الإعلام المصري.. من “السبّوبة” إلى”الغِلمَان”؟!

اراء حرة (:::)
محمد هجرس – مصر (:::)
هل يذكر أحدكم، المخرج الراحل يوسف شاهين، في دور بائع الجرائد قناوي “غير المتزن عقلياً” في فيلم باب الحديد.؟
من يتذكر، عم مدبولي (الذي قام بدوره الراحل حسن البارودي) وهو يتحايل على “قناوي” لينقذ “هنّومة” (هند رستم) ويأخذه لمستشفى الأمراض العقلية، قائلاً: “البس البدلة يا قناوي.. وأنا هجوزك هنومة يا إبني”!

ولأن هناك أكثر من “قناوي” مخبول عقلياً، في الإعلام المصري، حتى “النكرة” منه، لم يكن غريباً أن يسجل تاريخ الأدب الصحفي شخصيات كثيرة، انتهازية، ووصولية، من محفوظ عجب، إلى محجوب عبد الدايم إلى سعيد مهران، كما سجلها الروائي الكبير مجيب محفوظ، وليس انتهاء بشخصيات لولبية و”طحلبية” ومريضة نفسية أخرى تمشي نائمة وتتخيل أن لا أحد يراها.!
***
ونحن صغار.. علمونا أساتذتنا في الإعلام، أن المصداقية هي أهم اعتبار، ودرَّست لنا قمم إعلامية شامخة، كانت تصر على المعايير المهنية التي لولاها لأصبح الإعلام وبالتالي الصحافة بالذات، لا تختلف كثيراً عن “كباريه” يؤدي فيه قبيح الصوت واللون والطعم، أغانٍ رديئة، لجمهور من السكارى والمغيبين عن الوعي، وإذا حاول من لا يزال يحتفظ بعقله، التصحيح أو النصح أو التنبيه، يخرج الـ”بودي جارد” أو البلطجي، ملوّحاً بزجاجة مكسورة، مهدداً ومناطحاً.. ومشهراً بذاءته.!
وبالطبع، هناك، من يُصفق، لأن ضمان بقاء هذا  البلطجي “البذيء” في وظيفته، لن يتأتى إلا باستمرار نفس مناخ غياب الوعي، والسُّكر، والعربدة، وسوء السلوك، فيضاف إلى الجهل قلة الأدب!
***
بعض غلمان الصحافة، لا يحاولون أن يفهموا، أن هناك فرقاً بين كتابة خبر، وبين غسيل الصحون.. “المهنية” التي يسخر منها بعض هؤلاء الغلمان، الذين قد يكتب أحدهم لفظ الجلالة “الله” واضعاً نقطتين على “الهاء” لها معايير وأصول، بلا شك لن يفهمها محدثو العمل الصحفي.. الذين تعودوا السطحية، واللطش، ثم “البجاحة” وانعدام الثقافة العامة بشكل فاضح، لدرجة أن لو سألت أحدهم: متى قامت حرب أكتوبر 73؟ لأجابك على الفور: قامت عام 1956!!.

السؤال الأخلاقي الأهم: هل يمكن لمدعي صحافة، أن يستغل جريدته لتحقيق مصلحة شخصية، ربما لن تخرج عن كونها تخفيضاً مهيناً في سعر قميص أو بنطلون؟
هل يمكن مهنياً، لمحرر في أي صحيفة أو في أي مكان “محترم” ولو كان تحت السلم، أن يذهب للمرور ليجدد رخصة قيادته، وعندما يجد طابوراً طويلاً، أو تحدث مشكلة شخصية تماماً، لا علاقة لها بالصفة العملية أن يكتب عنواناً “وزارة الداخلية تمنع محرر الـــ(…..) من تجديد رخصة قيادته”.
***
بعض الصبيان، يفعلون ذلك ببجاحة، وعندما تحاول أن تشرح الفرق، ليتعلم “تلميذ السوء”، تتبدّى لك وضاعته، وسوء خلقه و”نذالته”، ويبدأ مع بعض فرقة “حسب الله” في العزف على أنشودة جهل جماعي تكشف لنا لماذا الإعلام المصري بشكله الراهن، لا مستقبل له بعد أن أصبح متخلفاً لهذه الدرجة؟ ولماذا أصبح سعر أي “مرتزق” منهم رخيصاً للغاية في سوق المنافسة الفعلية، في أي وسيلة إعلامية عربية، ربما يكون من المؤسف، أن سعر أي “حنجوري” من هذه العينة، لا يوازي قيمة حذاء متوسط الثمن من ماركة محترمة.!
الأمر الذي يعيد ذات السؤال :لماذا باتت بعض بؤر الصحافة المصرية، مرتعاً ومستنقعاً، ليس لفاقدي العلم والمهنية فقط، ولكن لفاقدي الأخلاق والتربية أصلاً، من محدثي النعمة، الذين هم على استعداد لأن يبيعوا أي شيء، ويتكسبون من أي شيء؟.
***
الإجابة، إن نظرية الـ”سبّوبة” فاقت الحد الأدنى من الالتزام الأخلاقي مع الذات، أو الشعور بالواجب المهني تجاه الآخر، بالتزامن مع فقدان للمفاتيح المهاريةً واللغويةً، لذا كانت كل تلك الفقاعات، مجرد امتداد مخجل لنظريات “الفهلوة” و”النصب” في الشارع المصري، لتصل إلى عمق مهنٍ كانت “محترمة” أصبحت بالتالي ساحات “نصب” كبرى لممارسات غبيّة، لا تختلف كثيراً عمّا يردّده البعض، من “احنا اللي عبينا الشمس في أزايز” إلى “احنا اللي دهنّا الهوا دوكو”!.. وليكن مجرد ثرثار “مشّاء بنميم” كالنسوة، بإحدى عدسات حفلات الأفراح، هو النموذج البائس لعملية التحول المثير في زمان أغبر، من “بائع عجول” إلى “صبي” في بلاط صاحبة الجلالة، وبالتالي تكون “الفشرة” الكبرى، حيث يحدثك عن أنه قابل السيسي، هكذا ببساطة، وأين؟ في لحظة توديع شهداء الإرهاب ـ يا سلام ـ وترك السيسي كل الأحداث الملتهبة، واستمع لاقتراح من بتعيين شخصية بعينها، لتكون وزيراً للداخلية.! الله أكبر؟!

هذه الشخصيات البهلوانية، التي ترعرعت على “التوك شو” وكمية الصراخ والجهل والتسطيح، والنفاق، هي التي أودت بمصر إلى “ستين داهية”، وأمثال هؤلاء “الجهلة” و”المطبلاتية” كشفوا بجلاء أن الصحافة أصبحت “مهنة من لا مهنة له”، كما قال الصديق والزميل الصحفي أيمن الشحات، بعد أن امتهنها الخبّازون والحلاقون والسبّاكون والجزّارون بل وأصحاب العاهات الثقافية والنفسية والعقلية.
بالمناسبة.. واحد شاور على واحد ماشى فى الشارع، وقال لصاحبه: الراجل ده كان جزار.. بس من سنة ترك الجزارة وبيشتغل صحفى.. فسأله صاحبه وأحواله عاملة إيه؟.. قال لما كان جزار كانت الكلاب بتمشي وراه.. فسأله صاحبه: ودلوقتى؟..قال له: هو اللى بيمشى ورا الكلاب!.
ـــــــ
كاتب وإعلامي مصري