كفر برعم * ( النجمة تعني أن القرية مدمرة ,وأنها لم تذكر في الطبعة الثانية. ) بقلم : فؤاد عبد النور

دراسات ….
بقلم : فؤاد عبد النور – المانيا …
زرت قرية كفر برعم عدة مرات قبل أكثر من ربع قرن أثناء البحث الميداني للطبعة الأولى من هذا الكتاب. وبحثت عن أهلها،  وعن كل ما يمكن أن يكون قد كُتب عنها. أقتطف هنا بعض الصفحات من الطبعة الثانية  قبل أن أُغطّي نضالها الحالي الذي لم يفتُر،  بالعكس الجيل الثاني والثالث والرابع من مهجّري القرية مناضلون أشداء عن حقٍّ وحقيق!
أبدأ بكتاب الخوري يوسف اسطفان سوسان ” يوميات برعمية 1948 – 1968 ” :
” رفعت القرية راية الاستسلام في 29 \ 10 \ 48 ، وفُرض منع التجول على القرية مدة ثلاثة أيام. ولما تأكّد الجيش عدم وجود مسلحين فيها،  رفع حظر التجول،  وسمح برعي المواشي في الأراضي الجنوبية للقرية،  وبدأت الحياة تستعيد شكلها الطبيعي.
” في 7 \ 11 \ 48 أحصيت القرية. في 13 \ 11 أُمر السكان بوجوب ترك القرية خلال 48 ساعة،  ولمسافة 5 كم. من  الحدود اللبنانية. رفض الأهالي،  وهربوا إلى الوعر حول القرية،  رغم أن الرصاص أُطلق بغزارة لتخويف الناس ودفعهم للرحيل. توفي سبعة أطفال خلال أسبوع.
” في 19 منه زوار وزير الأقليات القرية،  وأمر السكان بالذهاب إلى الجش القريبة لمدة أسبوعين إلى أن تهدأ الأحوال.
” طال الأسبوعان للآن! ”
في مقدمة الكتاب هذا وبلهجة شاعرية فلا غرو إذ أن الخوري شاعرٌ وخطيبٌ مفوه يقول:
” كفر برعم القضية. الجرح المفتوح . المحك الحقيقي لأخلاقيات السياسة الإسرائيلية.
” كفر برعم الصمود في وجه عاتيات الرياح.
” كفر برعم قُدّر لبنيها أن يشاطروا سيدهم آلام البشرية بحملهم صليب التهجير والتشريد،  فشاركوا ضعفاء العالم عواقب غطرسة الأقوياء وظلم المستبدين.
” …اتبعت كفر برعم الطريق القانونية رغم إدراكهم أن القانون في إسرائيل مكرسٌ لخدمة الأغلبية اليهودية.. حرصنا على مخاطبة الشعب اليهودي في إسرائيل،  يقينا منا أن من بينهم من يرفض الظلم ويؤمن باحترام حقوق الآخر..
” .. وجهنا كتاباً مفتوحاً إلى الشعب الإسرائيلي وقعه أرباب عائلات كفر برعم والخوري إلياس سوسان استذكرنا فيه على ضوء معاملة الحكومة لنا ما ورد في سفر الملوك 1: 21 عن الملك آخاب الذي أراد إلحاق كرم نابوت اليزراعيلي بحديقته،  وإذ رفض نابوت ذلك قائلاً ” حاشا لي من قبل الرب أن أُعطيك ميراث آبائي”. فأمر آخاب شيوخ وأعيان المدينة بمحاكمته بتهمة التجديف على الرب والملك، وجُلب من يشهد بذلك زوراً،  فحكم برجمه. ومات نابوت،  واستولى الملك على كرمه.”
