القصة….
قصة : ماجد عاطف – فلسطين المحتلة ….
(1)
تعرفت إليه في السجن حين سأله النزلاء عني وأخبروه أن جذوري، أنا ساكن المدينة، تعود لقريته نفسها. رأيته لحظتئذٍ يرفع نظره متفحّصاً، ثم يترك البرش الذي اجتمعوا عليه، ويقترب منّي. سألني عن نفسي ابن مَن وعائلتي، فأجبته، وبدا كمن يتذكّر.
ثم سألني عن سبب سجني والمدة التي حكمت بها فتحفّظت. كنت شاتماً لشرطي مرور لكني لم أعترف بالتهمة وهو لم يستطع اثباتها عليّ، وتركوه شهرا ليحضر شهوده فلم يستطع. ولما كان شرطياً سبق لي أن تواجهت مع مثله (لكن باحتجازٍ لأيام دون حكم)، مال القاضي إليه وحكمني في البداية شهراً حين عرف أنني لم (أتصالح) معه. ومن النزلاء علمت فيما بعد أنّه جعلها ثلاثة شهور، لا شهرا واحداً.
كنت أستطيع الاستئناف والفوز بالقضية، غير أني خشيت من تقصدي في المستقبل فأصير هدفا لكل شرطي، ناهيك عن وثيقة حسن السلوك التي سأحتاج إليها قريباً وتكاليف الاستئناف.
كانت قضيتي بسيطة فتجاهلت الموضوع عازماً على تمضية ثلاثة شهور في ضيافة الحكومة.
بقيت صامتاً، أتأمله بحذر:
في بداية العشرينيات، وسيم وطويل، وثمة خط حزن دائري في وجهه، يكثر من النظر إلى الأرض. لم أسأله ابن مَن هو على عادتنا في القرية، لكني سألته عن تهمته، فتمتم بخجل: سرقة. ثم جمع نفسه متوارياً وذهب ليجلس وحده في ناحية من الغرفة على برميل بلاستيكي صغير مقلوب، قبالة التلفاز.
رأيته فيما بعد يقرأ لعائض القرني ورأيت أنّه يتحيّن وقت الفورة أو نوم النزلاء ليصلي على فراشه في العتمة ما استطاع.
لا أدري كم كان يتوقع حكمه فلم تكن محاكمته قد انتهت، وهو خرج بعد احتجازي ولم يمض شهرين، مع أن لديه خلعا وكسرا في السرقة يستوجبان حكما عالياً.. لقد تدخّل أهله ولملموها بطريقتهم مسترضين الضحايا وراشين الحق العام، على الاغلب.
طوال الوقت، أقل من شهر، وأنا أراقبه، ومن ناحيته فقد كان يتجاهلني بصمت. فقط ظهيرة خروجه، شدّ على يدي مودعاً:
– سامحني يابن بلدي.
– على ماذا؟؟
– أي شيء أزعجك مني.
– الله يسامح الجميع.
وأتى خبره بعد يومين. لقد ودّع أمّه وأخواته صبيحة اليوم التالي للإفراج عنه، ونزل إلى الشارع الرئيس بـسكين. حاول الوصول لجنود الدورية التي ترابط على مفترق القرية. وقبل أقل من مترين فقط انتبهوا له وتمكنوا منه، فأصابوه برصاصة في جبينه.
(2)
استغرق تسليم جثته لذويه اسبوعاً..
الصحافة العبرية حملت المسؤولية –مسؤولية السكين- للرئيس. الرئيس ألمح إلى أن أن الفاعل عميل وبالتالي هم يتحملون مسؤولية ما فعله وموته.. شاويش الغرفة -مثل الضباط والحرّاس- كان يتمتم بغضب وقرف كلما سمع اسمه (ربما لأن نية مبيّتة أفلتت من رقابته). المساجين بين متخوّف صامت يهزّ رأسه ولا يقول شيئاً، ومندفع يتهم كيفما اتفق..
عندما ذهبت لبيت الأجر في اليوم التالي لخروجي وقد اشتريت المتبقي من حكمي بالمال، أنا الذي صارت بيني وبينه معرفة ولا مجال لانكاره أو عدم التعزية، وجدت الجميع في حالة توتر وحيص بيص: أخواته.. جيرانه.. أهل القرية.. إمام المسجد.
لقد رفضت البلدية فتح بيت الأجر في قاعتها، على عكس عادتها مع الشهداء.. التنظيمات تأخرت في إعطاء موقف، وفي النهاية “باركت” عمله عن بُعد شديد، ولم يتبنه أحد.. أقاربه يتهمون كباراً من القرية بدفعه لفعلته عبر تشويهه واتهامه بأكثر من السرقة.. الإمام تردد في الصلاة عليه لولا أنه خشي سوء العاقبة، فكانت اقصر صلاة جنازة في التاريخ.. أخواته اتهمن فتاة ما في القرية لم يسمينها وأنه فعل ما فعله -تحت وطأة التحريض- من أجلها (من السرقة إلى الهجوم بالسكين).. رجال عائلته أوشكوا بتهديداتهم على التبرؤ منه مراراً، قبل موته وبعد موته، ولم يمتنعوا ألا خوفا من نبذ الناس.
