دراسات (:::)
محمد حاج بكري (:::)
أن عدم قدرة النظام القادم في المجتمع السوري بعد نجاح الثورة بإذن الله والقضاء على النظام الذي عاث فسادا وتسلطا وإستبدادا وتدميرا على مواجهة متطلبات الأغلبية الساحقة لأفراد المجتمع وإشباع حاجياتهم الأساسية سيؤدي إلى بروز ظاهرة التطرف السياسي المنظم فتعثر النظام القادم مهما كان شكله ولونه عن مواجهة المشكلات الخارجية والداخلية وطول مدة هذا التعثر إذا لم يجد حلولا سريعا أو متوسطة يحس الناس بها سيؤدي إلى تفاقم المشاكل على النظام القائم حيث سينتهي الأمر بأعداد كبيرة من الشعب إلى طابور الفقراء أي أن هناك خللا أساسيا إما في جوهر وفلسفة النظام أو في أدائه أو فيهما معا ولن ينظر الناس إلى التحديات الكبيرة التي تواجه المرحلة القادمة ومن هنا يجب البدء بالبحث عن بديل يخرجهم ويخلص المجتمع من المشكلات المتفاقمة والتي تزداد حدتها كلما زاد أمد الثورة فكلما أشتدت حدة هذه المشكلات ستتحول إلى أزمة تكبر وتكبر ليصبح البديل مختلف تماما عن النظام الموجود وكلما زاد إختلاف البديل المطلوب عما هو موجود فعلا أصبحنا بصدد ما يسمى التطرف الذي يقود إلى العنف ومن ثم الإنقلاب الذي هو انعكاس لتعثر النظام السياسي و الإجتماعي في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية لأن الفشل يولد الإحباط والإحباط يخلق داخل الأفراد شحنات انفعالية عدوانية وهذه العدوانية قابلة للتحول إلى عنف خارجي فردي وجماعي ومن اهم اسباب العنف السياسي 1 ) إتساع الفجوة بين الأمل والواقع فحين يخلص الأفراد في المجتمع إلى ان الفجوة اتسعت بحيث أصبحت غير طبيعية يتولد عندهم أحساس بالفشل والإحباط وبالتالي شحنات عدوانية داخلية قد يستسلمون لها ولكن إذا خلصوا إلى أن السبب في هذا الفشل يعود إلى التركيبة السياسية والإجتماعية السائدة في المجتمع الذي ينتمون إليه فإن هذه الشحنات العدوانية التي يحملونها تتحول إلى تهيؤ وأستعداد لإستخدام العنف ضد النظام السياسي الإجتماعي القائم ويصبح هدفهم البحث عن تكيف إديولوجي وتنظيمي وعن وسائل لتغيير هذا النظام
2 ) عدم العدالة التوزيعية فالمعادلة التي يستخدمها الأفراد بوعي أو بدون وعي هي ببساطة العدالة التوزيعية = حجم الأستثمارات المادية والمعنوية = نصيب الفرد من الثروة والسلطة وهذا يعني أنه عندما تتساوى استثمارات الفرد (مجهوده ) مع استثمارات الأخرين (مجهودهم ) فمن الطبيعي التوقع أن يكون عائده من الثروة والسلطة والتقدير المعنوي متساويا مع مايحصل عليه غيره من أبناء المجتمع فإذا كانت مجهودات الفرد ضعف مجهودات غيره وإن عائد غيره أكثر منه فسوف يكره المجتمع ويكره هذه الساسية التي جعلته يحصن على أقل مما يبذل من جهد بينما الذي لا يبذل جهدا يحصل على دخل أكثر منه وهكذا فأي اختلال في هذه المعادلة أو القاعدة التعوزيعية سيؤثر على شعور الأفراد بالظلم والسخط مما يؤدي بهم إلى العنف وبالتالي حدوث عدم الإستقرار في المجتمع
3 ) الحرمان النسبي فقد تتحسن أحوال الفرد في المجتمع لكنه يجد نفسه نسبيا أقل من التحسينات التي طرأت على الأفراد في المجتمعات االأخرى الشبيهة بمجتمعه وهذا يؤدي به إلى الغضب المؤدي إلى اعتناق الأفكار الناقدة للنظام الإجتماعي السائد والداعية إلى التمرد من خلال العنف وهذا يفسر سخط الفئات الفقيرة والمتوسطة الوافدة من الريف إلى المدينة للدراسة والعمل حيث تشعر بتناقضات المجتمع الهائلة وإحساسها بالدونية والضياع والإستغراب فتلجأ إلى الأحزاب والجماعات المتطرفة لتعبر عن شعورها فالإنقسام بين الريف والمدينة ساهم في زيادة عامل عدم الإستقرار في المجتمع بسبب العامل الإقتصادي بالدرجة الأولى
4) ظهور البرجوازية التجارية والذين استغلوا الوضع القائم ضمن الثورة فلم يشاركوا فيها فعليا بل سعوا إلى استثمارها وجني الأموال من خلال الظروف المحيطة بها من شراء أراضي وعقارات أو تجارات مختلفة ليصبحوا برجوازيين بين عشية وضحاها بالإضافة إلى بعض الكتائب المنتفعين حيث بدأت معالم الثراء تظهر عليهم وهم معروفون بفقرهم سابقا
