دراسات ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
الموروث البشري في التدين – مقاربة نقدية ( 16 )
القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد . معجزة نبوة محمد (ص) . تعهّد الله سبحانه بحفظه . حق من فاتحته الى خاتمته . كتاب مهيمن بظاهره الأنيق وباطنه العميق على ما عداه من كتب . لكنّ شبهة تحريفه ، ما تزال تجذب بعض كتاب الفتنه ويرددونها . مع العلم ، ان القول بصيانة القرآن الكريم من كل انواع التحريف ، هو مذهب المسلمين عامة ، إلا من شَذّْ . جاء هذا الشذوذ ، إغتراراً بأحاديث مخرّجة في الكتب الموصوفة بالصحّة عند أهل التشيع وعند أهل السنة ، توهم بشبهة تحريف في القرآن . ولا تقصد هذه العجالة ، الدفاع عن أحدٍ أو الردّ على أحد . وانما التعرض لهذه الشبهة لأهميتها في التدليل ، على ان ليس كل ما في تلك الكتب الموسومة بالصحاح صحيح .
موقف اهل التشيع وأهل السنة من عصمة القرآن الكريم :
يؤمن أهل الشيعة الإمامية كما هم أهل السنة ، وعلى حد سواء ، أن الكتاب الموجود بين أيدينا ، هو جميع ما أنزله الله عزّ وجلّ ، على رسوله ، من دون زيادة أو نقصان. و ذكرت مرجعياتهم ، أنّ من خالف من اصحاب الحديث ، لا يعتدّ بخلافهم . ولا يمثلون رأي أي طائفة . وإنّ الخلاف في ذلك مضاف إلى من يقول به . لذلك تراهم بين مصرح بذلك ومؤلف فيه ومؤول لما ينافيه بظاهره ، يضربون بظواهر ( الصحاح ) المخالفة للقرآن ،عرض الحائط ولا يأبهون بها .
احاديث يوهم ظاهرها بشبهة التحريف مشتركة في كتب الشيعة والسنة معا ، منها :
1 – الأحاديث الواردة حول نقصان سورة الأحزاب : 1 – روى بن سنان أن سورة الأحزاب : كانت اطول من سورة البقرة ( ثواب الاعمال 100 وعنه في البحار 50/89 وكذلك الدر المنثور 179:5 ) .
2- الأحاديث الواردة حول آيات « الرجم وإرضاع الكبير » وسقوطها من القرآن الكريم ، أخرجه الشيعة والسنّة معاً في أصح كتبهم . اخرج ابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها ، انها قالت : « نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً ، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول الله ( ص ) وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها » (السنن لابن ماجه 1944/625:1).
والمستفاد من تلك الأحاديث أن جماعة من الصحابة تصر على انهم قد قرأوا هذه الاية وعقلوها وحفظوها . وكان أشدهم إصرارا على ذلك عمر بن الخطاب وعائشة بنت ابي بكر رضي الله عنهما . وتفيد أيضا أنّ الآيات غير الموجودة من سورة الأحزاب ـ ومنها آية الرجم وآية ارضاع الكبير ، كانت ممّا أنزله الله سبحانه على نبيّه ، ومن القرآن حقيقة . وأنّها كانت تقرء كذلك ، على عهد رسول الله ( ص ) حتى وفاته . ومقتضى ذلك ، أن تذكر الآية في القرآن وتحفظ ، عند جمعه حتى لو نسخ حكمها جدلا .
أحاديث توهم بالتحريف تتفرد بها أصح كتب اهل التشيع :
لم ينكر أحد من أعلام اهل التشيع ، وجود مرويات في كتبهم . تفيد بظاهرها سقوط شيء من القرآن . وفي هذا يكفي الوقوف على ما نقل الكليني فهي عمدتها . منها حديث جابر منسوبا الى ابي جعفر ، على ان لدى علي رضي الله عنه ، قرآنا خاصا به . ( 178:1 ) وان هناك قرآن آخر خاص بالمهدي المنتظر .
أحاديث توهم بالتحريف تنفرد بها أصح كتب اهل السنه ، منها :
1 – الأحاديث الواردة حول لو كان لأبن آدم واديان من مال . سورة كانوا يشبّهونها في الطول بسورة براءة ، (صحيح مسلم ٢ : ٧٢٦ ح ١٠٥٠). وقد علمنا من هذه الأحاديث أنّ بعض الصحابة كانوا يعتقدون بكونها من القرآن الكريم ، حتى أنّ ابن مسعود أثبتها في مصحفه .
2 – حول آية الرغبة : أخرج البخاري عن عمر : ( ….. إنا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم … » (البخاري 208:8 واخرجه مسلم في صحيحه 1317:3وبن حنبل في مسنده 40:1 وكذلك 55:3).
