الجنسية المزدوجة

دراسات (:::)
محمد حاج بكري (:::)
لا شك في كون التعدد يشكل من زوايا مختلفة معضلة حقيقية في تعاملات الفرد المتعدد الجنسية سواء من الناحية الرسمية او النفسية من جراء نظرة المجتمع اليه وريبته في ولائه للجماعة الوطنية وخاصة ان قامت الحرب بين الدولتين اللتين يحمل الفرد جنسيتهما معا
وتعد الوظيفة العامة بأي دولة تجسيدا لسلطات هذه الدولة وانعكاسا لسيادتها التشريعية والادارية على اقلميها ومواطنيها لذلك تحاط تلك الوظيفة عادة بطائفة من الامور التنظيمية والاشتراطات التي تصيغ هذه السيادة و ترسم اطارها الذي تبتغيه الدولة في الوظيفة ولا يمكن فصل هذا المدخل عن الاطار الذي يؤثر عليه في مفهوم اوسع واشمل يضم الدولة بجميع مرافقها من ناحية ويضم باقي افراد الجماعة الدولية من ناحية اخرى فالوظائف العامة كجزء من البناء الاداري للدولة قد تاثرت بالثورات المتلاحقة علميا في شتى علوم الحياة الانسانية وهو ما افرز حاجات كثيرة متنامية للانسان واوجد كذلك مزيدا من الاحتياج لاعداد اكثر من الوظائف لتستوعب هذا الكم المتنامي من الحاجات مما جعل الدولة تتطور بشكل متلاحق من منظومتها الادارية التي تنتظم الوظيفة العامة بما يلبي حاجاتها ويفي ايضا بما هو منتظم منها من خدمة تؤديها لمواطنيها من خلال هذه الوظائف
لذلك يجب تشخيص وبحث السمات العامة لتلك الوظيفة وخاصة من ناحية مزدوج الجنسية لنرى مدة انطباقها عليه من الناحية النظرية والعلمية
الوظيفة العامة هي انعكاس للسلطان الاداري للدولة على ارضها وشعبها ولا بد من ظهور المسحة التشريعية والسيادية التي تكتنف هذا الاطار حيث يعتبر الموظفون والاداريون احد العناصر الرئيسية والضرورية لقيام الادارة العامة بمهامها
ويرتبط اهم شروط الوظيفة العامة ارتباطا وثيقا باحد اهم موضوعات القانون الدولي الخاص الا وهو الجنسية وقد دأبت الدول على قصر تولي الوظائف العامة على مواطنيها دون الاجانب فاين موقع مزدوج الجنسية في هذه الحالة فهو من ناحية يحمل جنسية الدولة فصفته الوطنية متحققة وبنفس الوقت يحمل جنسية دولة اخرى
يميل الفقه الى تثمين فكرة الجنسية باعتبارها علاقة رابطة بين الفرد والدولة وهذا يؤدي الى ان توزع ولاء مزدوج الجنسية بين دولتين هو ولاء متنازع لا يحقق الولاء الخالص لدولة التوظف وهو جوهر العمل الوظيفي
وعلى سبيل المثال للحصر
نص قانون الجنسية الصيني عام 1980 في المادة التاسعة منه على ان كل مواطن صيني مقيم في الخارج يفقد جنسيته الصينية بقوة القانون اذا تجنس بشكل طوعي بجنسية اجنبية او اذا اكتسب جنسية اجنبية مما يدل على رفض الصين للتعدد في الجنسية
في فرنسا يتلخص الموقف الفرنسي بما قاله وزير العدل الفرنسي كرومييه  للورد بروغهام الذي يطلب الحصول على الجنسية الفرنسية يجدر بي ان اخبرك عن النتائج المترتبة على تجنسك الذي تطلبه بانه اذا تبنتك فرنسا واصبحت احد ابنائها فلن تكون بعد ذلك انكليزيا بل لن تكون بعد ذلك اللورد بروغهام بل ستصبح المواطن بروغهام سوف تخسر في الحال جميع امتيازاتك التي تكتسبها بصفتك انكليزيا سواء فيما يتعلق بقوانين بلادك او بعاداتك الانكليزية ومع ذلك اصر اللورد بروغهام على مطلبه واصر كرمييه على موقفه ان فرنسا لا تقبل التجزئة فهي لا تقبل ان يكون المواطن فرنسيا ويحمل في الوقت نفسه المواطنية لبلد اخر
في تركيا استطاعت الدولة التركية التخلص من نائبة محجبة في البرلمان التركي بحجة انها تحمل الجنسية الاميركية دون الحصول على اذن بالتخلي عن جنسيتها التركية وفعلا جردت من جنسيتها وطردت من البرلمان التركي
الاهرام المصرية يوم الثلاثاء 28/8/2001 ايدت المحكمة الادارية العليا بمجلس الدولة دائرة الموضوع حكم محكمة القضاء الاداري بالغاء قرار وزير الداخلية فيما تضمنه من اعلان فوز رامي لكح بمقعد الفئات عن دائرة الظاهر والازبكية وعدم اكتسابه لعضوية مجلس الشعب وانعدام واقعة حلفه اليمين الدستورية وقيده بين اعضاء المجلس لثبوت تمتعه بالجنسية الفرنسية
