الإسلامويون والعلمانيون بين اختباري الحكم والمعارضة

 

دراسات (:::)
بقلمم : رائد محمد دبعي- فلسطين المحتلة (:::)
نائب رئيس الاتحاد العالمي للشباب الاشتراكي
حينما أظهرت استطلاعات الرأي في إسرائيل مؤخرا بأن رئيس المعارضة” يتسحاق هارتسوج”  يمتلك فرص حقيقية لتشكيل الحكومة القادمة، أجبرته الحكومة الإسرائيلية على التنقل بسيارة مصفحة، وعززت من الحراسة الخاصة به على نفقة الدولة، علما بان رئيس المعارضة في إسرائيل يتلقى راتبا شهريا مجزيا من الدولة، ويتم استشارته وإشراكه في جميع القرارات الإستراتيجية للدولة، فقد جرت العادة أن يلتقي رئيس الحكومة برئيس المعارضة – سرا أو علنا- قبل كل عدوان على أمتنا وشعبنا في فلسطين ولبنان  وسوريا ومصر والعراق وتونس والسودان، كما يتم دعوته لاستقبال الزعماء وكبار الزوار، ولحضور الاجتماعات الهامة للحكومة، وقد شاهدنا ” أيهود باراك ”  و” شمعون بيريس ” و” ارائيل شارون”   حينما كانوا في  صفوف المعارضة وزراء في الحكومات الائتلافية بعد أن كانوا   سابقا رؤساء  وزراء، ، وهو الأمر الذي انتهجته الكثير من الدول ، فقد اعتادت  سويسرا منذ العام 1959 على  تشكيل ائتلاف حكومي يضم أقوى أربع أحزاب في البرلمان، أطلق عليه  ” حكومة الوصفة السحرية”،  وفي هولندا من المألوف تشكيل ائتلاف حكومي مكون من ستة أحزاب تتحدث لغات مختلفة، ولها مصالح متباينة، وفي المانيا يتكون الائتلاف الحاكم من الحزب المسيحي الديمقراطي اليميني وخصمه اللدود، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ويحافظ الائتلاف على مستويات نمو متقدمة، ويسجل نجاحات متتالية في مجالي الاقتصاد والتنمية، وفي الهند يتكون التحالف  التقدمي الموحد من 14 حزبا سياسيا، ومشهد الرئيس ” جورج بوش ”  الابن وعقيلته وهما يستقبلان الرئيس المنتخب ” باراك اوباما”  وزوجته على أبواب  البيت الأبيض بعد أداءه اليمين الدستوري يثير في نفس العربي الكثير من نوازع الغبطة  والمأساوية،  وحلم الوصول إلى ذاك المستوى من تقبل الآخر واحترام إرادته وضميره وحق الشعب  باختيار ممثليه.
أوروبا وغيرها من دول العالم تحررت من معضلة الاستبداد الداخلي، وأصبح جزءا من تاريخها، الذي حولته إلى متاحف لاستقراء العبر،  كما هو الحال في متحف التاريخ الألماني في برلين،  وبيت ” بينيتو موسوليني ”  في بلدة ” برادبيو”    الايطالية، ومعتقل ” اوشفيتز” في  بولندا،  بعد أن تجاوزت ما وصفه إتيان فرنسوا بمعضلة ”  الأفق المستحيل ”  والمتمثل بالميراث الاستبدادي الذي راكمته سنوات العنصرية، والعنف، والحروب الأهلية، واستغوال الأنظمة الاستبدادية على  ضمير المواطنين الأوروبيين، وبالأخص الألمان منهم.
حالنا اليوم في بلاد العرب والمسلمين يثير الشفقة،  ويحرض في النفس نوازع  الغضب والتمرد، وان كان لا زال من المبكر الحكم على نتائج الربيع العربي وثورة الشباب ،  كوننا لا نزال نمر بمحطات  انتقالية،  سبق  وأن مرت بها أوروبا خلال توقها للحرية والديمقراطية، كان آخر ثمارها في  سبعينيات القرن الماضي، ممثلة باليونان وبلغاريا واسبانيا التي لم تحقق ديمقراطيتها إلا بعد انتهاء حكم فرانكو ومجيء الملك خوان كارلوس الأول للحكم، إلا أن ما تشهده بلادنا من المحيط إلى الخليج لا يبشر بخير، وازدياد عدد الثكالى واليتامى واللاجئين بمستويات مضطردة تدق كل نواقيس الخطر، وتراجع حصة الفرد من الماء النظيف، والدواء، والكتاب، والخبز، والحرية، والكرامة،  والعمل  الكريم، وانحسار دور الطبقة الوسطى في إدارة الشأن العام لصالح  طبقة رأس المال العابر للقارات،  واستغوال القراءات المتطرفة للدين، وأنماط التدين العنصرية الدموية، التي حولت بغداد من عاصمة الثقافة والتقدم والمثقفين إلى عاصمة الموت والعمليات الانتحارية والعبوات الناسفة، والتي جعلت من دمشق العاصمة التي فتحت ذراعيها  للمواطن المسيحي  فارس خوري ليكون رئيسا لوزرائها وممثلا لكل مواطنيها لتضيق اليوم على أهلها لصالح  لغة القنابل والرصاص والطائفية على حساب  لغة العقل والمنطق والسلام .
