انتي.. اشتغلي إيه.!؟ بقلم: محمد هجرس

سخرية كالبكاء ….
بقلم : محمد هجرس – مصر ….
كلنا يذكر مشهد الفنانة الراحلة ماري منيب مع نظيرها عادل بديع خيري، في مسرحية “إلا خمسة” وهي تنتزع ضحكات الجماهير بتكرار سؤالها له وهو الباحث عن وظيفة “انتي اشتغلي إيه.؟” فيرد عليها :”سوّاق يا ست هانم سوّاق”.. ومع الفارق طبعاً كان استفسار الزعيم السوفييتي الراحل نيكيتا خروتشوف في زيارته لبريطانيا في ستينيات القرن الماضي، عن الأمير فيليب، الذي قُدِّم إليه، باعتباره زوج الملكة.. فتساءل خروتشوف بما معناه:”أيوة عارف إنه زوج الملكة بالليل.. لكن بالنهار بيشتغل إيه؟”.. ولتتحول بعدها الدعابة الساخرة إلى سؤال منطقي.

وما بين المشهد الأول، للشاب الباحث عن أي عمل ولو كان “سوّاقة” كما ردد عادل خيري، والرجل الذي كل وظيفته أنه “زوج الملكة” بالليل أو النهار، يبدو المشهد الإعلامي في عالمنا العربي، خاصة في “بَرِّ المحروسة” مزيجاً من “المسخرة” سواء في الوظيفة أو الأداء، للدرجة التي أصبح فيها لقب “إعلامي” كناية عن “مهنة من لا مهنة له” شأنه شأن وظيفة الناشط السياسي، التي طفحت على الساحة بعد انفجار موجة الصرف الثوري، في مرحلة ما يُعرف بـ”الربيع العربي”.

الإعلامي، الذي كان عنوانه الأبرز، الصحفي أو مذيع التليفزيون، في عقود سابقة، حملت معاني الرصانة والشياكة في المظهر والجوهر، حتى وإن شهدت بعض الشخصيات الأراجوزية، أصبح اليوم عبارة عن “بكتيريا” تنتشر في بيئة طفيلية تزخر بالكثير من الجراثيم التي تتسابق في نشر العدوى عبر ما تتقيأ به وسائل الإعلام في العصر الراهن، صحف تجري وراء السوشيال ميديا باسم السبق الصحفي، وفضائيات طيلة ساعات تحيل ليلنا إلى حفلات زارٍ ونواحٍ ولطميات وصراخ وعويل لا يخلو من “الردح”، يتم فيها الشطح في كل الاتجاهات دون معيار له حد أدنى من الأخلاقيات أو الالتزام أو الموضوعية أو المهنية.. وهذا كله كوم، وما تنفجر به وسائل التواصل الاجتماعي، من كل أساليب التعبير الخارجة والإشاعات والتنفيس بكم كبير من الكلام الملوّث.!

الساحة الإعلامية، التي بات يحتلها هواة أو محترفين “نص كم” من لاعبي الكرة، والفنانين والمحررين الصحفيين، وغيرهم انفضوا عن عملهم الأساسي، وباتوا كائنات فضائية هبطت بالبراشوت على الساحة من غير تخصص، وغالبيتهم توسّدوا برامج فضائية تحولت لمنصّات موجهة تستمر بالساعات ولا تنتهي حتى مطلع الفجر، وكلها “مكلمات” و”منابر” خطابة، يجلس فيها الواحد منهم وما أن يمسك المايكروفون، حتى يعلو صوته ويفرد عضلاته، ويلعب على أوتار أتفه القضايا، دون أية خطوط حمراء، أخلاقية كانت أو حتى تراعي أمناً قومياً أو بُعْداً وطنياً.!

الخطورة أن مناخ الانفلات الشكلي واللفظي، بات هو السّمة الجارفة لإعلاميين، لا يعرفون كيف يرتقون بمشاهديهم أو قُرّائهم، ولكن باتوا يتحدرجون إلى أسفل، جرياً وراء دعاية شعبوية كل همّها زيادة الإعلانات أو تحقيق أعلى نسبة مشاهدة أو قراءة، حتى لو كانت مفبركة أو مصطنعة بسذاجة و”هيافة” غير مسبوقة.. والمصيبة أن هناك من يُصدق أنه صاحب الشعبية الأولى، لمجرد “فرد العضلات” والأخطر أن هناك من يسعى لأن يكون “عاشور الناجي” في حرافيش نجيب محفوظ، أي “الفتوة” في حارة الإعلام المعاصر.. دون أن يمتلك ولو “نَبُّوت” واحد يؤكد جدارته.!

أذكر أن “زميلة”، في صحيفة عربية، احتجت لي بصوت عالٍ على عدم نشر خبرٍ لها، ولما حاولت إفهامها أنه مجرد نشرة علاقات عامة اكتفت فقط بوضع اسمها عليه دون تعديل ولو حرف واحد، اعترضت وقالت لي :”أنا صحفية، ولعلمك أنا بقى لي سنتين بأقرأ جرايد” فضحكت ساخراً وقلت :”على كدا بأة المفروض أبويا يبقى رئيس تحرير” فسألتني “كيف يعني.؟” فأجبت :”لأنه ـ الله يرحمه ـ قعد 30 سنة يقرا جرايد”.!!
ـــــــ
كاتب وإعلامي مصري
X