3 – حول آية « الشهادة » : أخرج مسلم عن أبي موسى الأشعري أنّه قال: « وكنّا نقرأ سورة كنا تشبّهها بإحدى المسبّحات فنسيتها غير أنّي حفظت منها : يا أيّها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة » (مسلم 726:2).
4 – حول آية « المحافظة على الصلوات » : روى مسلم ، وابن حنبل ومالك عن عائشة ( فتح الباري في شرح البخاري 158:8 ) ( الموطأ 138:1 / 25) . وروى مالك عن عمرو بن نافع أنه قال : « كتبت مصحفاً لحفصة ، فقالت : إذا أتيت هذه الآية فآذنّي ، فأملت عليّ : « حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ـ وصلاة العصر ـ » (الموطّأ ١ : ١٣٩ | ٢٦). تفيد هذه الأحاديث : أنّ كلمة « وصلاة العصر » كانت ثابتة في مصحف عائشة وحفصة ، ولو لم تكونا معتقدتين أنّها من القرآن حقيقة لما أمرتا بإثباتها .
4- ومنها ما اشتهر عن عبدالله بن مسعود وأتباعه من زيادة المعوّذتين في القران الكريم ، فقد روى أحمد وغيره « كان عبد الله يقول : إنّهما ليستا من كتاب الله تعالى » (مسند أحمد 129:5) .
5 – ومن الزيادة في ألفاظه : ما رووه عن أبي الدرداء من زيادة « ما خلق » في قوله تعالى : ( وما خلق الذكر والانثى ) (سورة الليل 3) ففي البخاري بسنده عن علقمة : « …..فقال : إقرأ ، فقرأت : والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والانثى. فقال : أنت سمعتها من فيّ صاحبك؟ قلت : نعم. قال : وأنا سمعتها من فيّ النبي وهؤلاء يأبون علينا » (البخاري 210:6 وكذلك في مسلم 565:1 والترمذي 191:5 )
6 – ومن التغيير والتبديل في ألفاظ القرآن : ما رووه عن ابن مسعود أنّه قد غيّر « إنّي أنا الرزّاق ذو القوّة المتين » إلى : ( إنّ الله هو الرزّاق … ) (الذاريات 58) ففي مسند أحمد وصحيح الترمذي ، قال « أقرأني رسول الله صلىاللهعليهوآله : « إنّي أنا الرزّاق ذوالقوة المتين » قال الترمذي : « هذا حديث حسن صحيح » (مسند أحمد 394:1 والترمذي 191:5).
الخلاصة الاولى : بعد أن ذكرنا شيئا من أهمّ ما ورد في كتب أهل السنّة وأهل التشيع ، ممّا هو نصّ أو ظاهر في شبهة تحريف القرآن الكريم نخلص الى ما يلي :
١ ـ وجود الأحاديث الباطلة في الصحاح امر ثابت . وعددها ليس بقليل .
2ـ إنّ من أخبار تحريف القرآن ما لا اعتبار به سنداً . وبعض الآثار الواردة بسند صحيح هي أخبار آحاد ، والخبر الواحد لا يثبت به القرآن .
3 ـ إختار جمع من القائلين بصحة تلك الروايات على ظاهرها ، طريق التأويل المحتمل ( فتح الباري 301:8 ) . ولكن التأويلات التي ذكرت من قبلهم لا تحلّ المشكلة ، ولا ترفعها كلها من التداول . لما فيها من تكلف . قال ابن حجر العسقلاني : « الطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ، بل الروايات صحيحة والتأويل محتمل (فتح الباري وعنه في الاتقان 270:1)
٤ ـ وهناك عشاق النسخ ، الذين جعلوا النسخ في القرآن على ثلاث انواع . نسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم ، ونسخ الحكم والتلاوة معا . حاول بعض هؤلاء مضطرا ، تخريج ما عجزوا عن تأويله التأويل اللائق ، على القول بنسخ غير معلوم لبعض التلاوات ، لم يطلع عليه بعض الصحابة . جرأتهم عجيبه في الاتكاء على الضربين الثاني والثالث من انواع النسخ التي يقولون بها . ظنا منهم بانه طريق الجمع بين صيانة القران عن التحريف وصيانة الصحاح ورجالها عن رواية الاباطيل . ولكن الناظر في صنيعهم ذاك ، سرعان ما يكتشف فيه خطأ مركّباً .
5 ـ إنّ ما لا يقبل الحمل على بعض الوجوه يجب ردّه ورفضه . فإن أذعن القوم بكونه مختلقاً مدسوساً في الصحاح ، سقط القول بالعصمة المطلقة الموهومة لتلك الكتب . وإلاّ توجّه الردّ والتكذيب إلى الصحابي المرويّ عنه .
