فن وثقافة …
* سعدالله بركات – الولايات المتحدة الامريكية …
عندما قرأت عن صدور كتاب “قناديل … أدباء من عصر التنوير” ، علقت بعفو القول ” ما أحوجنا إلى هكذا قناديل وإلى من يعيد لنا إضاءتها ” .
وعندما قرأت تقديم الكتاب، استوقفني ما يؤكد هذه الحاجة المركبة بفائض الأهمية لجهد الكاتب ولما حققه..(( أولئك الخالدون … وأنجزوه للبشرية بالعموم ولمجتمعاتنا العربية بالخصوص ….)) .
نعم كم نحن بحاجة ملحّة وماسّة إلى استعادة أفكار روّاد التنوير العقلي والمعرفي ، بل وتمثلّ تلك الأفكار !! كما إلى قناديل جديدة ترفدها وترتقي بأجيالنا إلى مستوى تحدّي مايتهدّد ها من مخاطرظلامية ، تجهيلية وتضليليّة.
الجهد البحثّي في مداه الزمني لنحو 50 من أدباء القرنين 19و20 والجغرافي من غير بلد عربيّ وإسلامي، جعل الكتاب -120 صفحة من القطع الصغير- أشبه بقاموس جيب تعريفي ،وإن من دون ترتيب هجائي .
وحين أهدى المؤلف الدكتور اسكندر لوقا هذه العصارة الفكرية إلى أحفاده ، تراه يقصد بالعموم
تحصين الناشئة بأسوارالأمل ومتانة آفاقه لإنارة طريقها القويم فتسلكه بلوغا لأهدافها ، لا بل لتبدد ظلمة ليل الجاهلية الجديدة وقد ادلهمّ حالكا قاتما بفعل فاعل وعن قصد وعمد، وعن سابق تصور وتصميم ، لتتنابذ الأجيال العربية في مهاوي التهلكة والضلال .
يقول في مقدمة كتابه (( إنّ جيل الشباب … يستحق كلّ العناية لرأب ما تصدّع في كيانهم ،في عقولهم كما في نفوسهم ، قبل أن يجرف تيار اليأس، الأمل بتجاوز المحنة التي تلاحقهم اصداؤها على مدار الساعة )).
تراه يتنكّب لهكذا جهد بمثل هكذا صبر وأناة ، ليعيد شعلة تلك القناديل وضاءة ، وهو ينقّب في مخازين دررها ، رابطا فيما بينها بما يصوغه من عقود ولآلئ تجلو عنها غبار الزمن أو غبار النسيان ، بل التناسي ، أو قل محاولات دفنها واستعادة أفكارعصر الظلمات والجهل والمعاناة .
من استحضار المروءات في شعر الأخطل الصغير:
قم إلى الأبطال نلمس جرحهم لمسة تسبح في الطيب يدانا
قم نجع يوما من العمر لهم هبه صوم الفصح هبه رمضانا
إلى مقولة علي أدهم “لاينال الإنسان حريته إلا إذا تحرر عقله ” فرؤية شكيب أرسلان لخطر الاستعمار القادم حتى قبل انعقاد مؤتمرعام 1913 .
وإذ يشير الؤلف إلى الاستغلال الخاطئ للدين، وما نبّه إليه أديب اسحق قبل قرن ونيّف ، يؤكد ضرورة اطلاع جيل اليوم على مخاطبة جمال الدين الأفغاني لأبناء وطنه قبل قرن وعقود:
-“إنّ قيمة الأديان منوطة بمايكون لمعتنقيها من تقدير….
وعلى ما كتبه محمد زكي عبد القادر عن أن هدف الأديان “تحرير العقل لاالحجر عليه”
وقبله كانت صرخة بطرس البستاني “يا أبناء الوطن ، انبذوا عنكم تعصباتكم الدينية”
ويلاقيهما فرح أنطون بالتأكيد أن “الإيمان بالواحد الأحد ….رباط قوي يربط الإنسانية مهما اختلفت مذاهبها …. وطبائع الأديان كلها منزهة عن الشر وداعية إلى الخير..”
