فلسطين (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
توقفنا في الحلقة الثانية امام دروب تجدد اشتعال فتيل الثورة بسبب خيبة آمال الفلسطينيين من بريطانيا ووعودها ، وقد ايقنوا بانها جادة للعمل على سلخ جزءا هاما من فلسطين ، او كل فلسطين لتصبح وطنا قوميا للحركة الصهيونية، وايقن الفلسطينيون بان مراوغة بريطانيا وتراجعها عن وعودها للملوك والامراء العرب لم تحرك شعرة في جفونهم ، ولم يعترفوا للقيادة الفلسطينية بان بريطانيا خذلتهم .
لقد اتخذت الثورة بعد ان تجددت منحى آخر ، يختلف في اساليبه القتالية والنضالية عما كان عليه عام 1929 وعام 1936 ، والسبب ان طابعها وروحها كان شعبيا هجوميا شبه شامل ، لقد امدها هذا الزخم والاندفاع ميزة وقوة في فعالياتها وتأثيرها ، اجبر السلطات البريطانية على الاعتراف بأن الثورة كانت اقرب الى الانتصار ، خاصة في الشهور التي امتدت بين أوائل 1937 واواخر 1939 ، لقد ضعفت في هذه الفترة سيطرة القوات البريطانية على فلسطين ، ووصلت هيبة الاستعمار الى الحضيض حتى أصبحت سمعة الثورة ونفوذها هما القوة الاساسية في البلاد .
كان لهذا الوضع الجديد مردودا واحدا وهاما ، وهو ازدياد قناعة بريطانيا بانه يتوجب عليها الاعتماد على القوى الصهيونية ، وقد وفر لها الصهاينة حالة فريدة لم تكن متوفرة لها في أي مستعمرة من مستعمراتها ، هذه الحالة تتلخص بوجود قوة محلية تقوم بدعمها ضد خطر وجودها ، هذا الامر شجع السلطات البريطانية الاسراع بتنظيم قوة دفاع يهودية متطوعة ، بالإضافة الى القوة التي كانت قائمة من قبل ، وقد بلغ تعدادها حوالي 6500 مسلح .
رغم هذا التحول الصعب في موقف بريطانيا بسبب ضربات الثورة ، لكنها لم تقطع حبل الوصال مع المفتي ، فقد بقي ممدوداً ، كما انها عملت كل جهدها لتوفير الهالة له كي يكون الممثل بدون منازع لعرب فلسطين ، لأن البديل للمفتي بالنسبة لها الثوار المتواجدون في الجبال ، وقد اعترف المندوب السامي بهذه الحقيقة ، ومما زاد من حالة الحرج والتوتر التي عايشتها بريطانيا في هذه الفترة اكفهرار الاجواء وتلبد سماء اوروبا بغيوم حرب كونية جديدة ، فقررت مضاعفة جهودها لقمع الثورة بكل ما توفر لديها من وسائل البطش ، خاصة في مناطق الريف الفلسطيني لأنه كان رحم الثورة .
اشتدت المواجهات بعد تكرار حالات زحف خلايا الثورة من الريف الى المدن والسيطرة عليها لفترات زمنية ، هذا يعني أن الفلاحين والقرويين بصورة عامة هم وقود الثورة ، ففي عام 1938 اعدم عدد من الفلاحين لمجرد حيازتهم الاسلحة ، واذا استعرضنا قوائم اولئك الذين تم زجهم في السجون أو اعدامهم شنقاً ، نرى بأن الغالبية الساحقة كانوا من فقراء الفلاحيين ، وعلى سبيل المثال فقد حكم على جميع سكان قرية عين كارم وعددهم ثلاثة آلاف ، أن يسيروا عشرة كيلو مترات يومياً لإثبات وجودهم لدى مركز الشرطة . هذا ما ورد في كتاب جهاد شعب فلسطين خلال نصف قرن من تأليف صالح بوبصير ، وفي تلك الفترة كانت بريطانيا قد أصدرت أحكامها بالسجن مدداً طويلة على حوالي 2000 عربي ، وهدمت أكثر من خمسة آلاف بيت ، واعدمت شنقاً في سجن عكا 148 مواطناً ، وبلغ عدد المعتقلين أكثر من خمسين الفاً . كانت نتائج الثورة الأولى تراجع بريطانيا عن مشروع التقسيم الذي اوصى به تقرير ” لجنة بيل” واستبدلته بقرار عقد مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن شباط 1939 ، ان استجابة القيادة الفلسطينية للمثول في هذا المؤتمر يؤكد بأن هذه القيادة كانت دائماً على استعداد للمساومة . لم يذهب جمال الحسيني ممثل المفتي الى المؤتمر لوحده ، بل شاركه في هذا المؤتمر توطئة لمطالب بريطانيا ، ممثلين عن الدول العربية بهدف استخدامهم للضغط على الوفد الفلسطيني .