المادة 6 من قانون الجنسية القطري التي تنص على تقديم تعهد بالتنازل عن الجنسية السابقة بمجرد اكتسابه الجنسية الجديدة
المادة 4 من قانون الجنسية اليمني  تنازله عن انصافه باي جنسية اخرى عند منحه الجنسية
اتفاقية لاهاي عام 1930 المتعلقة بتنازع القوانين في شأن الجنسية التي تقرر فيها انه من المصلحة العامة للجماعة الدولية ان يقرر سائر اعضائها وجوب ان تثبت لكل فرد جنسية وان المثل الاعلى الذي يجب  ان تحتزيه البشرية في هذا الشان هو القضاء كلية على ظاهرة تعدد الجنسية
نظام الجنسية في المملكة العربية السعودية يقضي بوجوب التخلي عن الجنسية الثابتة لمن يريد ان يتجنس بجنسيتها وان يبلغ هذا التنازل الى وزارة الخارجية في دولته
المادة 11 من قانون الجنسية للامارات العربية المتحدة لعام 1972 ويقضي بانه لا يمنح التجنس لاي شخص الا اذا تخلى عن جنسيته الاصلية
قانون الجنسية الكويتي رقم 15 لعام 1959 والمعدل بالمرسوم قانون رقم 100 لعام 1980 ينص على الاجنبي الذي يحصل على الجنسية الكويتية وفق لاحكام المواد 8 -7-5-4 من هذا القانون ان يتنازل عن جنسيته الاصلية خلال ثلاثة اشهر من تاريخ حصوله على الجنسية الكويتية وان يقدم لوزارة الداخلية خلال هذه المدة ما يثبت ذلك والا اعتبر مرسوم منحه الجنسية كانه لم يكن
وكذلك المادة5 من قانون الجنسية الياباني لعام 1985
والمادة 9 من قانون الجنسية الهولندي لعام 1985
نصت المادة 13/3 من القانون الاردني التي تنص على انه لا تمنح شهادة التجنس بالجنسية الاردنية الى اي شخص الا اذا كان يفقد بهذا التجنس الجنسية التي كان تابعا لها
المادة 2/5 من قانون الجنسية العماني في نفس المعنى
القرار 280 لعام 1986 الذي اصدره نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع المصري الذي يستثني المصريين الذيين اكتسبو جنسية دولة اجنبية واحتفظوا بالجنسية المصرية من اداء الخدمة العسكرية في الجيش المصري
وافق مجلس النواب الاردني على المادة 25 من مشروع التعديل الوزاري المادة 75 من الدستور والتي تمنع الاردني الذي يحمل جنسية اجنبية من ان يكون عضوا في  مجلس النواب والاعيان
المادة 18  من الدستور العراقي يجوز تعدد الجنسية للعراقي وعلى من يتولى منصبا سياسيا او امنيا رفيعا التخلي عن اي جنسية اخرى مكتسبة
واذا اردنا الاكثار من الامثلة فستشمل كل دول العالم الا اسرائيل فتنفرد بتشريع خاص للجنسية ينطلق من الطبيعة العنصرية للكيان الاسرائيلي حيث يتبنى صراحة مبدأ ازدواج الجنسية وتعددها واسرائيل اول من ابتكرت فكرة الولاء المزدوج
وبالعودة الى جوهر الوظيفة العامة فاستبعاد مزدوج الجنسية له اسبابه ومنها ان الوظيفة العامة تجسد فكر الاختلاف المذهبي والاقتصادي والاجتماعي بين الدول المختلفة والذي ينعكس بدوره على دور الموظف العام وصفة الوطنية الخالصة والكاملة اي البعد عن اقسام الولاء وكونه يخل بمبدا تكافأ الفرص بين الوطنيين وللعلم ان صفت الازدواجية في شأن الجنسية تستتبع خضوع الفرد لقوانين اكثر من دولة في نفس الوقت بالاضافة الى ان الوظيفة العامة  تستند الى فكرة الخضوع الكامل للدولة واطرها الادارية والتنظيمية ورغبة الدولة في حماية امنها  من خلال الضمان القاطع لاخلاصهم لها وهو ما يستوجب صفة المواطنة بالاضافة الى ان فكرة الوظيفة العامة تستند على تحقيق مصلحة عامة للدولة فهي ترتب التزامات متبادلة بين الموظف العام والدولة وكونه يحمل جنسية اجنبية يحيط توجهه المصلحي للدولة  بظلال من الريبة وعدم اليقين ومن الناحية اللغوية صفة الوطني هي مضاد لصفة الاجنبي وهو لا يمكن فهمه