دراسات …
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
الموروث البشري في التدين – مقاربة نقدية ( 12 )
كلما دَقَّ كوزُ العقل بِجَرَّة ِالموروث ، تنافح جمعٌ خبيثٌ من كهنة الديانات الأرضيةِ الجديده ، مُقَدِّسونَ لروايات كُتُبٍ بشرية ، غضباً يُصَنِّفُك ويتهمك ويشتمك ، ثَمناً للقمةِ استرزاق .
حين تُدينُ حرباً مشبوهةً بين الموروثاتِ او بين المذاهب وأتباعها ، فأنت لست مُضْطراً لأن تكون مُعْجباً بفريقٍ او بمذهبٍ دون آخر ، ولا أن تكون مُدافِعاً عن مذهبٍ آخر . ما أحاولُ قوله في أي قضيةٍ خِلافيةٍ ، يحتاجُ لفهم مقاصده ، لقلبٍ سليمٍ ، ليس فيه حقد او غِلٌّ او حُمقٌ او غُلوٌّ او تفريط .
وهو مُوَجَّهٌ الى من لا يُقدمونَ مذهبهم قبل دينهم ، او شَيْخَهم قبل نبيهم ، وكتب الأولين أيا كان إسمها قبل قرآنهم . فمن كانت مصادره ليست من كتاب الله أولاً ، ومن السُنَنِ المُؤكَّدةِ والأحاديث الصحيحة والعقل السليم ، لا يبقى لِحِرصِه على دين الله الا زَعْماً . وهو بِما لديه من صَمَم ٍوبُكمٍ وعَمىً،، وَلَتٍّ وعَجْنٍ ، وَلَفٍّ ودورانٍ فَرِحاً. يحاول التلطي وراء ذاك الفرح الفارغ .
هناك مساحاتٌ واسعةٌ في المَسكوتِ عنه من النصوص الأنسانية . تُشَكلُ عتباتٍ الى الصراع المذهبي المحتدم حاليا ، بين الكثير من المُلتحين والمُعَمَّمين ، ما بين تكفيرٍعَبَثيٍّ ، وتكفيرٍ مُضاد أكثرُ عَبَثيةً . وما يلف التَّكفيرَيْنِ معا ، من شبهات سياسية قاتلة ، نعاني منها وبسببها حتى الان .
من جِرارِ ذاك الموروث ، جَرَّةُ الصُّحْبَةِ والصحابه :
تعرض القرآن الكريم ، والأحاديث النبوية الشريفة ، لأحوال الصحابة . تؤكد كلها على أن الصحبة وإن كانت شرفاً لصاحبها ، إلا أنها بالقطع ليست تزكيةً وتطهيراً له . ما لم يكن مُؤهلاً ومُستعداً للأرتقاءِ بنفسه الى مُقتضياتِها والى تبعاتها . مع التأكيد على ان الصحابة ليسوا عِمادَ الدين ، وليسوا أيضا ،على مستوى واحد من الأيمان والأخلاص والأستقامة . وإنما متفاوتون في كل ذلك . منهم الذين آمنوا ، ومنهم الذين في قلوبهم مرض ، ومنهم المنافقون ، ومنهم ومنهم ومنهم …. لذا لا تَصِحُّ تزكيتهم جميعاً وعلى الأطلاق . هناك تفضيل وتفاضل بينهم في الدنيا وفي الآخرة ، وفق ما بينه سبحانه في كتابه العزيز ( سورة النساء وسورة الحديد وسورة التوبة ) .
لنتعرف على مدى قُرْبِهِم او بُعْدِهِم ، عن الأسس الثابتة في العقيدة والشريعة ، ودرجة الأنقياد لله ورسوله في الأوامر والنواهي ، لا بد من الاعتماد تماما على ما يقوله القرآن الكريم فيهم ، وعلى الاحاديث النبوية الواردة في الصحيحين عنهم ، ومقارنة ذلك بالثابث في تاريخهم . مع التأكيد مرارا وتكرارا على أنهم بشر عاديون ، يحملون في جوانحهم عناصر الخير والشر ، وليسوا انصاف آلهة او ملائكة أو رُسُلٍ ، ولم نؤمر بِطاعتِهم .