ولئن اعتبر قاسم أمين قبل مائة عام ويزيد ” مدنية اوروبا ليست شرا كلها ولاخيرا كلّها ” فلم لانتفكر بتنوره ولاسيما بشأن “إشراك المرأة في العملية المدنية من دون أن يفقد شرقنا هويته” فخير الدين التونسي يضيف”الإسلام لايمنع أن يقتبس الصالح من الأمر حيث كان وممن كان ” فيما يصوغ الطهطاوي معادلته ” كلما كثر احترام النساء عند قوم كثر أدبهم ”
وهكذا يمضي بنا الكتاب إلى وصية جبران “أحبوا بعضكم بعضا” إلى بدوي الجبل و”حنو الله على الإنسانية ” ولعلّ الكاتب عمل بنصيحة الشيخ طاهر الجزائري ” اذكروا الرجال الذين ينفعونكم في الشدائد” وهويواصل كشف جواهر طه حسين ” الخصومة ليست بين العلم والدين … ولاهي بين دين ودين ..هي بين السكون والحركة ” تراه يؤكد مقولة الإمام محمد عبده” إن الجاهلية اليوم أشد من الجاهلية زمن النبي “ص”
قسطاكي الحمصي والرافعي ورشيد رضا يشتركون في هاجس فساد الأخلاق وضرورة إصلاحها ، وجذوة الشعور القومي وعبدالله يوركي حلاق ، والأرض، سوريا أحب ربوعها عند إيليا أبو ماضي .
ومن بين سطور الكتاب ،يدوي صوت الشاعر القروي “أنا سوري ومن لبنان ” مع صرخة جبرائيل دلال ” ياغافلين تنبهوا ..” وتحذير الريحاني من استخدام الدين في مواجهة الوطنية ” فلتجمعنا الوطنية إذا فرقنا الدين ”
مع أشعة تلك القناديل يسوق المؤلف أمثلة حية من واقع الحال الموجع على وعي الكثير من شباب سورية والعرب لهاتيك الأفكار مايجعل “الأمل معقودا عليهم ” أن يهتدوا بمشاعل “أحرار العرب ، أحرار الإنسانية ” على ماتدعو مي زيادة ، وأن يروا بعقلهم ” أنوار الحقيقة …ويمزقوا الحجب والأغشية ..” يقول أميل زيدان.
يقر د.لوقا بتعدد الآراء لكن ينبه لخطورة “تنازع النظريات ” على وحدة أبناء الشعب الواحد ، وارتباطه بتنازع البقاء، مفيدا من قول أنطون سعادة ، ومنوها بأن المواطنة هاجس المواطن المقيم داخل الوطن أوخارجه شرط ألا ينجرف في نظرته لإقصاء نظرة سواه .
ومن أحمد لطفي السيد يقبس التنويه بدورالصحافة بوصفها “علّة الرأي العام” ليشير إلى انخراط الإعلام المبرمج في الحرب على سورية ، قبل أن يستحضر آهات جورج صيدح :
وطني المنكوب إن تحصي الضحايا أحصني ،إني جريح في حشايا
ومن شعر عرفان سلوم ونسيب عريضة إلى نثر فؤاد الشايب ويعقوب صروف ، وكامل عياد ، ويراع علي الطنطاوي في دمشق “المجد والوجد “،إلى وضع الياس فرحات إصبعه على الجرح :
لولا مكائد بعضنا لبعض لم تنجح لأعداء البلاد مكائد
إلى الطريق التربوي للناشئة درءا لمحاولات تغريبها “نحفظ الأساس ونجدد المضمون ” . الشباب حصن الوطن ودعامة وحدته ، وعلى مناكبهم تقوم النهضة الوطنية على مايؤكد فتح الله الصقال .
أليس بعض العرب والمسلمين وعديد مفكري الغرب ومستشرقيه كما أغلب رأيه العام ؟ أحوج مايكونون إلى إعادة قراءة تلك الرسائل واعتماد ما تعلي من قيم تساهم في زوال المحنة التي نعاني منها ورسم مستقبلنا جميعا.
وهو هدف االكتاب تأليفا ونشرا ، لعلّه لعلّه يتحقق في من يقرأ وفي من يتعظ ومن يعتبر.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

