اراء حرة
بقلم : *سعدالله بركات …..
قبل ثلاثة أعوام استفاقت بلدة”صدد” على فجر حالك ، صباح الإثنين 21- تشرين الأول 2013 ، انبلج على سواد ، من رايات ورصاص ، أقض مضجع الأطفال وراح يقهر النوم في عيونهم ، ويغتصب البسمة من شفاههم قبل أن يدمع عيونهم ويدمي بعض أجسادهم ، وأجساد أتراب و آباء وأمهات ، وإخوة وأخوات ، أو جدود وجدات بعدما مزّقها أشلاء هنا وهناك.
صباحا ليس كغيره من سابق الصباحات ، حين يهم كل إلى عمله، هذا يصابح زيتونة ، وذاك يسامر عريشة أويتأبط معولا ، والطفل يهرع إلى حقيبته ، بينما العجائز يتعازمون على كأس”متة ” وصبحية .. وإن على وقع وجع الوطن.
غداة الأضحى وكانت “صدد” ، في رحاب عيده ، قد ودعت عديد أبنائها الذين يفرحون بعطلة ل”يعيدوا ” مع الأتراب والأهل في ربوعها ،، في ذاك الصباح الأليم ، فاجأها الغربان من غرب وجنوب ، ومن الشرق ذئاب وبوم على تعدد مسمياتهم ، نشرت الرعب قبل أن تنشر الموت والدمار والحصار على مدى أسبوع ، قبل أن تطردهم قوات الجيش البطل .
لم تكن بلدة صدد الرابضة على كتف بادية حمص منذ قديم العهود، لتتوقع وأهلوها أن تدخل التاريخ المعاصر من هذا الباب المقيت ، وعبراسبوع اجتياحها الأسود،وأن يتردد اسمها على مواقع النت وفي مختلف أنواع وسائل الإعلام العالمية ، وأن يتوافد إليها العديد من مراسليها على هذا النحو وفي هكذا مناسبة موجعة.
لم تكن هذه البلدة الوادعة لتتطلّع إلى هكذا شهرة بائسة، وإنما كانت تحلم أن يأتيها صحفي استقصائي واحد ، ينقّب عن دوافع وعوامل تحدّيها لمناخات القحط والجفاف وتحملّها حياة الضنك ،على مرّ قرون وعقود وهي تتجذّر في الأرض وتنبش التراب بالأظافر وتستنبته بعرق الزنود والجباه يوما بيوم أوتعمّرها لبنة لبنة ، فتتدبّر أسباب البقاء على نحو فريد فريد، أوتدفع بشبابها في أنحاء الوطن وعبر الحدود والبحار ، مسلحين بأصالة الانتماء للأرض والوطن ، وبما وفّرته مبادراتها الأهلية السبّاقة من سبل علم ومعرفة.
نعم لقد محت “صدد” الأمية للشباب منذ نحو قرن أوأكثر ومكّنت الفتيات من التعليم منذ سبعة عقود أويزيد وذلك بجهود كنسية – أهلية تطوعية مكنتّها من بناء وإشهار ثانويتين للفرع العلمي يوم كانت قرية في خمسينيات وستينات القرن الماضي حتى غدت بؤرة إشعاع معرفي لأبناء قرى المنطقة الذين جذبتهم إلى مدارسها ، واحتضنتهم في بيت العائلة الواحدة ، مشاركة في العيش والمأكل والمعاناة كما الطموح ،لايحول دون ذلك اختلاف المعتقد الروحي – الديني او الفكري بل كان يكرّسه ويمتّنه .
هذه هي “صدد ” مازالت واحة نور وحياة ، تفحر بأكثر من ألف خريج جامعة ومعهد ، ودراسات عليا ، ونحو 40 معلما ومعلمة كانوا يسابقون الشمس ويتكبدون عناء الوصول يوميا إلى مهين المجاورة شرقا، لتعليم أبنائها ، فضلا عمن حمل الرسالة إلى أرياف سورية وإلى الجزائر واليمن ودول الخليج .
قبل أن يزورها الروائي حنا مينا ويلتقي شبابها بدعوة منهم ، كانوا دعوا باحثا إسلاميا وأولموا له منتصف العقد الماضي ، في حين كانوا على موعد مع شاعر الناس من أرض الكنانة ، أحمد فؤاد نجم قبيل وفاته .