وقد اتضح ذلك من خلال الكلمات التي القاها في المؤتمر كل من ممثل السعودية الامير فيصل ، وممثل اليمن الامير حسين ، وممثل مصر علي ماهر ، وممثل العراق نوري السعيد ، اشادوا في كلماتهم الى ثقتهم المطلقة في بريطانيا ، كانت بريطانيا واثقة بأن موقف الفلسطينيين بقيادة المفتي سوف يتجاوب مع مواقف ممثلي الملوك والامراء العرب الذين يرفضون الاستمرار باستخدام العنف واللجوء الى التفاوض مع بريطانيا من جديد .
كانت مطالب قادة الدول العربية في ذلك الوقت وقف اعمال الثورة ، وقد استجابت القيادة الفلسطينية بزعامة المفتي لهذا الرأي ، الا أن اعمال الثورة لم تتوقف مرة واحدة كما كان عليه الأمر عام 1936 . استمرت المواجهات لأنه كان للثوار أكثر من قيادة ميدانية واحدة وكان يصعب الاتصال والوصول الى خلايا الثوار المنتشرين ، في الجبال لإبلاغهم بقرارات وقف المواجهات العسكرية ، لقد اكدت حصيلة شهر شباط من عام 1939 سقوط 110 قتلى ، و112 جريحاً في 12 معركة ضد البريطانيين من العرب ، كما تم تفتيش 40 قرية ، وفرض منع التجوال في ثلاث مدن ، وتم اعتقال حوال 2000 قروياً ، كما تم اشعال النيران في خمس دوائر حكومية ، واعدام عشرة من المواطنين العرب بتهمة حمل السلاح ، وهوجمت عشر مستعمرات يهودية ، بالإضافة الى قيام الثوار بنسف انابيب البترول مرتين ، وتم نسف قطار حيفا اللد ، أما خسائر القوات البريطانية فكانت 18 قتيلاً و 29 جريحاً .
أن موقف قيادة المفتي الازدواجي قد اربك الثورة وقادتها، فهو امام الثوار شيخ الثوار ، وأمام الملوك والأمراء العرب العبد المطيع ، وأمام بريطانيا تارة يعتبرها العدو اللدود ، وتارة يتحدث عن الصداقة التقليدية والمصالح المشتركة معها ، وتارة تصل هذه القيادة الى حد قبولها منح ادارة ذاتية لليهود في المناطق التي يتواجدون فيها ، لا شك ان تذبذب القيادة ورخاوتها وعدم قدرتها على تحديد هدف واضح للقتال قد اسهم في ارباك الثوار وقياداتهم الميدانية ، استغلت السلطات البريطانية هذا الارباك والتراجع في معنويات الثوار وقامت بحشد فرقتين عسكريتين جلبتهما من مصر ، كما استعانت بعدد من اسراب الطائرات والشرطة ، كما استعانت بقوة حرس الحدود الاردنية ، بالإضافة الى استعانتها بالعصابات الصهيونية التي بلغ تعدادها حوالي ستة آلاف ارهابي ، لقد قذفت بريطانيا بكل هذه القوات لوضع حد للثورة ، وكانت أول خطوة قامت بها قطع شرايين الامدادات التي كانت تصل الى الثوار من القرى والمدن التي تمركزوا حولها ، ادى هذا الاعتداء الى انهاك الثورة ، وجاء استشهاد القائد عبد الرحيم الحاج محمد في آذار من عام 1939 بمثابة ضربة قاصمة للثورة ، اذ فقدت واحداً من أكثر القادة الشعبيين الثوريين شجاعة وحكمة واستقامة ، واخذت القيادات المحلية بعد ذلك تنهار وتغادر ميادين القتال ، ولا شك ان التقارب الفرنسي البريطاني عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية ، هذا التقارب لعب دوراً بارزاً في محاصرة الثوار ، فقد استسلم عارف عبد الرازق مع بعض اتباعه القرويين ، بعد ان انهكه التشرد والجوع ، والقت القوات الاردنية القبض على يوسف أبو درة أحد قادة الثورة وسلمته للبريطانيين فاعدموه ، ولا شك أن انعدام الحد الأدنى من التنظيم قد حال دون القدرة على تجاوز هذه العراقيل … يتبع





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

