اي حق رُفع وأي باطل وضع

التصنيف : اراء حرة (:::)
تميم منصور – فلسطين المحتلة (:::)
يوجد مسافة وابعاد انسانية في احكام القضاء ومشتقاته وقوانينه بين الحكم بالسجن المؤبد وبين نقض هذا الحكم بالبراءة التامة ،  دون الوقوف على اية محطة من محطات التخفيف في العقوبة بدلاً من التدحرج من قمة العقاب الى قاع التبرئة .
ان مثل هذه المهازل لا تحدث الا داخل قاعات وبين دهاليز دور القضاء في الاقطار العربية وغيرها من دول العالم الثالث ومن بينها مصر ، لأن وبأ الرشاوى وسيف التدخل والتوجيه من قبل المؤسسة العسكرية والمؤسسات السياسية يجعل العدالة في الاحكام تنحرف عن محورها ومسارها الطبيعي .
القرارات التي صدرت يوم السبت الماضي عن محكمة الاستئناف في القاهرة والذي سمي” يوم البراءات” من قبل العديد من وسائل الاعلام العربية والعالمية اثار الكثير من علامات التعجب كما اثار تساؤلات اكثر ، وهناك من اعتبره يوماً اسود في تاريخ القضاء المصري ، وهناك من اعتبره يوماً حزيناً سقط فيه نيزك فوق رؤوس كل الذين انتظروا تحقيق  العدالة من المؤسسة القضائية في مصر .
افصح العديد من المراقبين والذين تناولوا هذا الحدث الهام بانه من النادر جداً ان يتحول الحكم بالسجن المؤبد الى حكم بالتبرئة التامة ، خاصة لمصلحة رئيس مثل مبارك مكث في الحكم ثلاثة عقود ونيف ، اسقط فيها مصر الى  الدرك الاسفل من الفقر والجهل والتراجع في مسيرتها الحضارية ، نوه بعض هؤلاء المحللين بأن هذا التراجع في العقاب والعد العكسي لا يمكن ان يحدث الا اذا كان هناك خطأً قضائياً تاريخياً مدعوماً بالتدخل الخارجي الموجه ، لأن العدالة الحقيقية والقضاء الصادق هو نبض غالبية ابناء الشعب العربي في مصر ، أي الملايين من ضحايا هذا النظام ، كذلك فان دماء شهداء الثورة ضحايا حسني مبارك ووزير داخليته هم القضاء وهم النيابة العامة وهم الشهود وهم التاريخ الذي سطرته دموع الايتام والثكالى والمعاقين جراء محاولات قمع وقف مدهم الثوري كي تبقى مقدرات البلاد تحت رحمة طغمة من حيتان النظام ومصاصي دماء الشعب .
لا يختلف اثنان بأن النظام القضائي لا زال جزءاً من المؤسسة السياسية والعسكرية الحاكمة داخل الأقطار العربية حتى الآن على الأقل ، هذا النظام يساهم في دعم هذه المؤسسات للتخلص من معارضيها ، وهذا ما زال يحدث حتى اليوم في مصر ، خاصة في زمن السيسي الذي استصدر قانوناً يمنع التظاهر .
لا يمكن التسليم  بقرار تبرئة مبارك ونجليه ووزير داخليته حبيب العدلي الذي كان غارقاً بالفساد الا اذا توفرت الاجابة على العديد من الاسئلة ، من بينها : اذا كان مبارك ووزير داخليته يتمتعان بهذا النقاء وهذه الشفافية في الحكم حسب ما اعلنته محكمة الاستئناف ، يصبح من حق كل مواطن مصري أن يتساءل من المسؤول عن سفك دماء الآف من الشباب وقود الثورة ؟ من المسؤول عن رجال الشرطة وقوى الأمن الأخرى التي بادرت الى اطلاق الرصاص الحي للتخلص من المتظاهرين ؟ من قام ” بمعركة الجمل ” وذبح المتظاهرين في ميدان مصطفى محمود ، من دهس بالسيارات المتظاهرين أمام كاميرات وسائل الاعلام ، لقد اظهرت الأشرطة مشاركة مركبات تابعة للسفارة الامريكية في القاهرة في دهس المواطنين ، أين كان الرئيس وقتها وأين كان حبيب العدلي .