5 ) ظهور الطبقات الأرستقراطية مع البرجوازية التجارية والصناعية المدعومة من قبل السلطة مما يعني إنقراض الطبقة الوسطة مما يولد سخط المواطنين فيحدث صراع يؤدي إلى إنقسامات حادة في المجتمع
6 ) عدم العدالة في توزيع الدخل القومي والمشاركة السياسية والضمانات الدستورية وإزالة المعوقات السياسية والمالية والتشريعات التي تعرض المؤسسات والهيئات التي تقوم بالإستثمار والتوزيع والإنتاج للبيع أو الخصخصة غير العادلة وبدون تنمية لا يوجد أمن فالدول النامية التي لا تنمو نموا حقيقيا لا يمكن أن تظل أمنة وكذلك مواطنوها لا يمكنهم أن يتخلوا عن طبيعتهم الإنسانية وكلما زادت التنمية زاد الأمن
7) إن تأثير إجراءات السياسات الإقتصادية الخاطئة التي تتبعها الحكومة على الإستقرار السياسي في البلاد لا تظهر خطورة فقط في مظاهر عدم الإستقرار السياسي المصاحبة لبدء تنفيذ هذه الإجراءات بل إن الصورة الحقيقية لمدى خطورة تلك السياسات على الإستقرار السياسي تظهر من خلال الاثار الإجتماعية الناجمة عن هذه السياسات والتي تتلخص بزيادة الفقر والبطالة وسوء توزيع الدخل وتفضي بدورها إلى مجموعة اثار أخرى إجتماعية وسياسية تتمثل في التفكك الوطني مقابل التكامل الوطني فزيادة حجم الفقر تجعل الفقراء أغلبية في مواجهة أقلية هي الفئات العليا في المجتمع مستفيدة من تلك السياسات لتعزيز موقعها وتناقض الشرعية عن طريق تقليص دور الدولة في الحياة الإجتماعية والإقتصادية إلى أبعد الحدود فيظهر الحديث عن نهاية عصر الدولة ثم العنف السياسي أي أن السياسة المتبعة جعلت التغيير بواسطة الديمقراطية مستحيلا لأن نظام الحكم لا يقف ضد عوامل التغيير بل يحاربها وعدم الإستجابة للتغيير قد يطيح بإستقرار الدولة ويدخلها في فوضى شاملة وحلقة من العنف
8) في حال أن برنامج عمل الحكومة اخفق في تلبية إتاحة فرص العمل وتوفير السكن ومعالجة الجرحى والمعاقين وتأمين حاجياتهم والإخفاق يعود إلى سببين عدم ترشيد الحاجيات العامة عن طريق السلطات وتدبير معالجتها وضخامة الحاجيات المطلوبة
9) الحماية الإجتماعية التي تشكل أيضا أداة استقرار من خلال خدمات الصحة والأسرة والشيخوخة والتعليم وصعوباته
10) تغييب المنظمات غير الحكومية عن شبكة الضمان الإجتماعي وإقتصارنشاطها على الجوانب السياسية والثقافية والترفيهية
(11 عدم الإستغلال الأمثل للتبرعات والهبات رغم الدور الجيد الذي يمكن أن تلعبه لمحاربة الفقر
12) إذا تم تبني إستراتيجية وطنية فعالة لمحاربة الفقر فيجب أن تعرف طريقا إلى التطبيق الفعال ولهذا ترجع أسباب تدهور المعيشة للمواطنين إلى سوء توزيع الثروة وإهدار المال العام والفساد المالي والإداري وسوء التخطيط وإتباع سياسة مالية وضريبية خاطئة كما أن استمرار مجموعة صغيرة من المتنفذين في الهيمنة على الإقتصاد في القطاعين العام والخاص يقف حائلا بوجه الإصلاحات الحقيقية
( 13 الاثار الإجتماعية والأمنية لإنتشار الفقر سوف تؤدي إلى ارتفاع حاد في إنتشار الفساد وارتفاع معدل جرائم السرقة وازدياد معدلات الطلاق والعزوف عن الزواج وتزايد عمل النساء والأطفال في ظروف وشروط عمل غير ملائمة
(14 هناك مختصون وخبراء يفسرون أن الإنخراط في المنظمات العسكرية السرية في أغلب الأحيان يعود لعوامل إقتصادية وإجتماعية لأنها قد تدفع نتيجة الفقر إلى تبني أفكار العنف والإنتقام من الغير أو إلى تعاطي المخدرات والإشتغال بالدعارة والإنضمام إلى عصابات نهب وسرقة وقتل ويمكن تلخيص الاثار الضارة والإنعكاسات السلبية للفقر على الإستقرار الإجتماعي والسياسي بما يلي
_ تفشي الأمراض الإجتماعية
_ إنخفاض المستوى التعليمي والثقافي
_ إنخفاض المستوى الصحي
_ التهميش وضعف المشاركة في الحياة العامة
