ياسين الحافظ والإيديولوجية المهزومة في المجتمعات العربية: بمناسبة ذكرى وفاته 28 / 10 / 1978

التصنيف : دراسات (:::)
منير درويش * دمشق سورية (:::)
سياسات لا عقلانية ، هزائم متلاحقة وإيديولوجية مهزومة . عناوين مركزية في المنظومة الفكرية والسياسية لياسين الحافظ المثقف العربي السوري ( 1930 – 1978 ) والذي توفي قبل 36 عاماً لكنه لا زال حاضراً معنا من خلال هذه المنظومة التي صدرت بعد طبعات عدة في مجلد ضخم تحت اسم ( الأعمال الكاملة ) عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت .
لقد تضمنت منظومة الحافظ مواضيع متعددة ومتنوعة غطت مراحل طويلة وأحداث هامة حدثت في الواقع العربي وفق تسلسل زمني لا حدود له ، وحاولت أن ترسم صورة واضحة وموضوعية لواقع المجتمعات العربية بتجربتها التاريخية وما حملته من انهيارات وسلبيات وهزائم ، كما حاولت أن تفتح أمام المثقفين والسياسيين في البلدان العربية الطريق للانطلاق نحو المستقبل والدعوة لبناء ثقافة تلائم العصر الذي نعيش فيه ونتفاعل معه تنبثق من واقعنا وحاجاتنا والتي عليها يتوقف مستقبل الأوطان والشعوب تقدماً كان أو تراجعاً .
لكن الوعي الزائف والسياسات اللاعقلانية للنخب العربية أجهضت هذه المحاولة كما أجهضت محاولات أخرى بسبب عدم استيعابها وفهمها لتلك التجربة وسعيها لتحويل الانهيارات والهزائم إلى انتصارات وهمية كي تتهرب من مسؤوليتها ، تارة بالادعاء أن هذه الهزائم هي نتيجة مؤامرة دبرها الخارج ضدنا ، ( ادعت بعض الأنظمة التي سمت نفسها تقدمية أن المعارك لم تنجح لأنها لم تستطع أن تسقطها ) ، وتارة أخرى بالقول إنها ليست سوى نكسات مؤقتة يمكن تجاوزها عند تجاوز الأخطاء التي سببتها . وفي كل الأحوال ( هي عقاب الله على ازورارنا عن صرط السلف الصالح ) رغم أننا وكما يقول ياسين ( جوامعنا مكتظة ، كنائسنا مزدحمة ، أطفالنا يتعلمون ما قاله ابن تيمية والسنوسي والإمام علي وبولص الرسول ) ، أكثر مما يتعلمون الحساب والعلوم . في كل الهزائم وهي كثيرة بالطبع يحاول الفكر التقليدي والنخب العربية تزييف الحقائق التي أدت للهزائم يروجون أكاذيب تستر واقع الفوات العربي وتموه الهزائم التي لم تكن إلا سهلة ومذلة .
وفق هذه الأسس بنى الحافظ منظومته التي رسمت خطوطاً عريضة لإستراتيجية فكرية سياسية سعت للخروج من مأزق التأخر الذي تعيشه جموع الأمة على كل الأصعدة .
