تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة …
بقلم : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك
لست أعلم كيف أقولها ، هل أقولها كما قيل في نعيه الرسمي ؟! ، فقدت الساحة الأدبية والمصرية الكاتب والناقد يوسف الشاروني ” 92 عاما ” الذي يعد أحد رواد القصة القصيرة في العالم العربي إلى جانب اسهاماته في الدراسات النقدية والأدبية والترجمة ، أم أقولها في نعي خاص بي ، رحل الصديق الرائع والأخ الكبير الذي كنت أتعجل الوصول إلى الوطن لألتقي به سواء في منزله أو في جلستنا الأسبوعية أثناء تواجدي بمصر معه ومع مجموعة من الأدباء في أحد الكافيهات الراقية بحي المهندسين ليكون قريباً من منزله ، لمت القدر كثيراً  على تعجله وأنا أوشك على رحلتي إلى الوطن فرحل دون أن أراه ، تركته منذ سبعة أشهر عندما كنت في زيارة قصيرة لعدة أيام لمصر وعندما ودعني قال لي بالضبط ” أسرع وعد لأقرأ ما كتبت ” ، وهذا بالفعل ما كان يحدث ، فبالرغم من كبر سنه كان يقرأ ما كتبته قبل أن أذهب به لدار النشر وأتفاءل عندما أرى هزة من رأسه مع ابتسامة جميلة عندما ينتهي من القراءة ، هذا كل ما كان يقوله وكنت أعتبر هذا بمعنى ” توكل على الله ” ، في درج مكتبتي إحدى الروايات التي لم تنشر ولا أعتقد أنني سأنشرها خاصة بعد رحيلة ، كنت أنوي نشرها منذ سنوات ، لكنه بعد أن قرأها نظر نحوي وقال جملة واحدة ” ماذا تريد أن تقول ” ، وكان هذا كافياً لأن أعود بها كما هي ، بالرغم من أنني كنت مقتنعاً بها ، ثم مرت الأيام واكتشفت أنني لو كنت نشرتها في ذلك الوقت كانت ستعرضني إلى الكثير من المشاكل ، لكن عندما تُعلق الأعوام الطويلة وفيها ما يزيد عن ثلثيها في عالم الأدب والنقد هذا التعليق ، أكون مخطئاًَ إن لم أفكر جيداً . أُنعي في الراحل العزيز والقامة الأدبية الكبيرة التواضع الشديد والأدب الجم وخفة الظل والحب للجميع ووطنية الزمن الجميل ، في الحقيقة أتساءل هل كان تشبثه بالحياة من أجل الحياة أم من أجل عشقه للأدب والثقافة والكلمات المكتوبة على الورق ، عندما كنا نتحدث في نادي القصة على تناقص القارئ الورقي وأن هذه الأجيال لا تعرف سوى هذه الشاشات الكبيرة والصغيرة التي تعبث عليها أصابعهم طوال ال24 ساعة ، كان دائماً يقول بأنها موضة كالأزياء التي تتبدل موضتها وتتقلب ثم يعودون للقديم ثانية وأن الغد سيعود بالقراءة الورقية أقوى مما كانت عليه ، رحم الله المبدع والأخ والصديق يوسف الشاروني ، بغيابه غابت إحدى القامات الأدبية الكبيرة والتي أشعر كلما غابت إحداها بالخوف على مصرنا وريادتها في هذا المضمار. يسعدني أن أختم بكلمات جميلة من إحد قصص مجموعة ” الزحام ” التي نُشرت عام 1969 للشاروني . ” كنت أسير ذات ليلة وأنا أحمل ابنتي الصغيرة علي يدي وهي مستندة الي كتفي ، وقد أحاطت عنقي بذراعيها الصغيرتين وشبكت أصابع يديها معا فوق ظهري . وذات لحظة تعثرت قدماي في نتوء أصطدمت به فجأة في الطريق حتي كدت أقع علي وجهي، وكان الثقل الذي احمله يساعد علي أختلال توازني ولاحظت أن ابنتي ازدادت تشبثا بي ، فأعتقدت أنها انزعجت خشية الوقوع ، لكني سمعتها تهمس: لا تخف ياأبي ، أنا أمسكك “.
edwardgirges@yahoo.com