آراء حرة ….
بقلم : الصادق بنعلال – المغرب ….
” إِنَّ الدِيمُقْرَاطِيَة فِي الوَطَنِ العَرَبِي ، هِيَ اليوْمَ أكثرُ
مِنْ أيّ وَقْتٍ مَضَى ضَرُورَةٌ لاَ مِنْ أَجْلِ التّقدّمِ وَ حَسْبُ ،
بَلْ مِنْ أجْلِ الحِفَاظِ عَلَى الوُجُودِ العَرَبِي ذَاتِهِ ” : محمد
عابد الجابري – 1992
( 1 )
ما من شك في أن العالم العربي واجه ، و منذ حوالي قرنين من الزمن ضروبا
من الفتن و القلاقل و المواجهات ، من أجل ” التخلص ” من مآسي فترة
الانحطاط و التردي الحضاريين ، و العبور نحو البناء الذاتي ، و إنجاز
مرحلة ” نهضوية ” جديدة تروم الوحدة و التقدم ، خاصة و أن للأمة العربية
ماضيا حضاريا حافلا بمظاهر الإنجاز الرفيع في مناحي العلم و المعرفة . و
قد شكل النصف الثاني من القرن التاسع عشر و مستهل القرن العشرين ، و في
سياق ما سمي بصدمة المدنية الحديثة ، مساهمات فكرية راجحة من قبل أقطاب
العقل المستنير و في شتى الميادين الدينية و الفلسفية و التربوية و
السياسية .. من قبيل الشيخ الإمام محمد عبده و جمال الدين الأفغاني و
شكيب أرسلان و عبد الرحمن الكواكبي و قاسم أمين و أحمد أمين و طه حسين و
خير الدين التونسي و علال الفاسي ومالك بن نبي .. الذين سقوا أرض العرب
بمداد الوعي الراجح سنين عددا ، عسى أن يمهد ذلك الجهد الذهني لانطلاقة
عربية مفصلية نحو الأفضل ، و تسلم موكب آخر من رجال المعرفة الحديثة و
المتطورة ، أمثال أنورعبد الملك و محمد عابد الجابري و هشام جعيط و حسن
حنفي و محمد أركون .. مشعل نشر الأنوار في ظلمة ليل عربي بهيم . و قد
وقفت في وجه العالم العربي منذ غزو نابليون بونابرت لمصر عراقيل بالغة
الخطورة ، أقلها التقسيم الغرائبي للخريطة العربية من قبل سايكس بيكو ، و
هو التقسيم الذي حمل في طياته بذور التطاحن العرقي و الديني البغيض ، و
زرع إسرائيل في قلب الأمة العربية ، و ما يعني ذلك من سياسة التحكم و
المراقبة و التدخل العسكري المدمر ، لمقدراتنا شرقا و غربا !
( 2 )
إلا أننا سنرتكب خطئا قاتلا إذا حمّلنا مسؤولية التردي العربي للعوامل
الخارجية وحدها مهما اشتدت وطأتها ، بل أكاد أقول إن هكذا معيقات أجنبية
ما كانت لتبقى و تمتد في بلداننا ، لولا استعدادنا منقطع النظير لقبول
الأمر الواقع ، و قابليتنا للاستسلام و الاستعمار المادي و المعنوي . و
تبعا لذلك فقد لعبت الأنظمة السياسية العربية التي تلت ” استقلال ”
الأقطار العربية و إلى الآن ، دورا ” بطوليا ” في استنبات معاول الفساد
و الاستبداد و الاستئصال ، و الاستفراد بالسلطة و الثروة و اختلاق
العداوات البينية .. لإدامة خنق الشعوب و حرمانها من أبسط حقوق العيش
الكريم ، كل ذلك على مرمى و مسمع القِوَى الدولية العُظمى ! مما حدا ”
بالمواطنين ” العرب إلى اليأس شبه المؤكد من أي تغيير ناجع ، لا بل وجدنا
من نعى ، عن حق ، الوجود العربي ، و تساءل عن لحظة الإعلان عن موته . و
جرت مياه كثيرة متدفقة تحت جسر العروبة المستباحة ، ليحدث ما لم يكن في
حسبان ” المحللين ” المختصين في الشأن السياسي العربي و الدولي ، إنه
انطلاق شرارة الانتفاضة العربية العظمى ( 2011 ) من تونس لتشمل مختلف
بلدان الربيع الديمقراطي ، و بالأخص مصر / ليبيا / اليمن / سوريا ، حيث
امتلأت معظم ساحات التحرير و التغيير بخيرة شباب الأمة و بشكل سلمي و
حضاري غير مسبوق ، للمطالبة بإسقاط الفساد و الاستبداد ، و بلورة قيم
الحرية و الكرامة الإنسانية و العدالة الاجتماعية .. و تمكن هؤلاء الشباب
من إسقاط أنظمة جبروتية في مدة زمنية أسطورية ، لتنطلق مرحلة الإصلاحات
السياسية و الدستورية و الاقتصادية ، و نظمت استحقاقات أهلية و تشريعية
فازت فيها الهيئات السياسية الأكثر تنظيما و قربا من آلام و تطلعات
المواطنين ألا وهي أحزاب الإسلام السياسي المعتدل ، و لما كانت هذه
الأخيرة تتوفر على قدر غير قليل من الاستقلالية ، تمكنها من إنجاز إقلاع
تنموي يتعارض مع مشاريع بعض الحكام العرب و المصالح الامبريالية العالمية
، كان لابد من فرملة قطار الربيع العربي السائر نحو بناء تجربة ديمقراطية
جديدة على ماضي و حاضر العرب ، عبر الثورات الدموية و الناعمة ، و بقية
القصة أضحت نارا على علم !