ولكونه كاهناً مطّلعاً كان بإمكان الخوري ليس فقط الاستشهاد بقصة كرم نابوت ولكن أن يرثي كذلك قريته مثلما كان إرميا النبي يرثي أورشليم فيما يُعرف في الأسفار المقدسة  بِ ” مراثي إرميا “. بعض الأبيات من قصيدة ” الخوري سوسان ” إرميا وأورشليم الجديدة:

هيّن ضرب السيف.. برعم عَ طريق التين
ولا هجرك وأكون لاجئ منبوذ وحــــــــزيــــــــن
الله يجازي اللي كانوا بينـــــــــــــــا مخلفـــــــــــين
لولا غُشّن  عشنا سَـــوى يهـــود وأعــــــــــــــراب ”
——————-
جاء في مقالٍ مطوّلٍ لطاقم ” بديلbadil.org  ” معتمداً على صحيفة حق العودة العدد 45 وما يلي ملخصه:
” لم يخضع مهجّرو كفر برعم على مر سنوات التهجير، بل اتخذوا أشكالاً مختلفةً من النضال،  كالاعتصام في القرية،  وترميم المقبرة،  ودفن موتاهم فيها،  وترميم الكنيسة، وإجراء الطقوس الدينية فيها،  وتنظيم وإقامة مخيمات عملٍ تطوعي،  وغير ذلك. مع بدايات الثمانينات من القرن الماضي أقام عددٌ من شباب الجيل الثاني للنكبة ” حركة العودة – شباب كفر برعم التقدميون” والذين شرعوا بتنظيم مخيمات صيفيةٍ  على أرض القرية للجيل الثالث  من مهجري القرية بعد النكبة. اليوم تنظم هذه الفعاليات لنفس الغاية،  ولكن لأبناء وبنات الجيل الرابع.
” تنظم حالياً المخيمات الصيفية كمخيمات عودة لا كمخيمات لاجئين. تنظم فعاليات العودة  أموراً تعليميةً، ودعويةً،  وسياسيةً، ووترفيهية. يمكث بضع مئات من المهجّرين في المخيم من اللاجئين في الجش المجاورة،  وحيفا،  وعكا،  والمكر،  والناصرة، والقدس، وغيرها. يعيشون على أرض بلدتهم المسلوبة لمدة أسبوع،  في مسعى مهمٍ لإحياء وصيانة النسيج الاجتماعي للقرية،  والذي كان معرضاً للشرذمة على مدار العقود الستة منذ اقتلاعهم. كما يجري التواصل مع بقية أهالي القرية في لبنان.
” ما زال هذا المخيم ومخيم العمل التطوعي اللذان تنظمهما حركة العودة بشكلٍ مستمرٍ كل عام. في السنة 2009  عقد البراعمة انتخابات ديمقراطيةٍ لانتخاب لجنةٍ تمثل أهالي القرية، حيث اشترك في هذه الاجتماعات نحو 1400 شخص، وهم يشكلون حوالي 73 % من ذوي حق الانتخاب الموجودين في البلاد. شكلت هذه العملية الديمقراطية الفريدة من نوعها إنجازاً  بحد ذاته، وبهذا استطاع أهالي البلدة وبالرغم من الصعوبات، إجراء انتخابات لقريةٍ مهجرةٍ،  أهلها مشتتون بالإرغام في شتى أنحاء البلاد.