رغم السنوات الطويلة التي مرت على منظومة الحافظ والتي كان لزوجته سلوى الحافظ ورفاقه في حزب العمال الثوري العربي وأصدقاءه دوراً بارزاً في تعميم هذه المنظومة وحفظها فحظيت ولا زالت تحظى باهتمام المثقفين والسياسيين ، بعضهم يؤيدها ، وبعضهم يختلف معها ولكن الكل يشيد بها بسبب دقة التحليل للحاضر وعمق الرؤية للمستقبل ، جذرها الأساسي هو رصد الفشل في تحقيق حداً أدنى لمشروع نهضوي عربي يهيء لدخول العصر ودور النخب الثقافية والسياسية في هذا الفشل وبالتالي عجزها عن التأسيس لرؤية فكرية سياسية بديلة لما هو سائد تبني لمستقبل الأمة وآفاق تطورها بعد الهزائم والانهيارات التي واجهتها وتواجهها وهذا ما دفع الحافظ لنقد وعي هذه النخب والبنى السياسية “التي لا تعرف كيف تمارس السياسة وتستفيد من الإمكانيات والموارد ، بل تعرف كيف تهدرها أو تنهبها ” حيث أن هذه النخب لم تدرك أن جذر كل الهزائم يكمن في وعيها التقليدي المفوت وأن المجتمع العربي في بناه القائمة هو المهزوم . لقد اتسم نقده لها بالصراحة والوضوح دون مجاملة أو تهاون وحمل هذه النخب المسؤولية الأساسية لاستمرار التأخر وتكريسه رغم احترامه للذات الشخصية . لقد كان نقداً شاملاً تناول إلى جانب النخب ، المجتمع برمته والأنظمة التي أنتجها داعياً إلى قلبه مع قلب الأنظمة الراكبة على ظهره .
في بحثه عن يسار متجدد انتقد بشدة اليسار التقليدي الذي وجد أنه ساهم في خراب الأمة . وهو أي ياسين لم يتهرب من مسؤوليته بالمساهمة في تأسيس هذا اليسار والعمل معه . وفي بحثه عن الفكر القومي الديمقراطي المنفتح ، انتقد الفكر القومي التقليدي الشوفيني الذي أسس لوعي استبدادي شمولي إقصائي ساهم في دعم الأنظمة الاستبدادية ومهد لها الطريق فكرياً وسياسياً ، فبدلاً من تعزيز مفهوم المواطنة وتأسيس فضاء واسع تتشارك فيه مكونات الأمة بأكثريتها وأقلياتها ، عززهذا الفكر النزعات المذهبية والطائفية والعنصرية على حساب مفهوم الأكثرية والأقلية السياسية التي تتجاوز المفهوم المذهبي إلى المفهوم السياسي الديمقراطي الذي يتساوى فيه المواطنون أمام القانون . وفي نقده لوعي النخبة توقف عند وعيها العام الذي اتصف بالمواربة والدعائية والاستبداد ، فهي لا تقبل الرأي الآخر ولا تعترف به ، مع انعدام روح الفضول وطرح الأسئلة ، وميلها لتقديم أجوبة يقينية فقط كون وعيها وعي إ يماني لا يميز بين حكم القيمة وحكم الواقع فضلاً عن مساندتها للأنظمة في إدارتها للسلطة بالقمع والطغيان .
إن أهمية الحديث عن فكر ياسين في المرحلة الحالية ينبع من التدهور الذي تعيشه المجتمعات العربية والانهيارات التي تتعرض لها وعمق التأخر فيها وضرورة وعي هذا التأخر في محاولة لتجاوزه وتوفر بنية فكرية سياسية ديمقراطية تتجاوز الوعي التقليدي السائد الذي توزع وفق الحافظ إلى تيارين ( الأول ، سلفي تراثي يكره الحاضر وينظر بخوف للمستقبل ، والثاني ، قومي في أهدافه وشبه عصري في نواياه وتلفيقي في منهجه ، هذا التيار يكره الماضي ويريد أن ينفلت من الحاضر فيدور في حلقة مفرغة يظنها تقدماً إلى الأمام .. هذين التيارين كان لهما الدور الحاسم في تعزيز التأخر واستمرار الانهيار حيث أنتج الأول الأحزاب الدينية والطائفية . والثاني أنتج الأحزاب القوماوية الشوفينية التي ساندت وعززت الاستبداد وزاودت على الأمة بشعارات الممانعة والمقاومة على مدى عقود من الزمن .
