الحنين الى الماضي

التصنيف : فن وثقافة (:::)
طلال قديح – السعودية (:::)
الحنين للماضي لا ينقطع ولا يتوقف ، بل لعله مع مرور الأيام وتتابع الأعوام ، يزداد ويتضاعف، ويتعمق معه الإحساس بأن مافات خير من الحاضر وربما أفضل من المستقبل ، لأن تداعيات الحاضر المعاش وما تتسم به من تناقضات وما تزخر به من سلبيات، تملأ النفس آلاماً وحسرات ، فتتصاعد الآهات تلو الآهات تحسراً على ذاك الزمن الجميل.
أسمع نشيد فلسطين الخالد الذي نظمه الشاعر علي محمود طه، ابن الكنانة، والمسكون بحب فلسطين، شأنه شأن ذلك الجيل العظيم الذي بلغ الأوج في جهاده وعطائه للقضايا العربية وعلى رأسها أم القضايا ” فلسطين” ،وتتضاعف عظمة هذا النشيد بأن لحنه وغناه الفنان الخالد محمد عبد الوهاب، بصوته الشجي الذي يحلق بسامعه في آفاق من الحماس والإبداع ، ويملأ النفس حمية ويشحنها انتماء ووطنية.
لله در ذاك الجيل العظيم، الذي أبدع في السياسة والعلوم والأدب والفن، فكان منهم قامات شامخة تفخر بهم الأجيال على مر الزمان.
استهل الشاعر قصيدته، بنداء أخوي ، محذراً مما آلت إليه الأمورالتي تنذر بمخاطرليس لها آخر:
أخي جاوز الظالمون المدى   فحق الجهاد وحق الفدا
فقد تخطى العدو الظالم كل الحدود ، لذا أصبح الجهاد حتمياً..وكيف نتركهم يفسدون ويقتلون!وهم بغير القوة لا يُردعون!
وهنا تبلغ الصرخة ذروتها فيدعوللقتال قبل أن يستفحل الداء ويعز الدواء..يستثير المروءة العربية والنخوة الدينية ويذكّر بالقدس والحرمات والحرائر.. كفى ..كفى ..لقد صبرنا كثيرا حتى ضاق الصبر عن صبرنا..
أخي أيها العربيّ الأبيّ  أرى اليوم موعدنا لا الغدا
أخي أقبل الشرق في أمة  تردّ الضلال وتحيي الهدى
أخي إن في القدس أختا لنا   أعد لها الذابحون المُدى
صبرنا على غدرهم قادرين  وكنا لهم قدراً مُرصدا
طلعنا عليهم طلوع المنون  فطاروا هباء وصاروا سُدى
ويناشد العرب ، أن يهبوا من غفلتهم، ويصحوا من نومتهم، ويستلوا السيوف من أغمادها، ليحموا مقدساتهم: المسجد الأقصى وكنيسة القيامة
أخي قم إلى قبلة المشرقين  نحمي الكنيسة والمسجدا
يسوع الشهيد على أرضها  يعانق في جيشه أحمدا
وهذا هو التسامح الديني بعيدا عن التعصب الأعمى، الذي أوردنا أو يكاد، المهالك!!
ويستل الشاعر سيفه داعياً كل العرب إلى منازلة العدو، فلا مجال للتسويف أو الانتظار، فقد بلغ السيل الزبى!
أخي قم إليها نشقّ الغمار  دماً قانياً ولظىً مُرعدا
أخي ظمئت للقتال السيوف  فأورد شباها الدم المُصعدا
وهو أول من يتقدم الصفوف مع حملة السيوف للدفاع عن فلسطين الحبيبة:
أخي إن جرى في ثراها دمي  وأطبقت فوق حصاها اليدا
ونادى الحٍمام وجُنّ الحُسام  وشبّ الضٍرامُ بها موقدا
ففتش على مهجة حرة   أبت أن يمر بها العدا
وخذ راية الحق من قبضة  جلّاها الوغى ونمّاها الندى
وقبّل شهيداً على أرضها  دعا باسمها الله واستشهدا
وفلسطين الحبيبة جديرة بكل التضحيات في سبيلها ، فلأجلها تهون النفوس وترخص الدماء..لم لا؟ وهي مهبط الرسالات ومهد الأنبياء، خصها الله تعالى بالتكريم في الإنجيل والقرآن.
فلسطين يحمي حماك الشباب  فجلّ الفدائيّ والمُفتدى
فلسطين تحميك منا الصدور فإما الحياة وإما الردى
أجل..لا قيمة لحياة الإنسان في وطن محتل مهان..فإما حياة حرة كريمة تسر الصديق ، وإما ممات يغيظ العدا
نسمع محمد عبد الوهاب وهويغني هذا النشيد، منطلقاً من حب صادق لفلسطين ومشاعر وأحاسيس متدفقة تنم عن عظمة ذلك الجيل العظيم من العمالقةّ الذين لم يدخروا جهداً ولم يتوانوا أبداً في خدمة قضايا أمتهم العربية في كل المحافل وفي كل المجالات.
نسمعه فيهيج فينا كوامن مشاعرنا، ويعيدنا لماض كنا فيه متكاتفين متوادين متحابين..سقيا لتلك الأيام الجميلة.
أين نحن من ذلك الجيل العملاق؟! ندعو الله أن يتكرر ليقيل عثرة الأمة ويزيل الغمة ويوقد جذوة الهمة، لنحتل مكان الصدارة اللائق بنا في مقدمة الركب العالمي، كما كان الآباء والأجداد عبر الزمن الجميل، فنكون خير خلف لخير سلف، يحفزنا قول شاعر النيل حافظ إبراهيم:
لا تيأسوا أن تستردوا مجدكم    فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى
فتجشّموا للمجد كلّ عظيمة   إني رأيت المجد صعب المرتقى
من رام وصل الشمس حاك خيوطها  سبباً إلى آماله وتعلّقا