” وجاء مخيم العودة لهذا العام ( 2013 ) متضمناً جملةً  من الفعاليات التثقيفية المتعلقة بتاريخ القرية ونضال أهاليها في سبيل تحقيق العودة بالإضافة لأنشطة ٍهدفت إلى إحياء التواصل مع أهل القرية في الشتات وذلك عبر كتابة الرسائل بالارتكاز لتقنيات التواصل الاجتماعي الحديثة. كما قام المشاركون بالانخراط في جولات تثقيفيةٍ،  اهتمت بإبراز الشكل الذي كانت عليه القرية،  وتفاصيل الحياة في القرية وقت التهجير. كذلك توفرت الفرصة للمساهمين أن يشاركوا بنشاطات فنيةٍ عديدة،  منها ما له علاقةٌ بتقنية التصوير والتوثيق. هذا إلى جانب المداخلات والنقاشات حول القضايا السياسية والاجتماعية المتعلقة بحياة الشباب الفلسطيني. وبالإضافة إلى ذلك، أقيمت أمسيات ثقافيةٌ وفنيةٌ، حيث تم عرض مسرحية ” ظريف ” لمسرح  السيرة ، ومسرحية ” التغريبة ” لمسرح الميدان،  كما تم تقديم عروضٍ غنائيةٍ  موسيقيةٍ  ملتزمةٍ  لفرقة سراج،  وفقرات فنيةٍ ساخرةٍ  وناقدة.
” مع اختتام مخيم العودة للبراعمة الرابع والعشرين  من هذه السنة في العاشر من آب 2013 ،  قرر أهالي القرية إعلان عودتهم، والبقاء على أرض القرية لأجلٍ غير محدودٍ، حتى العودة النهائية. كما تم الإعلان الرسمي من خادم رعية كفر برعم بعد ذلك بأسبوع. لا يزال أهالي القرية من جميع الأجيال وخاصة الشباب يتناوبون على التواجد في البلد ( في محيط الكنيسة ) كما بدأ المتواجدون بتنظيم أمورهم اليومية، ووضعوا برامج للعمل، وعقد اللقاءات والحوارات والفعاليات المتنوعة الأخرى،  بهدف استغلال التواجد الدائم في القرية، لرفع المزيد من الوعي حول القضية، ولتأكيد حق الأهالي في ممارسة عودتهم، حيث يتم اللقاء  بناشطين ومتضامنين آخرين من كافة أنحاء البلاد، إلى جانب مجموعات شبابيةٍ أخرى من مهجّري الداخل،  كشباب إقرت وغيرهم.
تقول أسيل أبو وردة وهي إحدى العائدات المعتصمات  في كنيسة  كفر برعم:
“لقد أعلنا عودتنا لكفر برعم لأنها حقٌ  مسلوبٌ قد توارثناه من جدودنا. عودتنا للقرية هي استمرارٌ لنضالٍ  جديٍ  وحّد كل مقيمٍ ومقيمةٍ في القرية اليوم. العودة هي روايةٌ شخصيةٌ  لكل واحدٍ وواحدةٍ منا، حملناها على أكتافنا لتثبيت جذورنا هنا.  إن عودتي هنا هي لتذكير السلطات والإعلام الإسرائيلي والغربي بأنهم في يومٍ ما قد قهروا شعباً كاملاً،  ونحن جزءٌ من هذا ا لشعب الذي حاولوا نزعنا منه. لن أنس عيني جدي، ولسوف ترافقني عينيه حتى العودة، ورغم عدم وجوده معنا اليوم تبقى عيناه بوصلتي.. وبعودتي أشفي جرحه.”