ضمن هذا الواقع لم يكن غريباً أن تنشأ ( الحركات الإرهابية التكفيرية ، ونقصد بها الحركات والمجموعات الدينية والمذهبية بكل أنواعها إسلامية كانت أو غيرها ، لأن القيم الفكرية للغالبية الساحقة من ( الناس ) الذين يطلق عليهم (مواطنون ) تنسجم مع هذه الحالة ،وليس غريباً أن تتحول ثورات الربيع العربي التي انطلقت ضد الاستبداد والظلم والطغيان وضد النهب والفساد من حركات تؤسس لثورات اجتماعية سياسية ناهضة بمشروع الأمة إلى حركات متقاتلة غرقت في مستنقع الطائفية والعنصرية . وتراث من الماضي يعيق كل محاولات التقدم بعد أن أهملت المخزون الكبير من التراث الغني والمهم .
في مثل هذا المجتمع كان طبيعياً أن يصبح التخلف عبارة عن تقييم إستشراقي غربي لمجتمعات معقدة في تركيبتها وعلاقاتها الداخلية ، و هو التعبير السطحي للأزمة العامة لوعي النخبة المفوت والمتأخر ، الإمتثالي والغيبي الذي تخلى عن وظيفته النقدية التي تقييم الواقع وتطرح الأسئلة وتجيب عليها في محاولة لإصلاح هذا الواقع ، أما الذين هربوا من هذا الواقع فقد اختبأوا خلف عباءة الإيديولوجية التي لا يمكن للمرء أن يقدر مدى التشويه والتحوير الذي أنزلته بالوعي ، وكيف حجبت مفاهيم أساسية في الثورة القومية الديمقراطية كمشكلة التكسير المجتمعي وبناه التي تجاهلتها النخب التي حملت هذه الإيديولوجية ومشاكلها ونزعاتها المختلفة ، و كانت إما صامتة أو مكبوتة لكنها في كل الأحوال كان انفجارها محتملاً .
إن المجتمعات العربية تخترقها كل أنواع الصراعات وتعاني الأغلبية فيها من الفقر ، إلا أن مواجهة الفقر لا تأتي إلا على شكل غضب آني ومحدود وليس على شكل صراعات طبقية ، حيث أن الانقسامات والانتماءات العامودية ووزن هذه الانقسامات التي هي في وعي الأفراد والتكوينات أكبر بكثير من الصراعات الطبقية أو المعيشية وهذا ما عجزت عن فهمه النخب الثقافية والسياسية عندما تجاهلت هذه الانقسامات وأهملتها لصالح
( مجتمعات افترضت أنها موحدة لمجرد أنها رغبت أو تخيلت ذلك ). ” إن أبرز الظواهر التي اتسمت بها المجتمعات العربية هي نقص الاندماج القومي الذي جاء نتيجة الركود العربي حيث أشكال التضامن التقليدية القديمة ، وحيث يعيش الناس منعزلين في عصبيات وجماعات ضيقة يحل بينهم نظام القرابة المعيق للتقدم والذي يحل رابطة الدم محل الروابط الثقافية والسياسية ، حتى الأحزاب السياسية لم تتجاوز هذه الروابط ” إن إهمال البنى الثقافية السياسية لهذه الحقيقة ، جعلها تخرج الواقع من رأسها بدل أن تخرج رأسها من الواقع ، فأجهضت مشروع تقدم الأمة وعززت تأخرها .لقد استبدلت الديمقراطية ( باشتراكية ) لا صلة لها بالواقع بنيت على أساس الصراعات الطبقية في مجتمع لم تتكون فيه طبقات لذاتها وتسوده صراعات بدوية ونزعات طائفية أشبه بطبقات مغلقة بوعيها وسلوكها وممارساتها .
لقد تجلت رؤية الحافظ للتأخر في ظاهرات عدة منها مجتمعي ، الموقف من المرأة والعنف الذي تتعرض له .والوقت والعمل . ومنها الثقافي ، الموقف من التراث والليبرالية . أو سياسي ، في مفهوم الوطن والمواطنة وسيادة الشعب والديمقراطية . الدولة ، وكما رآها ، ” هي في عموم الوطن العربي دونية لأنها ، إما فئوية ، ( طغمة ، طائفة ، عشيرة ، عائلة ) وهذا ما يفسر طابعها الاستبدادي لأن مثل هذه الدولة لا يمكن أن تستمر إلا باستخدام القوة . أو ثيوقراطية ، تتميز إلى جانب الطابع الاستبدادي بأنها منغلقة على العصر الحديث ومؤمنة بالمسلمات والغيبيات . الدولة الديمقراطية هي دولة علمانية وعقلانية مؤهلة لتكون عصرية وهي وحدها التي تحل محل الدولة ( المملوكية ) المنسلخة والمفوتة والعاجزة عن إرساء أسس الدولة العصرية الحديثة التي لا يمكن بناؤها إلا بالسياسة والثقافة وعلى أسس الديمقراطية والعلمانية .