وقبل أن يجعلوا شعارمهرجان “صدد العراقة الرابع ” تحية إلى حلب عاصمة الثقافة الإسلامية ، بادروا لاحتفاليات ” أبي فراس الحمداني ” تمتينا لعلاقتها التاريخية مع الأمير والشاعر الفارس ابن عم سيف الدولة ، حيث تفخر بأنها أجارته قبل مقتله ودفنه في ثراها ف” قبر الأمير” معروف شمالي البلدة .
هل تعلمون أن المدارس كانت من أولى ضحايا شذاذا الآفاق ، قبل ان تطال يد العبث والعدم الأيقونات الأثرية والأديرة السريانية .
لكن استهداف المشفى كان أكثر إيلاما ، ذلك أنها بنيت بتبرعات الأهالي ، ترفدهها تبرعات المغتربين فضلا عن مساندة مجلس الكنائس العالمي ووزارة الصحة التي جهزتها ، حتى انطلقت منتصف العقد الماضي بخدماتها لكل قرى المنطقة ،فأبناء صدد الأطباء الإخصائيون توافقوا على القدوم من حلب وحمص ودمشق لقضاء عطلهم الأسبوعية عملا تطوعيا في مشفى بلدتهم ، ولكن لكل محتاج من مواطني القرى المجاورة .
كانت “صدد” تأمل أن توثّق جهود شبابها وشيبها، كيف صمدت أمام عاتيات الزمن؟ وحين لم تنزح ولم تستجد حتى زمن الجوع و”السفر برلك ” وحين جفّ الزرع والضرع، لكنها تعرضت للتهجيرجماعيا مطالع القرن الحادي والعشرين .
فإذا ثمة من يسعى لتوثيق ما أصابها من جرائم عصر ” الربيع العربي” وكيف نهضت من عمق الألم ، ومن بين الركام ، لتبلسم جراحا انفتحت على المدى ، وتبني وتعيد إعمار، بعدما سطرت أسفار كفاح على مدى عقود وعقود ، حين قهرت تصحر العقول، قبل تصحر الأرض،تراها لاتيأس وهي ترمّم مادمّره غزاة ذاك الفجر .
تراها تتجذّر أكثر وقد أحيت مشفاها ، وأعادت مرح الطفولة إلى مدارسها، وملاعبها ، من إنعاش حديقة “العين “إلى تجميل حديقة “السيل “، إلى حديقة الشهداء التي انتصبت لذكراهم العطرة ، وقد قاربوا المائة ،إلى مركز” التنمية البشرية ” جهد متكامل ببصمة شباب مقيم ومغترب ، وجهود خيرة وعقول مزهرة وواعدة بالمزيد .
هذا الصيف استعاد شبابها مهرجان صدد العراقة بعد توقف لخمس سنوات ، وكما في دوراته السابقة استضاف شعراء وشخصيات مجتمعية من أنحاء الوطن.
فرقة مار أفرام السرياني عزفت لافتتاحه ، وكما في كل مناسبة يتمازج لحن الشهيد مع ما تشدو به نحاسياتها من بهجة وأمل .
في رحاب الذكرى ، في كل بيت صددي حكاية عن مرارة أسبوع القهر الخريفي ، كما هاجس رعب تكراره الخريف الماضي حين اقتربت “داعش” من شرقي البلدة وحاولت ….
في خريف 2013 ، فاجأ المرتزقة البلدة على حين غرّة ، لكن في خريف 2015 ومع الجنود البواسل ومن أنجدهم ، صدتهم “صدد”، قبل أن يندحروا من “مهين” ثم من” القريتين ” ويبتعد الكابوس …. .
وفي الحكايات مرارة مّن تيّتم أو ترمّل أوفقد وحيده ،أو بات وحيدا بعدما فقد أسرته ، مرارة عمّن حصدهم رصاص غرباء ذاك الصباح ، ولم يتسن دفنهم . حتى انجلت الغمّة .
وعن حالات خطف ومخطوفين وعن مآس لايكاد ينتعش الأمل بنهايتها ، حتى يخبو .
وعن…. وعن …تهجير وهجرة ، وعن آهات وحسرة .
قلت غرباء ومن دون عناء التوصيف والتسميات، دعوني أوضح أنهم غرباء عن الديار والأرض والوطن ، كما هم غرباء عن الأديان والقيم الإنسانية، نعم غرباء الوجه واليد والفكر واللسان ، غرباء عن سورية قيما وحضارة ، وحكاية “صدد” حكاية كل حيّ وبلدة طالها الإرهاب…. “حكاية.صدد”…. حكاية وطن .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