وثمة “خبراء” ألمحوا إلى أنه تم استدراجه بالضغط الذي يُفترض أنه وطني، ليفعل شيئاً كان الجنود على علم به مسبقاً، أي خيانة أو تسليما.. تنظيما مخترقا ما، فاتجهت الأبصار الى اصدقائه الذين تواروا وأنكروه.
في النهاية، اتفق الجميع على تجاهل حياته وفعله وموته وكل شيء متعلق به!
//
وأنا سكنني شيء غريب. أفكّر به طوال الوقت وكيف أنه كان عالماً بمضيه إلى موته، وأحلم به. لقد ودّعني في السجن وهو ينوي ما ينويه. هذا ما خلصت إليه، والحمد لله على أنني لم أسئ له بشيء ولم يسئ إليّ، ولا أبالي بعدها بكل تهم العالم أو ضغوطه.
كانت تأسرني أفكاره الأخيرة وهو يشرع السكين. هل كان يريد عالما أفضل أم خضع للضغط الاجتماعي؟؟
وأراه في المنام يقترب من الجندي، وعلى مسافة مترين فقط، بعد السكين والرصاص، بياض ناصع مريح.
ألا يعلم أن الضغط لا يسلم منه أحد ولو كان رسولا مبعوثا؟ وأنّه وسيلة للتطويع يستعملها الجميع، دون استثناء؟
في العشرين من عمره قد لا يفرق بين مثالية ومثال. وأحلم أنه، على بعد متريه، كانت تنتظره حياته المأمولة.
وامضي إلى المفترق كل مرة حين لا تكون الدورية هناك، لأدرس المكان: مكشوف من كل الاتجاهات لا مجال مع السكين المشرعة لتراجع أو هرب. والقتل، بعد إرادة الله، مصير محتوم. كانت رحلة في اتجاه واحد.
(3)
ثم سجنت للمرة الثالثة، بضرب شرطي آخر لا مجرد التجادل أو الشتم. لم أعترف بالتهمة ولا استطاع الشرطي اثبات شيء عليّ؛ لأنني احسنت التخطيط والتنفيذ وخلوت بالشرطي جانباً في زقاق ونزعت عنه قبعته لأحصر الأمر في شخصه.
ولما كان التحقيق صارماً جدياً هذه المرة، أثيرت السجنتان السابقتان أمام ثلاثة قضاة، فتكشّفت الثغرات القانونية. وكان لدي محام يخبرني أن أثبت على موقفي، وأنّي سأخرج ببراءة وتصفية الملفات، حتى لو كان الاحتجاز سيدوم طويلاً، فانقلبت الأمور إلى صالحي. وسيثبت لهم المحامي أنني عامل تعطّل عن عمله ناهيك عن معاناته وحبسه أكثر من مرة، وسأحصل على تعويض.
من البرش الضيق وسط اكتظاظ شديد لأجساد النزلاء حلمت به مجدداً: المفترق المكشوف خلفه، يشرع السكين في وجه الجندي الواقف الى جانب دوريته، ومن أمامه بياض كالفجر وثير، يفصله عنه متران فقط.
هذا العالم قذر ومتعب.
(4)
عندما خرجت بالبراءة والتعويض وتصفية الملفات، كانت انتفاضة السكاكين قد بدأت، فتذكّروه.
لقد تبنته حركة تتبنى شهداء ليس لهم علاقة بها، بينما الحركة الأخرى أشادت ببطولته في بوستر آخر كرر صورته الصق بالجدران. وثمة من تكفّل بأمر قبره من تنظيف وإبراز ووضع الشاهد، بعد أن كان مهملا متروكاً.
وحصل أهله على مخصص الشهيد من الجهة الرسمية وأعطيت لهم يافطة كبيرة تحمل صورته، فعلقت أمام المنزل. لم يعد مصدر عار.
وانضم لبقية صور الشهداء في قاعة البلدية وصار بطلاً استثنائياً ارهص بانتفاضة السكاكين قبل سنتين من حصولها.
والمُتهمون بتشويهه أو الضغط عليه أو أصدقاؤه الذين تبرأوا منه، تفاخروا بمعرفتهم له.
وحمل اسمه مولودان جديدان، ابن اخته التي تزوجت سريعاً من أحد المحرّضين عليه (الأمر الذي يشير إلى تداخل سابق ما)، وابن جارة له، شابة تصغره بعام، تزوّجت قُبيل موته وتأخر حملها..
وكلما وقفت أنا في الشارع أمام صورته المربكة كثيراً، تذكرت حلمي: في الخلف ما في الخلف، ويمضي بعد مترين إلى بياض -كالنور- وثير. كان يعلم أن ثمة حياة أفضل.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