إن مصدر التأخر هو في سيادة البنية التقليدية ما قبل الحديثة ونظام القرابة في المجتمع والسلطة والذي يشكل العمود الفقري للمجتمعات العربية وأنظمتها السياسية ،والنزوع العشائري والطائفي والانقسام بين الريف والمدينة ، وبالتالي فإنه لو توفرت بنية فكرية سياسية حديثة كانت كفيلة بأن تلجم هذه الظواهر وتمنح الفرد قوة تحرره وتنمي كرامته وتشحذ قيمه الأخلاقية . من هنا فقد أطلق الحافظ شعار الثورة القومية الديمقراطية كشعار استراتيجي في مواجهة التأخر العربي ونقد الاشتراكيات العربية التي سماها ( تأخراكية ، أي اشتراكية متأخرة ) معلقة في الفراغ دون قاعدة فكرية أو سياسية ، ودون فئة مؤهلة قادرة على استيعابها وحملها . أمام هذا الواقع وجد أن ( حرق المراحل وهم ، وان للتاريخ وزناً لا يمكن القفز عليه أو تجاوزه ) . إن الثورة الوطنية الديمقراطية هي ثورة الآن ، ثورة توحد الشعب وتنشر الحريات وتؤكد سيادة القانون وتحقق العدالة والمساواة و تصبح وسيلة لتسييس الشعب التي حرم منها بسبب طغيان استبداد السياسات العربية التي ألغت التعددية وحرية الرأي والتعبير وصادرت الحريات فيما سمحت ( لداعش وأخواتها ، ونقصد بها كل المجموعات الدينية المتطرفة ، إسلامية كانت أو غيرها ) أن تنمو وتتغلغل في ثنايا المجتمع بأسماء عدة . هذه الديمقراطية هي التي تعطي للإنسان صفته ككائن سياسي يحاور ويجادل ، يتفق ويختلف ، يحتج ويصمت ، يحارب ويسالم … وهي الوسيلة التي يتخاطب بها المجتمع ويتحول الفرد إلى مواطن والبلد إلى وطن . هذه الديمقراطية هي نقيض ثقافي وسياسي ( للديمقراطية الشعبية ) التي تبنتها بعض الأنظمة ، في محاولة لتزييف الديمقراطية لصالح الاستبداد ومحاولة لضبط حركة الشعب عبر منظمات الضبط والضب تعزيزاً لهذا الاستبداد وتبريره .
لقد أخذت القومية حيزاً واسعاً في منظومة الحافظ ، القومية التي عناها هي منظومة علاقات مجتمعية متطورة نسجها تطور تاريخي معين بين أو داخل أعضاء جماعة واحدة . أما القوماوية فهي كل موقف تمايزي عنصري انثنائي أو عدائي تتخذه جماعة ما إزاء أخرى . والقومية هي الحركة التاريخية التي ترفع سديماً بشرياً إلى كتلة متجانسة متلاحمة تستحق اسم أمة .
” قبل القومية كانت العلاقات بين الجماعات الإنسانية قائمة على رابطة الدم أو نظام القرابة ومع تقدم هذه الجماعات أخذ نظام القرابة يتراجع لتنشأ رابطة بين جماعات مستقرة على رقعة معينة من الأرض ، لذا مقولة الوطن مقولة تاريخية أي تكونت تاريخياً وحلت تدريجياً محل نظام القرابة فنشأت الأمم الحديثة التي بدورها نشأت الدولة القومية العقلانية ، هذا التطور لم تشهده المجتمعات العربية حيث التشكيلات التقليدية بقيت تتمتع بثبات ملحوظ ، ووعي أفرادها لم يرقى لتجاوز نظام القرابة وبالتالي فإن هذا النظام شكل العمود الفقري للأنظمة السياسية والسياسات العربية “.
