجها أحد من أهل قريتهم البائسة لعلم الجميع بمرضها…
كانت أميل الى القصر مستديرة الوجه مع امتلاء جسدي محبب لا يخلو من انحناءات.. يومها حمدتُ الله على نعمة أبي وأمي، وأننى لن أضطر يوماً لمواجهة مصير أم أحمد.. كنا نسمى بيتهم في شارعنا بالدار الجوانية.. كان آخر مبنى بالطين اللبن فيه.
كان مقسما لأربعة قاعات يقطن كل واحدة منها أخ من إخوة مختار ومعه عائلته، وواحدة للست الكبيرة “الحاجة فاطنة” كما كانوا يدعوها.. ورغم الفقر االواضح على المنزل الا أنه كان مصدر بهجة للحي بأكمله فقد كان فيه أكبر فرن قش في الشارع، حيث تجتمع النساء لخبز العيش.. وطالما شهد ذكريات لاتنسى.. خبز للأفراح وأيضاً للمآتم ومناسبات البناء.. ولكن قبيل رمضان كانت احتفالية كبرى فيظل الفرن مشتعلا أياما متواصلة فيما يدعى بـ”خبيز رمضان”. كنت احب هذه المناسبات وكانوا يجاملوني مع إخوتي بفطيرة سكر أو بصلة مشوية، لذلك طالما لعبنا حولهم وكنت أرى أم أحمد هناك.. جميلة بضة وأتعجب كيف ارتضت أن تصبح زوجه لمختار رغم الفارق العمرى الكبير وأشياء أخرى كثيرة.. بدأت القاعات تخلو تباعا..
وحدها بقيت قاعة مختار وأم احمد..
لم يكن لهما من جيران ملاصقين إلا منزل ابن عمه سليم.. وكانا يتشاركان تقريبا سطح المنزل.. وسليم لمن لا يعرف كان مثالا للرجل العويل أو كان البعض يراه مثالا للبخت المايل كما يقولون.. لاشغلة ولا مشغلة.. لم يفلح بصنعة ولا بسفر ولم يحاول أن يعمل حتى قهوجياً مثل مختار.. اعتمد في معيشته على زوجته الجميلة رضا والتي جربت العمل كخياطة أو مربيه أو بائعة خضار.. ولم تكف يوما عن إنجاب الأطفال.. وبقي سليم لـ”خناق دبّان وشه” كما يقول المثل الشعبي، ولمناقرة ستات الحي على ترتيب ملابسهم ع الحبال.. رغم أن أحدا لم يتدخل يوما لسؤاله عن أصدقائه الذين كانوا يفوقونه ماديا بمراحل.. عرفان الفكهاني.. عبده الجزار.. الأستاذ طلعت صاحب محل الأجهزة الكهربية.. اجتمعوا جميعا على السهر عنده.. وكانوا جميعا يدخلون محملين بالهدايا بمناسبة وبدون مناسبة.
سعد الكثيرون بحمل أم أحمد.. أنجبت طفلا جميلا مثلها.. لكن مختار كان يتدهور صحيً إلى الأسوأ، كان البعض يزوره ولكن أحدهم واسمه رمضان كان يزوره بشكل دائم.. وبقيت أم أحمد في خدمة زوجها إلى أن توفاه الله..
ارتدت السواد لفترة ثم خلعته وبقيت كما هى تعيش في القاعة بالدار “الجوانية”.. رغم ملاسنة سليم وزوجته بشأنها لم تهتم ولم يهتم أحد بذلك.. إلى أن استيقظنا جميعا ذات ليلة على ضجة وأصوات صراخ استطعت أن أميز فيها صوت أم احمد الذبيح.
تلصص عليها سليم وزوجته إلى أن امسك برمضان في حجرتها ذات ليلة وأخرجوها إلى الشارع ..كانت غير قادرة على التقاط أنفاسها وشعرها متهدل على أكتافها وتبكي بحرقة وسط الناس فيما يقف سليم ينظر تجاهها نظرة المظفر..
كانت آخر مرة شاهدت فيها أم أحمد.. يومها جاء أهلها وأغلقوا الدار واصطحبوها وطفلها إلى قريتهم ..لم يطل بها الوقت إذ علمنا بعدها بوفاتها ولم تتعد الخامسة والعشرين تاركة طفلها الرضيع يحبو.. ماتت وما زال سليم إلى يومنا هذا ينعم بهدايا زواره ويستقبل أصدقاءه.!





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