_ الإنعكاسات السلبية على وضع المرأة والأطفال
_ الإضطرابات السياسية والأمنية في المجتمع
كيفية معالجة ظاهرة الفقر من وجهة نظرنا :
1 – يجب أن تعد دراسات إستراتيجية لمعالجة هذه الظاهرة وتقييم مواردنا تمهيدا لإستغلالها استغلالا أمثلا رشيدا والبحث عن مصادر جديدة لخلق فرص عمل يكون مجتمعنا بحاجة إليها (مزارع الأسماك في البحر )
-2 وضع سياسات مشتركة مع الدول الداعمة والمانحة كهدف إستراتيجي وليس تكتيكي
3- إنجاز دراسات دقيقة لمؤشرات الفقر وما وصلت إليه بعد مايقارب أربعة سنوات من عمر الثورة ومستوى الدمار والخراب الذي وصل إليه البلد وتحديد خط الفقر الغذائي والمطلق بصورة دقيقة و واقعية تساهم في قياس ظاهرة الفقر ووضع الخطط والبرامج والسياسات لمكافحته
4- اتخاذ إجراءات مستعجلة للتخفيف من حدة الفقر ورسم سياسة تنموية مستديمة لمختلف القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية ….. الخ
5- الحد من الفقر وخلق وظائف جديدة من خلال مبادرات تنمية المجتمع المحلي
6- توجيه شبكة الأمان الإجتماعي نحو الأسر الأكثر حاجة وترشيد سياسة الدولة في الموارد وتنظيم صناديق رعاية إجتماعية مع تحسين طريقة الإستهداف للمحتاجين
7- تبني سياسة إجتماعية يكون أهم محاورها تحصيل الضرائب وعائدات الدولة من الطبقة البرجوازية التي خلطت بين السياسة والتجارة وإعادة صياغة السياسة المالية والإقتصادية للدولة بما يتناسب مع موارد البلاد وإمكانياتها والتقليل من القرارات التي تزيد النفقات على الخزينة العامة وتقليص الفوارق الموجودة بين منفذي السياسة الإجتماعية للدولة ومستحقيها وتحديد مقاييس الحماية الإجتماعية وتطهير قوائم المستفيدين غير الشرعيين منها بعيدا عن الحزبية المقيتة
8- تفعيل مؤسسات التبرعات والهبات والزكاة لما لها من دور هام في المجتمع
9- فتح المجال أمام المنظمات غير الحكومية للقيام بدورها في مكافحة الفقر وعدم ربطها بأحزاب سياسية
10- تفعيل الدستور والذي يفضي بتأمين الضمان الإجتماعي للعاطلين والعاجزين عن العمل وتحديد حد أدنى ملائم للأجور وأجراء إصلاحات جذرية في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وإيجاد نظام رقابة إدارية ومالية فاعل لمحاربة الهدر والفساد
11- التنمية الريفية والزراعية وتشجيع الإستثمار في الريف وإعداد دراسات من أجل التوصل إلى إستثمار أمثل للأراضي الزراعية ودعم المزارعين بالقروض الميسرة وتوفير المياه اللازمة والسعي إلى القضاء على الأمية في الريف وإنشاء المستوصفات الصحية وإعادة تأهيل المدارس ….. الخ
في الختام إن الظروف الإقتصادية التي ستمر بها سوريا بعد الإنتصار بإذن الله ستؤدي إلى كارثة مالم يكن هناك سياسات إقتصادية ومالية مبنية على التخطيط السليم والإصلاح المدروس وتهدف إلى الإسراع بمختلف المسارات للإصلاح وأهمها : القضاء على ظاهرة الفقر التي بدأت تظهر بشكل كبير منذ الأن ومن تهميش للطبقات الفقيرة في المجتمع وإستبعادها من لعب أي دور مؤثر لذلك يجي إجراء دراسات دقيقة لمعرفة كافة مؤشرات قياس مستوى المعيشة
مستقبلا يجب أن تتضافر جهود الدولة مع جهود فئات المجتمع للقضاء على هذه الظاهرة لما لها من اثار سلبية متعددة على مسار التنمية كما يجب وضع خطة كاملة للصناعات الصغيرة والمتوسطة والتي تخدم عجلة الإنتاج وحاجات المجتمع بناءا على دراسات موسعة ودقيقة وواقعية لإحتياجات السوق المحلي والدولي وأن تستند خطة الدولة القادة إلى ثلاثة محاور رئيسية أولها محور تدعيم النمو الإقتصادي لتخفيض حدة الفقر وثانيها مدخل التنمية البشرية من خلال زيادة الإستثمار في التعليم والتدريب والصحة وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والمحور الثالث يتعلق بالرفاهية الإجتماعية من خلال ترشيد المدفوعات التحويلية والدعم وإيصالها لمستحقيها
د.محمد حاج بكري





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