كان الحافظ مثقفاً فاوستياً يحب المعرفة ، مناضلاً لتحقيق الأهداف . استطاع أن يربط بين الوعي والممارسة وبين الثقافة والسياسة ، ساهم مع رفاق له في بلورة مشروعاً سياسياً تمثل بتأسيس حزب العمال الثوري العربي وتسلم رئاسة مكتبه السياسي القومي وحاول من خلاله أن يتجاوز التجارب الحزبية التقليدية ( بيسارها ويمينها ) كما كانت تسمى ، رغم أنه في كل ما كتبه لم يشر بأية إشارة لانتمائه لهذا الحزب ليس تهرباً منها بل لأنه لم يرغب بربط تجربته بأي انتماء يشكل عائقاً أمام انطلاقته الفكرية السياسية ويخصخص هذه الانطلاقة خاصة وأن التجربة الحزبية وصفات الحزب الثوري كما رسمها في مقالة طويلة في عددي الثورة العربية 11 و12 لعام 1972 .لم تكن متوفرة ، الأحزاب التي تشكلت كان همها التنسيب ، شعارها أو نداؤها هو ( أنت الذي تريد أن تدخل هذا البيت لتكون من أهله عليك ترك وجدانك على الباب ) ، الحزب ليس لافتة وهو أكثر من تنظيم ، إنه موقف ، وانحياز للحقيقة وفوق المنفعة ، ليس وصاية على البشر إنه عكس الوصاية ، حزب يخطىء ويصيب ، حزب الذين يختلفون ويتحدون ، الذين يصنعون الأسئلة قبل الإجابة عليها ، الحزب الذي يسقط القداسة عن كل شيء ، عن الفكر والفكرة كما يقول الياس مرقص . لقد أعطى الحافظ للسياسة بعدها المجتمعي العام بمعالجته عمارة المجتمع والغوص في أعماقها بدل السطح السياسي الذي يقتصر على معالجة سلوك السلطة اليومية وسلوك المعارضة ومطالبها ومصالحها ، ” إن الوعي الواقعي العقلاني المطلوب هو رفض كل عمارة المجتمع العربي التقليدي وشبه التقليدي ، بتقليدها وإيديلوجياها ، بطوابقها الاجتماعية والثقافية فضلاً عن ركائزها الاجتماعية ” . فهو يرى أن السياسة في مجتمعاتنا لم تمارس كمجموعة مسؤوليات وواجبات ملقاة على عاتق عضو حر ومسؤول ، يشكل جزءً لا يتجزأ من مجموعة بشرية مجتمعة في مدينة .
لقد توقف ياسين وتوقفنا معه عند جملة من الأسئلة فشل المثقفون العرب ونحن منهم بالإجابة عليها وهي :
كيف نجعل الوعي المطابق برنامجاً للممارسة ؟. ما معنى أن نطالب بالديمقراطية ونمارس الاستبداد سياسياً واجتماعياً ؟ . وما قيمة الدعوة لحرية الرأي والتعبير ونحن نصادر كل رأي مخالف ، ندعو لوحدة المجتمع وفق مفهوم المواطنة وندعم النزعات العائلية والعشائرية والطائفية و الشوفينية القومية ، ندعو لوحدة الأمة ونهمل تعزيز الدولة الوطنية ودورها كمقدمة ضرورية لبناء دولة الوحدة القوية والراسخة ، ندعو لتحرر المرأة ونجعلها ( حرمة ) نقدس العمل ونتعالى عليه نحترم الوقت ونهدره .