ولكن ، هل تجوز نسبة القول بالتحريف الى بعضهم ؟
نعم ، اتضح من كثير من المرويات ، أن فيهم جماعة لم يخرجوا في كتبهم ، إلاّ ما قطعوا بصدوره من النبي (ص) وصحابته ، حسب شروطهم . فهم وكل من تبعهم في الإعتقاد بصحّة جميع أخبار كتبهم ، ملزمون بظواهر ما أخرجوا فيها من أحاديث التحريف ، مالم يذكروا لها محملاً وجيهاً أو تأويلاً مقبولاً .
فالرواة لهذه الأحاديث ، منهم من يلتزم بصحّتها كأصحاب الصحاح والمسانيد ، ومنهم من لا ندري رأيه فيها . كما لا ندري أنّ القائلين بالصحة ، يحملون تلك الآيات المحكيّة في هذه الأحاديث على التأويل او النسخ ، أو يقولون بالتحريف تبعاً لمن قال به من الصحابة والتابعين . وفي المقابل هناك طائفة تقول بالتحريف صراحة ، أخذاً بالأحاديث الظاهرة فيه ، واقتداءاً بالصحابة المصرّحين به . وطائفة تقول ببطلان الأحاديث وتردّها الردّ القاطع .
أما طائفة الّذين لم يأخذوا بما دلّت عليه تلك الأحاديث وهم كثيرون جدا ، منهم من يضعفون الرواية ، ومنهم من يردون تنزيها للصحابة ، ومنهم من يؤولون على بعض الوجوه ، لأنّ القول بها يفضي إلى القدح في تواتر القرآن ، والطعن في الصحابة وخاصة في جامعي المصحف .
والخلاصة الثانية : فمما لا ريب فيه ، وجود احاديث باطلة تسربت الى آثار أصحاب كل المذاهب بصورة عامة . لتهاون الصحابة في صدر الاسلام في تدوين الاحاديث النبوية . حتى كثر المدسوس منها على لسان النبي ( ص ) ، الأمر الذي دعى علماء الحديث إلى وضع كتب ، تمكنّوا فيها من جمع مقدار كبير من تلك المرويات ، بحسب اجتهاداتهم وآرائهم في الرواة وغير ذلك . ولكنّهم لم يكونوا موفّقين كلّ التوفيق في عملهم ذاك . ولم يكونوا معصومين من الخطأ ، أو منزهين عن الغرض السياسي والتحشيد المذهبي .
اختم بالقول :
1- لا يوجد كتاب واحد من بين كل الكتب الموسومة بالصحاح ، توصف كل أحاديثه جميعها بالصحّة ، وقوبلت كلها بالتسليم والقبول لدى الفقهاء والمحدّثين . لانها غير قطعيّة الصدور عن النبي ( ص ) .
2 – وأن القول بصيانة ومعصومية القرآن الكريم من التحريف ، كان يوجب على الناقلين والتابعين ، الاعراض عمّا جاء في كتبهم ، من الأحاديث الصريحة الموهمة بوقوع التحريف ، وغيره من وجوه الإختلاف في القرآن الكريم .
3 – وإن كان مُورِدُ تلك المرويات مُلاماً على إيراده لها في ما كتب ، فإن اللوم الأكبر يقع على من يرويها من التابعين ، ويصحّح أسانيدها ويخرجها في كتبه ، وهو يعلم أنّ طريق الصواب هو ردّها وإبطالها .
كلمة اخيرة لا بد من قولها لنختم بها :
أمّا ما كان من هذه الآثار في الصحاح ، فأصحابها والقائلون بصحّة جميع أحاديثها ، ملزمون بها . فإمّا الإلتزام بما دلّت عليه ، وإمّا التأويل اللائق والحمل على بعض الوجوه المحتملة ، وإمّا الطعن في القرآن والعياذ بالله ، وإمّا الطعن في بعض الرواة وهم بالقطع غير معصومين .
ولا ريب في أنّ نسبة « الخطأ » إلى « الصحابة » أولى منه إلى « القرآن » .وممّا لا شكّ فيه أنّ الرواة والمدونين ، من البشر ، يجوز عليهم ما يجوز على سائرهم ، من السهو والغفلة والنسيان والغرض . فالعصمة لله وحده . و إنّ القول بعدم جواز تكذيب المنقول بعد صحّته ، غير صحيح . فالحديث إذا خالف الكتاب أو السنّة القطعية أو الضروري من الدين أو ما يجمع عليه المسلمون ، يطرح وإن كان في الكتب المسمّاة بالصحاح .
فيا أهل الإسلام سنة وشيعه ، الله الله في القرآن الكريم ، والعمل به والسعي في تطبيقه . فقد سبقكم للعمل ببعض ما فيه كثيرون غيركم . ولا ينسبّن أحد منكم القول بتحريفه إلى أخيه . فإنّه لم يثبت القول بذلك إلاّ مِمَّنْ شَذّ ، دسّوها ليتسنّى لهم التلاعب بكم كما هو حالكم اليوم . فَعُوا وكونوا على حَذر شديد .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