الا من خلال نفي صفة الاجنبية عن اي عمل وطني اذ انه من غير المتصور ان يباشر فردا معينا حق الترشح لعضوية احد المجالس التشريعية او يتولى وظيفة عليا عامة في دولة يحمل جنسيتها ثم يباشر هذا الحق في دولة اخرى يحمل ايضا جنسيتها ويمكن القول بان متعدد الجنسية لا يعد وطنيا خالصا ولايعد اجنبيا خالصا ولذا فقد سمي بالرعية المختلط اي يندرج بين فئة الاجنبي والوطني ومن ثم فولائه الخالص غير محدد لاسيما في مواجهة الدولة التي يطالبها بالتمتع بحق الممارسة السياسية واذا راى بان يطالب الدولة بحق من الحقوق السياسية باعتباره يحمل جنسيتها فمن حق الدولة ان تطالبه بان يكون ولائه خالصا لها دون سواها فالولاء امر معنوي يتعذر تجزئته بين دولتين واكثر ومن غير المتصور ان تتقاسم دولتان قلب فردا واحد
من شروط الحصول على الجنسية الاميركية وجواز السفر الاميركي حلف يمين الولاء والذي جاء في نصه (انا هنا اعلن واقسم بولائي الخالص للولايات المتحدة الاميركية واتخلى عن اي ولاء سابق لي لاي دولة كنت سابقا من رعاياها وان ادافع عن الدستور والقوانين الاميركية وان احمل السلاح للدفاع عن اميركا متى طلب مني القانون ذلك وان اقوم بأي عمل يخدم المصلحة الوطنية ) افليس هذا قسم ولاء خالص للولايات المتحدة الاميركية وهو يتعارض مع مصالح الثورة السورية وانا اقصد من يتولون المناصب السيادية في الثورة ويحملون هذه الجنسية ويعتبرون نفسهم قمة الوطنية لابل ويخونون غيرهم وتجدر الاشارة الى ان قانون الجنسية الاميركي يجيز سحب الجنسية اذا ماشارك مواطن اميركي في العمل السياسي بدولة اخرى ولم يكن حريصا على تنفيذ وخدمة المصالح الاميركية
عندما استقلت استونيا عن الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات عاد الناشط السياسي السيد توماس هندريك الى بلاده وتنازل عن الجنسية الاميركية وانخرط في العمل السياسي واصبح رئيسا وهناك العشرات من الحالات المشابهة التي لا تنطبق ولا واحدة منها على حالنا في الثورة السورية وعلى ممثلينا في الائتلاف والحكومة حيث ان مزدوجية الجنسية نسبتهم في المناصب العليا في الثورة السورية تتجاوز 90% فهل لديهم الحس الوطني ليكونوا سوريين خالصين هل استطاعوا ان يحصوا فقط كلفة ذهابهم وايابهم من الدول التي ينتمون اليها الى اسطنبول لحضور الاجتماعات وكلفة اقاتهم ومدى حاجة الشعب الى هذه الاموال هل يفهمون حقيقة الشعب السوري وحاجياته ومتطلباته كونهم يعيشون حال من الرفاهية غير مسبوقة في تاريخ الثورات هل جنسيتهم الثانية اغلى من شهدائنا وتضحياتنا وتشردنا ودمار حياتنا لا احد يستطيع ان يزاود على احد في الوطنية فسوريا للجميع ولكن لا يمكن ان يرضى الشعب السوري بان يكون ممثليه وحكومته وبالكامل تقريبا يحملون جنسيات متعددة غير جنسيتهم السورية فاذا كانت سوريا وطنا وعشقا وروحا فالتنازل عن الجنسية الثانية من اجل تقلد منصب قيادي لخدمة الوطن هو اقل شيئ يقدم مقابل تضحيات الشعب السوري وهناك من يقول بان لديه اعمال او امور لابد ان يرجع اليها فلا يستطيع ترك الجنسية فنقول له اذا لم تخدم سوريا في هذه الفترة فمتى سوف تقدم خدماتك فسوريا تستغيث وتطلب العون من ابنائها ومهما قدمنا من مبررات فان ضرورات تغليب اعتبارات امن الثورة على ما عاداها من منافع اقتصادية وثقافية وغيرها تستوجب ان ينأى اصحاب الجنسية المزدوجة عن المجالات السياسية والاستراتيجية والامنية والعسكرية فساحات العمل الوطني تعج بالعديد من المجالات الخرى المفتوحة امامهم
هذه سوريا الغالية والحبيبة لا نجامل على حسابها احدا ومن اراد ان يشارك في حكمها عليه ان يكون ولاءه لها فقط ولا يشاركه بها في هذا الولاء دولة اخرى
ااتحدى ان يتنازل اي شخص من الائتلاف او الحكومة عن جنسيته الاخرى لاجل سوريا ..
د.محمد حاج بكري