ماذا فعلنا لمنظومة الحافظ بعد 36 عاماً ؟ هل أضفنا إليها شيئاً أم تجاهلناها ؟ تقدمت ( داعش وأخواتها ) وتراجعنا تضاعف تأخرنا وتخثر وعينا . ما أراده الحافظ وأردناه تبخر ، التيارات التي صنعت التقدم لا يمكن استعادتها في ظل التقدم الأمريكي الأوربي الهائل والتراجع العربي الرهيب . الوحدة المصرية السورية عام 1958 وقيادتها الناصرية لم تعد مثالاً ، ضحت سورية بديمقراطيتها لصالح الوحدة على أمل أن تكون جسرأ لديمقراطية أوسع ، لكن قيادة الوحدة والنخب التي ساندتها لم تستوعب أن استمرار هذه التجربة رهن بتحقيق الديمقراطية ، وأن الديكتاتورية وبالاً عليها مهما امتلك الفرد من صفات القيادة والنوايا الوطنية الصادقة . قاوم الحافظ الاستبداد وتعرض مع رفاقه للاعتقال والتعذيب وبقي منخرطاً في النضال مع الشعب الذي ذاق ويلات هذا الاستبداد وسبب هزائم الأمة .
الثورات العربية التي أطلقتها الشعوب بعفويتها ، كشفت تقاعس النخب السياسية التي عجزت عن مواكبة هذه الثورات وأظهر هذا العجز صحة كل ما قاله الحافظ عنها . كتل بشرية تنطلق لمواجهة استبداد الأنظمة تسقط بعضها أو تسقط شرعيتها دون حضور لهذه النخب التي تصالحت مع الاستبداد وجعلت معارضتها مجرد رفع عتب سياسي رغم تضحياتها الكبيرة . بلدان عربية بكاملها انهارت أو على وشك الانهيار ، الحرب اللبنانية التي وصفها الحافظ ( بالحرب الطائفية القذرة ) والتي دامت 15 عاماً ستكون نقطة في بحر هذا الانهيار .
المؤامرة الخارجية حاضرة في الوعي العربي مع كل أزمة أو هزيمة يواجهها ‘ التصور المؤامراوي جلب معه المزيد من انحطاط الوعي وحول تحليلاته إلى شطحات زعم أنها ثورية لعبت أشد الأدوار شؤماً في تبرير الهزائم وجعل المجتمعات العربية القائمة في منأى من النقد والتشكيك ، وهذا ما جعل الحافظ وغيره من المثقفين في سعي لقلب الأشكال القديمة . يقول ” عندما تخطينا الإيديولوجية القوماوية وكل رواسبها لم نعد نعتبر نقد المجتمع من المحرمات ، هوت وانقلبت أو تعدلت عمارات إيديولوجية مشيدة في أذهاننا عن الواقع وغدا كثير من الحقائق العامة قاصراً على تفسير هذا الواقع من جهة ومختزلاً نوابضه وحركته من جهة أخرى ” .
ليست مؤامرة تلك التي أنتجت ( داعش وأخواتها ) كما وصفها البعض ، بل نتيجة طبيعية لوعي زائف أنتج بموازاتها أيضاً أنظمة استبدادية على شاكلتها ، وعي متأخر استبدادي مصلحي يضع مصلحة الفرد فوق مصلحة الوطن والأمة ، يبحث في الماضي ويكره المستقبل وعي مذهبي لا وعي وطني .
هذا عرض مبسط وموجز لما تعرض له الحافظ في تحليله لواقع المجتمعات العربية وسياساتها ونقد هذه السياسات نقداً موضوعياً لم يكن فيه تجريح أو تسفيه بل محاولة منه لإحداث صدمة لإيقاظ الوعي من تقاعسه وسباته .
ربما أخطأ الحافظ كما نخطيء نحن و يخطيء أي إنسان آخر لكنه بالتأكيد أصاب كثيراً .
المراجع : ياسين الحافظ – الأعمال الكاملة – إصدار مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت
نشرة الثورة العربية – اللسان المركزي لحزب العمال الثوري العربي – الأعداد كانون ثاني – شباط – آذار لعام 1972 – العدد آذار 1977 – تشرين ثاني 1979 – تشرين ثاني 1980