فلنتدبر فيما يلي ، بعضا من هذه النصوص بإختصار شديد ، تاركا للقارئ ان يستخلص النتائج .
– بالتأكيد ، من الصحابة كثير كثير ، ممن رضي الله عنهم . لعلو شأنهم نتيجة لأعمالهم الصالحة ، وليس السبق الزمني كما يروجون خطأ. والدليل على ذلك قوله تعالى ( والسابقون السابقون ، اؤلئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الاولين وقليل من ألآخرين ) الواقعة 10-14
وهناك من الصحابة من تعرض لشئ من الأنحراف والأنزلاق ، من اؤلئك :
= غير صالحين . يقول رسول الله : ( ليت رجلا صالحا من اصحابي يحرسني الليله ) البخاري 2885
= ومنهم من أحدث بِدَعاً في الدين ما ليس فيه . قال رسول الله : (….. فأقول يا رب أصحابي ، فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) البخاري 8/149 ومسلم 4/1800
= من الصحابة كفرة ومرتدون . مثل ومسيلمة وابن ابي السرج كاتب الرسول ، الذي لحق بالكفار فأمر به رسول الله ان يُقتل يوم الفتح فإستجار بعثمان … ( إن من أصحابي من لا أراه ولا يراني بعد ان اموت ابدا ) ( ….. فيقول انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم ) البخاري 8/150 ، ومسلم 4/ 1796وقوله تعالى: ( يحلفون بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا(التوبة: من الآية74)
= من الصحابة منافقون لم يتوبوا . يقول الله سبحانه : ( ومن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم ، نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ثم يردون الى عذاب عظيم ) التوبة 101 وكذلك حديث رسول الله ( في أصحابي اثنا عشر منافقا ، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط …. )صحيح مسلم 4983 والبخاري 4658
= من الصحابة من كان ايمانهم ضعيف كالمؤلفة قلوبهم . الذين كان رسول الله يعطيهم الأموال لياتلفهم على الأسلام كأبي سفيان وأولاده
= وكان ممن لازم النبي من فساد في عقائدهم شكا وجحدا وتكذييا ، لخلو قلوبهم من العصمة ومن التأييد . قال فيهم تعالى ( في قلوبهم مرض ، فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون ) البقره 10.
= ومن الصحابة من ارتكب كبائر الذنوب حين اتهم ام المؤمنين عائشة وقذفها بفاحشة الزنا . نزلت هذه الاية فيهم ( ان الذين جاءوا بالأفك عصبة منكم …) النور 11.
= لكثرة الكذب المتعمد على رسول الله مشافهة ورواية ، كرر المصطفى التحذير منه ليرتدع الكذابون من صحابته قال ( من كذب علي متعمدا فليتبأ مقعده في النار ) البخاري 1229 ومسلم 1.