وفي وصفه لحالة العودة كفعل يقول الناشط جورج غنطوس أحد العائدين ومن منظمي المخيم في كفر برعم:
” إن ما تشهده كفر برعم هو تعبيرٌ عن الروح الحية لأبناء فلسطين، وتجسيدٌ لها، ويتمثل في إعادة الوصل مع الأرض والمكان… المطالبة هي مطالبةٌ من الذات للعيش بكرامةٍ.. وهي رفضٌ للموت المتمثـل بخيبة الأمل،  وقوى الجهاز الحاكم ( الحاكم –  حشوة مني ).. أبناء برعم عملوا بجدٍ من سنين طويلةٍ على إعادة بناء هويتهم المحلية،  وطرقوا أبواباً عديدةً،  وثابروا على أرض قريتهم،  واليوم نقطف ثمار الاستمرارية،  فترى شباباً يانعاً يعمل بكل جدٍ وإخلاصٍ،  وينسج من جديد مجتمعاً نضالياً .. الشعلة الأخيرة أتت من شباب “إقرت ” الذين ومن خلال التواصل المستمر قـــوّوا خفقان الدم في العروق. نحن أبناء فلسطين وجنوب لبنان والشام على وعدٍ مع الحق والحرية. نسعى لأن نطوّر الفعل لنصبح حالةً نضاليةً راسخة الجذور في الأرض عامةً  لكل المضطَهَدين.. ونخص بالذكر أهلنا بالمخيمات والشتات. ”
الظاهر والمعلوم أن هذه الخطوة لم تلق استحساناً من السلطات الإسرائيلية،  إذ قامت سلطة الأراضي في الحادي والعشرين من آب بعد 11 يومٍ من مسيرة العودة  وإعلانها،  قامت بتعليق إنذارٍ  بإخلاء المنطقة التي يخيم فيها العائدون، مما دفع الأهالي إلى صب الاهتمام بكيفية التصدي لهذا التصعيد من سلطات الاحتلال،  مع العلم واليقين أن أهل القرية يؤكدون أنه لا مجال للتراجع عن مشروع العودة والتواجد في كفر برعم لخلاص الروح وتثبيت الهوية!
( ملاحظة: لا يزال مهجري كفر برعم معتصمين في محيط الكنيسة في القرية المهجر أهلوها للآن!)

———————
ذكرت حنين جريس في مجلة العودة العدد 18 في مقالٍ عن التاريخ الشفوي لنساء الريف الفلسطيني على لسان ” مرتا سمعان ” من مهجري كفر برعم:
” إحنا النسوان  كنا نشتغل مثل الرجال وزيادة. عندنا ما كان في كسل. متعودين المرة تشتغل مثل الزلمة. تروح مع جوزها للأرض وتشتغل مثل الزلمة.
” كمان كنا نْحطّب والنسوان  تجيب الحطب على روسها. كل شغلنا كان على النار والمواقد. كنا نتعب كثير.”
وتحدثت عن تجربتها مع جيش الإنقاذ:
” جيش الإنقاذ ما كان ينام عندنا كان ينام في معسكرات الجيش( جيش الانتداب ). بس كانوا يشترطوا علينا كل بيت يعطي حمل حطب اللي بتقدر الواحدة تحمله. و نخبز لهم كل يوم 15 كيلو طحين تخبز، كل واحدة إلهم غير حمل الحطب. والله أنا وأخوي كنا صغار. أمي كانت مريضة ما بتقدر تروح. إحنا كنا نروح نحطب إلهم من الوعر. غصب عنا مش بخاطرنا. هيك كانوا يفرضوا علينا”.
برز الكثيرون من كفر برعم. ولكن اسم د. إلياس سليمان حامل اللقب الثالث من جامعة بار إيلان ظهر أمامي في أكثر من مكان. صدر له بالعربية كتاب عن الحرب الأهلية في لبنان بين الدروز والموارنة في العوام 1840 – 1860. وهي الحرب التي شجعت الرعاع في دمشق وبتحريضٍ من العثمانيين على ارتكاب تلك المجزرة الشنيعة بحق المسيحيين في دمشق والتي ذهب ضحيتها ما بين 5 ألى 10 آلاف قتيل،  وحرق الحي المسيحي في دمشق. والكتاب الثاني عن جمال عبد الناصر في يوميات ومذكرات دافيد بن غوريون وموشه دايان في حرب الأيام الستة.
كتاب:
شهادتي :- يوميات برعمية 1948 – 1968. الخوري يوسف اسطفان سوسان.
كفر برعم. الحقيقة. طعمة مارون مغزل. 2007.
للوصول إلى كفر برعم خذ الشارع رقم 89  شمالاً نحو الجش قبل أن تصل إلى الجش انتبه إلى لافتـــةٍ تخبرك عن الطريق إلى برعم يساراً.