القرار بالتبرئة يثير الكثير من الشبهات والشكوك اذا لم تحدد مسؤولية هؤلاء القائمين على هذه الجرائم من قبل المحكمة ، من هذه الشبهات والشكوك ان قرار البراءة بحق مبارك صدر من الرياض عاصمة السعودية قبل صدوره من القاهرة ، لأن القاصي والداني يعرف بأن السعودية أبدت استعداداً لشراء رأس مبارك حليفها وصديقها ومنفذ اوامرها بملايين الدولارات بعد اعتقاله من قبل المجلس العسكري الذي سيطر على سدة الحكم ، بعد أن أصبح كرسي الرئاسة شاغراً ، لكن المجلس العسكري رفض هذا الطلب خوفاً من غضب الشعب المصري وزعزعة ثقة هذا الشعب بقواته المسلحة ، كما نوهت صحيفة هآرتس ، وبعض الصحف العربية بأن قرار التبرئة لم يعكر من مزاج السيسي بل ازاح عن كاهله كابوساً كان يقلقه ويحرجه ، لأنه نوه في احدى مقابلاته بأنه يدرس امكانية اصدار عفو عن حسني مبارك لأسباب انسانية من وجهة نظره ، هذا يجعلنا نؤكد بأن قرار التبرئة جاء حسب رغبته ، فهو يعرف قبل غيره بأن المبنى السياسي والاجتماعي والاقتصادي لنظام مبارك لا زال قائماً ، ولم يفقد سوى الرأس أما الجسد فلا يزال يحكم الشارع المصري .
قرار التبرئة يؤكد بكل تداعياته بأن مصر وقيادتها السياسية لا تزال رهينة اتفاقية كامب ديفيد والتحالف مع امريكا وأن الشرايين التي كانت تربط مصر بالأجماع القومي العربي لا تزال مقطوعة ، النظام الحالي في مصر الى جانبه قضاة المحكمة التي عزمت على تطهير مبارك غير معنيين بتحرير مصر من التبعية التي فرضها عليها مبارك طوال سنوات حكمه .
آخر اثبات على ذلك هو مبايعة السيسي لقرارات مؤتمر التعاون الخليجي الذي عقد في الرياض قبل اسبوعين دون حضور هذا المؤتمر ، لأن امريكا تريد ذلك بحجة محاربتها للإرهاب .
النظام غير معني بمعاقبة مبارك رغم أنه حول مصر الى أكبر امبراطورية للفقر والفوضى والمحسوبية والفساد ، كانت مصر في زمنه محتلة من قبل جيش من الانتهازيين من اولاده وزوجته واعضاء حزبه – الحزب الوطني –  والوزراء والاجانب .
نضحك عندما نشاهد الافلام المصرية  التي تدور حول تجارة المخدرات ويتم اعتقال رئيس العصابة نجد الحكم يكون الاعدام او المؤبد ، فكيف بهذا الرئيس المخلوع الذي خدر مصر لمدة ثلاثة عقود لا يعاقب على ذلك ، وهل القضاة من خارج الشعب لم يلمسوا الفساد والارض المحروقة التي خلفها هذا الرئيس ، وماذا مع الارقام والمبالغ التي عرضتها الفضائيات الاختلاسات والأموال التي نهبت وبحوزة ابناء الرئيس وزوجته وكل الذين يلفون حوله .
والغريب ان النظام السيسي اسكت الفضائيات ووسائل الاعلام عن نشر فضائح مبارك ، لم نعد نسمع عن ثرواته وقصوره وفنادقه وفساده .
صك البراءة الذي صدر الاسبوع الماضي ذكرنا بما قاله بعض الحكماء العرب عندما قُتل الخليفة “عمر بن الخطاب ” وصادف اليوم الذي ولد فيه الشاعر الغزلي ” عمر بن أبي ربيعة ” فقيل ” أي حق رفع وأي باطل وضع ”  الحق الذي رُفع هو الشعب المصري بثورتيه (25يناير 30 يونيو ) والباطل الذي وضع هو تبرئة مبارك من قبل القضاء المصري .