( 3 )
و على ضوء ما سبق يمكن القول إن مصير العرب بين أيديهم ، مبتدأ و خبرا ،
كما أن الثورات المضادة لآمال المواطنين و أحلامهم في العيش الكريم حبلها
قصير ، فماذا ننتظر من مصادرة الفئة الحاكمة في هذا القطر العربي أو ذاك
، حق الشعوب في تقرير مصيرها ، و السطو على مكتسباتها و انتصاراتها في
استحقاقات سياسية مشهود لها دوليا بالنزاهة و الشفافية و الحرية ؟ و ماذا
ننتظر من انقلابات العار على المشروعية الديمقراطية و المؤسسات الدستورية
غير التكلس و قتل روح المواطنة ، و الدفع بشباب فقد الأمل في التغيير ،
نحو التطرف و الانتقام الدراماتيكي ؟ و حدها الديمقراطية القادرة على
إنقاذ باخرة العروبة و السير بها نحو شاطئ النجاة . لقد جرب معظم حكام
العرب كل أنواع الحكم الفردي الاستئصالي للبقاء في السلطة ، و الاستحواذ
على مقدرات الشعوب ، و النتيجة حصاد مر ، و تقهقر مريع في سلم التنمية
البشرية العالمي ! ندرك مع عدد غير قليل من المعنيين بقضايا العالم
العربي و الإسلامي أن الديمقراطية فاكهة جديدة كل الجدة على مائدة أمتنا
قديما و حديثا ، لكننا ندرك أيضا أننا لا نملك وسيلة مثلى لتجنيب عالمنا
العربي و الإسلامي مصير الأمم المنقرضة ! إن الديمقراطية للمرة الألف
منظومة سياسية و اجتماعية و اقتصادية تصبو إلى بناء كيانات وطنية و
إقليمية ، تستند إلى احترام كلي للمواثيق و القوانين المتعارف عليها
دوليا ، و تتأسس على ثقافة عصرية تستوعب كل فئات الشعب بغض النظر عن
آرائهم و أفكارهم التي لا تتعارض مع مستلزمات راهن الوعي البشري ، و تؤمن
بقيم الحرية و المساواة و العدالة .. و تتكئ على ممارسة مخصوصة ، تتمظهر
في وجود دستور و قوانين منظمة للحياة العامة ، و هيئات / أحزاب مستقلة
تؤطر الشعوب و تمثل آلامهم و آمالهم ، و تصوغ برامج عقلانية شاملة ،
تتنافس فيما بينها في استحقاقات وطنية دورية ، بكل حرية و صدقية و نزاهة
، من أجل الوصول إلى السلطة بشكل سلمي بعيدا عن مسلكيات العنف و التحكم ،
و الفوز للأفضل . فهل ننتظر يوما تشرق فيه شمس الديمقراطية في صحراء
العروبة ، و نقطع مع النهج السياسي البدائي منتهي الصلاحية ، و يكون لنا
الحق في اختيار زعماء شباب متحمسين ، و أصحاب وعي و أداء مهني و تواصلي
محمود ، في إطار فترة زمنية محددة ، بدل ” حكام ” شيوخ بلغوا من العمر
عتيا لا يقوون على المشي و الحديث و الإنجاز الميداني المطلوب ؟ أم أننا
سنتوجه رأسا نحو الهاوية ، و الخروج المأساوي و المذل من مسرح الأمم
المسؤولة ، و السقوط الحر بين مخالب العدم !؟
الصادق بنعلال باحث من المغرب





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

