فلسطين : صفحات مطوية من ثورة 1936

فلسطين (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة
توقفت عجلة الثورة في المقال السابق امام عتبات البيانات التي صدرت عن المفتي ، وما تبعها من بيانات مماثلة صدرت من دمشق وتعلن توقف الاضراب وكل تبعاته من كل مظاهر العصيان المسلح ، كان هذا القرار حازماً تخللته التهديدات والوعيد لكل الذين يحاولون تجاوز هذا القرار ، ان هذا الاصرار من القيادية السياسية والعسكرية على الالتزام به قد زاد من تعلق آمال وارواح الفلسطينيين بنوايا الملوك العرب وبمزاجية سلطات الانتداب .
كشف هذا الاضراب الطويل والعصيان المسلح الذي رافقه ثغرات وتناقضات كثيرة بين اجنحة الثورة المختلفة ، وانه لم يكن بينها انسجام وتوافق خاصة بين قيادة الريف وقيادة الاحزاب ذات الطابع والصيغة العشائرية والبورجوازية من افندية المدن ، وكان المفتي يعتبر همزة الوصل بين هذه القيادات والى جانبه الهيئة العربية العليا .
كشفت هذه الثورة الفجوة في المواقف وتعيين حدود قوة الالتحام مع القوات البريطانية بين اليسار الفلسطيني وبين المفتي والقوى التي كانت تقف الى يمينه ، لأن المفتي كان دائما يحاول تثبيت مقود الثورة في يده ، كي يحركها الى المدى والاتجاه الذي يتلاءم مع كونه قائداً وحيداً لها ، وقد اعترفت سلطات الانتداب بأنها كانت تعول عليه وعلى جماعته في كبح العناصر الثورية المتطرفة ، هذه العناصر كانت تعلن دائماً بانها لا تثق بسلطة الاحتلال البريطانية وتحذر من الاستمرار في مهادنتها ، كان المفتي لا يشجع فصائل الثورة على القيام بمهاجمة القوات البريطانية أثناء العصيان المسلح ، لأنه ومن حوله كانوا يأملون قيام بريطانيا باتخاذ موقف الحياد في الصراع بين العرب واليهود ، رغم ان موقف بريطانيا كان واضحاً في تحيزه لصالح اليهود خاصة اثناء ثورة البراق ، وما تبعه من خطوات ادت الى وصول عشرات الالوف من المهاجرين الجدد الى فلسطين في هذه الفترة .
بعد ان خمدت نيران العصيان المسلح انتظر الفلسطينيون الخطوة القادمة لبريطانيا التي كانت تسعى لخلق كيان صهيوني في فلسطين ، وان وعودها للملوك والامراء العرب والقيادات الفلسطينية كانت بدون معنى ولكسب الوقت ، من اجل ذلك قفزت في مخططاتها عدة خطوات الى الامام اذهلت العرب واليهود معاً فقد قررت اللجنة الملكية التي اوفدتها الى فلسطين برئاسة اللورد ” بيل ” لمحاولة رأب الصدع بين الطرفين ، قررت ان الحل الافضل هو تقسيم فلسطين الى دولتين ، دولة للعرب وأخرى لليهود ، مع تحديد مناطق كل دولة ، بهذا كشفت عن وجهها الحقيقي ، ادى هذا الاقتراح الى احداث شرخ داخل صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية ، وقد شعرت العناصر الثورية المتطرفة بالندم واللوم على نفسها اولاً وعلى قيادة المفتي ، لأنهم وافقوا جميعا على اخماد شعلة الثورة التي بدأت في الحادي عشر من شهر نيسان عام 1936 .
اثناء وجود لجنة ” بيل ” في فلسطين قررت القيادات العربية مقاطعة هذه اللجنة وعدم الجلوس والتشاور معها ، لكن مرة أخرى دخل الملوك والأمراء العرب على خطوط التدخل في قرارات القيادة الفلسطينية ، لقد أرغموا هذه القيادة مرة أخرى على الطاعة ، فقد كتب عبد العزيز آل سعود والملك غازي رسائل الى المفتي تقول : بالنظر لما لنا من الثقة بحسن نية الحكومة البريطانية في انصاف العرب ، فقد رأينا ان المصلحة تقضي الاتصال باللجنة الملكية ، وقد ادى هذا التدخل الى حدوث انقسام في مواقف واراء القيادة الفلسطينية ، لأن القوى التي كانت تقف الى يمين المفتي والتي يتزعمها حزب الدفاع سارعت الى معارضة قرار مقاطعة لجنة  ” بيل ” وقد ابدى الحزب المذكور عدة اشارات ودلائل تشير الى رغبته في قبول مشروع التسوية التي كانت بريطانيا سوف تعرضه على الاطراف المتصارعة ، وقد استند زعماء هذا الحزب الذي كان يمثل بالدرجة الاولى افندية المدن الى التذمر الذي عبر عنه كبار التجار العرب في المدن نتيجة الاضراب ، والذي ادى الى ايقاع ضرر في مصالح البورجوازية المدنية التي كان يربطها علاقات اقتصادية قوية مع شركات بريطانية ويهودية .