كثيرة هي أسباب تراجعنا عرب ومسلمون، من بينها فشلنا المتتالي في اختبار تفكيك معادلة  اللعبة السياسية  ، وعدم قدرة أحزابنا على تفكيك مفرداتها واعادة تركيبها بما يحفظ السلم الأهلي ومصالح المواطنين، تلك المفردات المكونة من  الحكم والمعارضة، والقائمة على كلمة سر هي ” الوطن “، مفتحاها الديمقراطية، وأداتها الانتخابات، الحَكَم بها هو الشعب،  ولاعبيها هم الأحزاب والقوى  السياسية، على اختلاف أيدلوجياتها وتوجهاتها، قانونها المنظم هو الدستور، والعرف،  والقانون الدولي والتزامات الدولة تجاه غيرها من الدول.
لقد أفلحت الدول الحرة في تفكيك معادلة العمل السياسي، عندما حيدت عناصر الانفجار، من قبلية وعنصرية وتمييز قائم على اللون أو الجنس أو الدين، وهو المناخ الذي هيئ الأجواء   للرجل الأسود  ” باراك اباما ”  لكي  يصبح رئيسا لأقوى دولة في العالم .
فيما لا تزال المعادلة عصية على عقل العربي، الذي لا زال  حبيس ثقافة القبيلة والصحراء،  التي لا زالت تكبله وتحط بثقلها على سلوكه وقراراته، ففي ذهنية  العربي، لا بد من شيخ للقبيلة تخضع الجماهير لإرادته، ويعتبر معارضته انحراف خطير على ثقافة المجتمع  وتعاليم القبيلة، وفي ذهنيتنا المتأصلة لا يزال العربي  يرى  كرسي الحكم غاية لا مجرد وسيلة لخدمة المواطنين ، ولا زال يرفض قواعد السلوك  الديمقراطي الذي  يقوم على الانتقال السلمي من كرسي الحكم إلى مقاعد المعارضة، تنفيذا لإرادة الموطنين،  ،  وبالتالي فقد اعتدنا أن لا ينتقل الحكام العرب من كرسي الحكم  إلى صفوف المعارضة أو الجماهير إلّا  الى القبور والسجون والمنافي،  فيما من المألوف أن نرى قادة دول عظمى ينتقلون من كرسي الحكم ليصبحوا رسامين، أو كتّاب، أو محاضرين جامعيين، أو مواطنين صالحين، ومن الطبيعي في بلادنا أن ينتقل العربي من السجن ليقسم اليمين وزيرا أو رئيسا، ومن ثم يترك منصبه إلى ذات السجن مرة أخرى.
كان المشهد المألوف في بلادنا العربية احتكار الوطنيون فضاء الحكم خلال العقود الستة الماضية، ووجود الإسلامويين وعلى رأسهم الإخوان المسلمين في مصر في صفوف المعارضة، إذ يبدو أن الطرفين قد استمرؤوا المشهد، وتناسوا أن العملية السياسية هي  حُكْم ومعارضة، وان حبل الحُكْم وإن طال فلا بد أن ينقطع بصاحبه، فقد  أبدع الاسلامويين في مصر وفلسطين وتونس وغيرها من الدول في التربع  في صفوف  المعارضة الأمامية، بل واحتكارها بحكم الأمر الواقع، مما خلق تراجعا  لدور المعارضة الوطنية  في تلك الدول، وهو الأمر الذي أفرزته نتائج الانتخابات في تلك الدول ما بعد الربيع العربي،  والتي غيرت قواعد اللعبة، وقلبت الموازين، واضعة الجميع في اختبار الحُكم والمعارضة،  فقد خرج الاسلامويين من السجون في مصر وتونس ليجدوا أنفسهم في الحكم على حين غرة،  فيما وجد رموز النظام السابق أنفسهم خلف القضبان،  فاستنسخ الاسلامويين أخطاء أسلافهم في الحكم، واقتبسوا كبواتهم ذاتها في إدارة الشان العام، وانتهجوا ذات السياسة وان تغيرت مفرداتها،  فأن كانت المعارضة قبل الثورة تنعت بالتواطىء مع الإرهاب والتطرف ، فقد نعتها الاسلامويين بالتواطىء مع الغرب الكافر، وقصفت الأقلام،  وأشرعت أسلحة استخدام الدين لتبرير سياسات قمعية ضد المواطنين، غد الظالم السجين سجّانا والسجّان سجينا في وطن العرب الكبير، بينما ظل الوطن والمواطن هما  الضحية  الأكبر، فيما فشل الوطنيون في خلق  معارضة ملتزمة وديمقراطية، واثبتوا أن جعبتهم خالية من برامج واليات عمل المعارضة الوفية، التي تضع خير الوطن ومصلحة المواطن فوق كل اعتبار، وكأنهم خلقوا للحُكم، أو ورثوه جيلا بعد جيل، في مشهد فيه الكثير من الإساءة للجماهير، والنظر لهم بمنطق الرعايا القاصرين والمختطفين، وهو الأمر الذي جعل مولود الثورات العربية مشوها قاصرا ومبتور الأطراف .