= من الصحابة من آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى ( وما كان لكم ان تؤذوا رسول الله ….إن ذلكم كان عند الله عظيما ) الاحزاب
= ومنهم من كاتب المشركين متجسسا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل حاطب بن ابي بلتعه . قال سبحانه ( يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالموده ) الممتحنه 1
= ومنهم من رُجم لانه زنى كماعز بن مالك ، والغامدية والجهنية الذين وردت سيرتهم في الصحيحين ، واحمد. البخاري 6430 ، مسلم 4406 والمسند 22999
= بعضهم إقتتلوا وقَتَلوا ، فقد انتهى امر بعض الصحابة بالاقتتال والقتل بلا رحمة ، في صراع على حطام الدنيا ، في فتن الجمل وصفين والنهروان . لنتأمل قوله تعالى في جريمة قتل نفس واحدة بريئة ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها … ) النساء 93 ، فما بالك في عشرات الالاف من القتلى بين الصحابة المسلمين الأبرياء ؟ ناهيك عن اغتيال عثمان وعلي والحسين وعمار بن ياسر رضي الله عنهم جميعا . وكان رسول الله قد حذرهم قائلا ( لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) صحيح مسلم 1796:4 وكذلك 82:1 وصحيح البخاري 41:1 ومسند احمد 664:1 وكذلك 19:6
= تقاعس بعض الصحابة عن الجهاد بالنفس والمال . يصفهم سبحانه بالقول ( … وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال ، لولا أخرتنا الى أجل قريب ) النساء 77 وكذلك ( ألا تنفروا يعذبكم عذابا اليما ) التوبة 38-39
= تثاقل بعض الصحابة وتخلفوا عن جيش اسامة واعترضوا على امرته . وعصوا اوامر رسول الله حتى اغضبوه . وكرر امره حتى لعن المتخلفين منهم قائلا : ( أرسلوا بعث أسامه . لعن الله من تخلف عن جيش اسامه ) البخاري – كتاب الدعوات ج4 ص7 ومسلم ومسند احمد خ2 ص 317 اضافة الى مصادر اخرى
= من اجل الملك والدنيا والحكم الدنيوي ، خرج بعض الصحابة بالقوة المسلحة ، على الامام المتفق على امامته الشرعية وقتلوه ( عثمان وعلي والحسين رضي الله عنهم ) .
= من الصحابة من كان فاسقا . قال تعالى ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ) السجدة 18اوكذلك ( يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا .. ) الحجرات 6وكذلك (والله لا يهدي القوم الفاسقين ) التوبة 24
= بعض الصحابة اعلنوا العصيان على رسول الله . فلم تمض الا ايام معدودة على بيعة الرضوان حتى عقد رسول الله معاهدة صلح الحديبية . فدخل الشك والريب قلوب بعض الصحابة ، حتى خالفوا اوامر رسول الله ، فلم يستجيبوا له حينما امرهم بالحلق والنحر ، الا بعد التكرار وقيامه بنفسه بالحلق والنحر . قال رب العزة ( ان الذين يبايعونك ، انما يبايعون الله ، يد الله فوق ايديهم ، فمن نكث فانما ينكث على نفسه ، ومن اوفى بما عاهد الله عليه فسيؤتيه اجرا عظيما ) الفتح : 10.
= وكان في الصحابة من لعن وسب وشتم بعضهم بعضا . فقد شتموا امير المؤمنين علي وآل البيت الاطهارعلى منابر بني امية لمدة اربعين عاما حتى جاء الخليفة عمر ابن عبد العزيز ومنع السب .
= كان بينهم لصوص . منهم موقف بن الخطاب مع أبي سفيان ومعاوية وأبي هريره والمخزومية اكثر من مشهورة ، فقد روى عنهم صحيحا البخاري ومسلم معا . ووعندما توسط اسامة بن زيد في المخزومية السارقة عند رسول الله ، غضب صلى الله عليه وسلم وقال ( والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) .
هذا غيض من فيض ، يؤكد على ان في بطانة رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابة كبار أجلاء ، عظام مقربون من المصطفى، رضي الله عنهم . ونترضى عليهم ونثني عليهم باحترام شديد . عاصرهم وتبعهم ، شخصيات تم إختزالها وإلباسها معصومية لا وجود لها في التاريخ . وإن كنا لا نترضى على من لا يستحق الترضي ، فإننا لا نُحَقِّرَ ولا نُقَدِّسَ ،ولا نَسُبَّ ولا نُغالي ولا نَعْصِمَ أياً منهم . فعلمهم عند رب الناس . أقصى ما يمكن أن نقول فيهم وفي أنفسنا :عليهم وعلينا ما نستحق من رب رحيم عادل ، عليم بما تُخفي الصدور .
ونحن نتبصر بنور الأيمان ، وهدي الحبيب المصطفى ، وبنور العقل الرشيد ، والقلب السليم ، ندعو الله سبحانه وتعالى ، ان يُريِنا الحق حقا ويرزقنا إتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