لقد ساندت الانظمة العربية خصوصا نظام شرق الاردن موقف المفتي وحزبه في حين رفضت القوى اليسارية كل هذه التحولات ، عندما قدمت بريطانيا اقتراحها بتقسيم فلسطين كانت تأمل بأن يتمكن المفتي من الوقوف في وجه اليسار الفلسطيني المتمثل بقيادات الريف وعدد من الأطر الحزبية والعمالية .
يذكر الشهيد غسان كنفاني في كتابه (  ثورة 1936 – 1939) ان حزب الدفاع فشل في فرض مواقفه على القوى اليسارية بقبول تقرير لجنة بيل او التشاور معها ، هذا الفشل فرض مواقفه على القوى اليسارية بقبول تقرير لجنة بيل او التشاور معها ، هذا الفشل فرض على المفتي الهروب الى الامام ، فقد قرر الاعتصام سراً داخل مسجد الأقصى ، لكن فجأة حدث ما لم يتوقعه الجميع ، فقد قام اربعة من الفدائيين الفلسطينيين تابعين لإحدى خلايا عز الدين القسام باغتيال حاكم الجليل البريطاني ” أندروز ” في شهر ايلول عام 1937 ، وقد تم الاغتيال في مدينة الناصرة .
لقد حطي ” اندروز”  برضى الصهاينة ، لأنه أدار دفة الانتداب بالأساليب والطرق التي تخدم مصالحهم ، في نفس الوقت فشل في كسب ثقة الفلاحين العرب ، وقد اعتبره العرب صديقا لليهود ، وأن مهمته تنحصر في تسهيل انتقال منطقة الجليل الى الدولة اليهودية التي حددها مشروع التقسيم الصادر عن لجنة ” بيل ” كما اتهمه العرب بأنه من وقف وراء بيع سهل الحولة لليهود .
مع ان المفتي واللجنة العربية العليا استنكرت اغتيال ” أندروز ” الا ان هذه العملية افقدت المفتي موقعه القيادي في نظر بريطانيا ، وكان عليه اذا اراد البقاء على رأس الحركة الوطنية اللحاق بها والركوب على امواجها ، كما فعل عندما بدأ العصيان المسلح في شهر نيسان من عام 1936 ، كان الاندفاع الثوري عند المواطنين في هذه المرة اشد عنفاً ، ليس بسبب الخبرات التي اكتسبوها خلال تجربة العصيان المسلح فقط ، ولكن بسبب اتساع مساحة التناقضات القائمة امام اعينهم .
لقد كان للثورة في هذه المرة اتجاهات اكثر وضوحاً وعزماً ، فقد قرر الثوار توجيه رصاص غضبهم ضد البريطانيين وليس ضد اليهود فقط ، وما يميز هذه الثورة في هذه المرحلة هيمنة الفلاحين الشبه شاملة عليها ، في حين تراجعت البورجوازية المدنية  قليلاً الى الوراء ، وأخذ اثرياء وكبار الفلاحين المتوسطين يترددون في مساندة الثوار ، الجديد في هذه الثورة قرار القوى الصهيونية والانتقال الى حالة الهجوم ضد العرب وعدم الاكتفاء بالدفاع .
برزت مسألتان هامتان في هذه المرحلة من الثورة ، الأولى ورد ذكرها في كتاب  شموئيل دوتان ” الصراع حول تقسيم فلسطين ”  كما وردت في كتاب  عبد الوهاب الكيلاني ” تاريخ فلسطين الحديث ” قيل بأن العرب اتصلوا مع اليهود واقترحوا عليهم قطع العلاقات مع بريطانيا من قبل الطرفين ، لكن اليهود رفضوا هذا الاقتراح .
ترافق هذا الرفض مع ارتفاع عدد اليهود الذين سمح لهم بالخدمة في صفوف البوليس في فلسطين ، فقد وصل عددهم مع بداية عام 1937 الى حوالي ثلاثة آلاف مجند من اليهود ، مسلحين ببنادق حربية ، وقد ذكرت صحيفة ”  جوبش اوبزرفر ” على لسان بن غوريون بقيام ضباط بريطانيين قيادة مجموعات يهودية للهجوم على القرى العربية .
المسألة الثانية التي برزت في هذه المرحلة من الثورة ان وجود قيادة الثورة خارج فلسطين ” في دمشق ” قد عزز من اهمية وسيطرة القيادات المحلية المنحدرة من اصل فلاحي وسيطرتها على الميدان ، من بين هذه القوى الشعبية احد القادة ويدعى عبد الرحيم الحاج محمد ، وقد اعترف الشيوعيون بأنهم كانوا على اتصال دائم مع هذا القائد ويزودونه بالمعلومات كما ورد في كتاب عبد القادر ياسين ” الكاتب ” الذي يتحدث عن تاريخ الحزب الشيوعي الفلسطيني ، كان من الممكن ان يشكل هذا التطور نقطة انعطاف تاريخية في الثورة لولا ضعف اليسار بمعناه النسبي ومعناه الحقيقي