قراءة نقدية في رواية ”طوق الياسمين “لواسيني الأعرج. (4) بقلم : د. حسين رحيم الحربي

اصدارات ونقد ….
الدكتور: حسين رحيّم الحربي …
أهمية المكان الروائي في رواية “طوق الياسمين”
كما أسلفنا سابقاً، المكان ليس الحيز الذي نعرفه في الواقع، هو مكان آخر من وحي العمل الأدبي ومن صنع خيال الكاتب.
إذا كانت كلمة )مكان( كما يقول لالاند: ” عندما تستعمل دون أي تحديد آخر، إنما تنطبق على المجال الهندسي الإقليدي” (1 ) وهو مفهوم مادي مجرد للمكان، فإن المكان في الأدب لا يفهم من خلال وصفه المادي المجرد فحسب، لأن الأديب وبخاصة الروائي يتعامل معه بخياله الواسع، و أحاسيسه، و رؤيته المكانية الخاصة. أي أن المكان في الأدب لم يعد كما هو بمعناه الحرفي هندسياً.
المكان يمثل “مكوناً محورياً في بنية السرد، بحيث لا يمكن تصور حكاية بدون مكان، ولا وجود لأحداث خارج المكان، ذلك أن كل حدث يأخذ وجوده في مكان محدد وزمان معين”( 2)  فالمكان ركن أساسي في العمل السردي، سواء كان هذا المكان واقعياً معروفاً، أو متخيلاً من قبل كاتب العمل، يبقى هو المجال الحيوي الذي تتحرك فيه الشخوص وتتعايش. إذاً فالكاتب هو من يقوم بخلق المكان الروائي بكلماته، بلغته وتعابيره، ومدى قدرته وتمكنه من نقل ذلك للمتلقي ووضعه في الحيز المكاني، فالمكان هنا “مكون لغوي تخييلي تصنعه اللغة الأدبية من ألفاظ  لا من موجودات وصور”(3 ). و يكاد يتفق الباحثون في مجال النقد الأدبي أن المكان الروائي هو مكان قائم بذاته ينهض على مقومات وخصائص جعلته، يمثل “العمود الفقري الذي يربط أجزاء الرواية ببعضها بعض، وهو الذي يسم الأشخاص والأحداث الروائية في العمق، و المكان يلد السرد قبل أن تلده الأحداث الروائية و بشكل أعمق و أكثر أثراً”(4 ) . بعد هذا الكلام عن الفرق بين العالم المرسوم بالكلمات في عالم الرواية او السرد عموماً، والعالم الواقعي المحسوس الذي نعيش فيه كبشر،  ربما يظن القارئ بأن هناك قطيعة بين هذين العالمين، وأنهما على طرفي نقيض، أو ربما لا يلتقيان، لكن واقع الحال غير ذلك، فالعالم الواقعي الخارجي “يعطي للمتخيل مظهر الحقيقة “( 5)
تعمل اللغة الروائية على الاستفادة من المكان الواقعي في علاقته بالإنسان، وتستمر في شعرنتها للمكان باستعمال آليات خاصة، فتجعل من هذا الأخير شكلاً من أشكال التمثيل للعالم الواقعي وعبر تزويده ببعض العلامات الطبوغرافية التي تزيد من الإيهام بواقعيته، كأن تسميه بالاسم، على غرار ذكر أسماء المدن، أو تصف خصائصه كذكر أسماء الشوارع، والأحياء، والمعالم التاريخية.. وهذا ما فعله واسيني الأعرج في رواية “طوق الياسمين”، عندما ذكر سوق “ساروجا” الشعبي في دمشق، وبعض الأحياء الأخرى كحي “البرامكة”، وذكر نهر بردى وغيره. هذا كله يعطي إيحاءً للقارئ  بواقعية الحدث، أو على الأقل بجزئه الأكبر.
————————–
* في المقال القادم سنتناول ” المكان كمكون فني في رواية طوق الياسمين”.
(1) – (اندري لالاند: المعجم الفلسفي، ص 363.
(2) – محمد بوعزة: تحليل النص السردي (تقنيات و مفاهيم)، منشورات الاختلاف الجزائر، ط 1 ، 2010، ص99.
(3) – سليمان كاصد: عالم النص (دراسة بنيوية في الأساليب السردية)، دار الكندي للنشر والتوزيع، الأردن، 2003، ص 127.
(4) – يسين النصير: إشكالية المكان في النص الأدبي، دار الشؤون الثقافية العامة، آفاق عربية، بغداد، ط 1، 1986، ص 05.
(5) سليمان كاصد: عالم الرواية، ص  126.