لِئَلاَّ يكونَ للنَّاسِ على اللهِ حُجَّة

 

التصنيف : كتابات و مواد دينية (::::)
مروة برهان – اسكندرية (:)
قالَ تعالى { إنا أَوحَيْنا إليكَ كما أَوحَيْنا إلى نوحٍ و النَّبيينَ من بعدِهِ و أَوحَيْنا إلى إبراهيمَ و إسماعيلَ و إسحاقَ و يعقوبَ و الأسباطَ و موسى و عيسى وأيوبَ و يونُسَ و هارونَ و سُلَيْمانَ و آتَيْنا داودَ زبوراً * و رسلاً قد قصصناهم عليكَ من قبلِ و رسلاً لم نَقْصُصْهُمْ عليكَ و كلَّمَ اللهُ موسى تكليماً * رسلاً مبشِّرينَ و منذِرِينَ لِئلاَّ يكونَ للنَّاسِ على اللهِ حُجَّة بعد الرسلِ و كان اللهُ عزيزاً حكيماً }
الإيحاء هو الإعلامُ فقد قالَ تعالى { {فأَوحَى إليهِم أن سَبِّحُوا بُكْرَةً و عَشِيَّاً } كما قالَ سبحانه { و إذ أَوحَيْتَ إلى الحواريينَ أن آمِنوا بى } وقالَ تعالى { و أَوحَى ربُّكَ إلى النَّحل } و قال { و أَوحَينا إلى أمِّ موسى } و المراد بالوحى فى هذه الآياتِ الثلاثةِ الإلهام .
{ إنا أَوحَيْنا إليكَ كما أَوحَيْنا إلى نوحٍ و النَّبيينَ من بعدِه } و المعنى : أن اللهَ تعالى أَوْحَى إليهم , و لا طريق إلى العلمِ بكونِهِم أنبياء اللهِ و رسلِهِ إلا ظهور المعجزاتِ عليهم و لكلِّ واحدٍ منهم نوع من المعجزات , و ما أُنْزِلَ على كلِّ واحدٍ من هؤلاءِ المذكورين كتاباً بتمامِهِ مثل ما أُنْزِلَ على موسى , فلَما لم يكنْ عدم إنزال الكتابِ على هؤلاءِ دفعةٍ واحدة فكفَى فى إثباتِ نبوتِهِم ظهور نوع واحد من أنواعِ المعجزاتِ عليهِم .
قالَ ابن عباس : قالَ سَكَن و عُدَىْ بن زَيد : يا مُحمَّد ما نعلم أن أُنْزِلَ على بشرٍ من شئٍ بعد موسى فأنزلَ اللهُ فى ذلك من قولِه { إنَّا أَوحَيْنا إليكَ كما أَوحَيْنا إلى نوحٍ و النَّبيينَ من بعدِه } , ثم ذكرَ تعالى أنه أَوحَى إلى عبدِهِ مُحمَّدٍ صلى اللهُ عليه و سلم كما أَوْحَى إلى غيرِهِ من الأنبياءِ فقال { إنا أَوحَيْنا إليكَ كما أَوحَيْنا إلى نوحٍ و النَّبيينَ من بعدِهِ و أَوحَيْنا إلى إبراهيمَ و إسماعيلَ و إسحاقَ و يعقوبَ و الأسباطَ و موسى و عيسى وأيوبَ و يونُسَ و هارونَ و سُلَيْمانَ و آتَيْنا داودَ زبوراً } و الزَّبور اسم الكتابِ الذى أرجاهُ اللهُ إلى داود عليه السلام .
بدأَ اللهُ تعالى بذكرِ نوحٍ عليه السلام لأنه أولَ نبى شرعَ اللهُ عالى على لسانِهِ الأحكامِ و الحلالِ و الحرامِ ثم قالَ تعالى { و النَّبيينَ من بعدِه } ثم خَصَّ بعض النبيين بالذِّكرِ لكونِهِم أفضل من غيرِهِم { تلك الرسُلُ فضَّلْنا بعضَهُم على بعض } .
الأنبياء المذكورون فى هذه الآيةِ سوى موسى عليه السلام اثنا عشر و لم يُذْكَرْ موسى معهم و ذلك لأن اليهودَ قالوا : إن كنت يا مُحمَّد نبيَّاً فأتِنا بكتابٍ من السماءِ دفعة واحدة كما أتَى موسى عليه السلام بالتوراةٍ دفعةٍ واحدة , فاللهُ تعالى أجابَ عن هذه الشبهة بأن هؤلاءِ الأنبياءُ الإثنى عشر كلهم كانوا أنبياء و رسلاً مع أن واحداً منهم ما أتَى بكتابٍ مثل التوراة دفعة واحدة .
قالَ تعالى { و كلَّمَ اللهُ موسى تكليماً } المراد أنه بعثَ كل هؤلاء الأنبياءُ و الرسل و خصَّ موسى عليه السلام بالتكلُّمِ معه , و لا يلزم من تخصيصِ موسى عليه السلام بهذا التشريف الطعن فى نبوةِ سائرِ الأنبياءِ عليهم الصلاةِ و السلامِ و كذلك لا يلزم من تخصيصِ موسى بإنزالِ التوراةِ عليه دفعة واحدة طعن فيمن أَنْزَلَ اللهُ عليه الكتاب على غيرِ هذا الوجه .
و قولِهِ تعالى { رسلاً مبشرينَ و منذرين } أى يُبَشِّرونَ من أطاعَ اللهَ و يُنْذِرونَ من خالفَ أمره و كذَّبَ رسله بالعقابِ و العذاب .. و قولِهِ تعالى { لِئلاَّ يكونَ للنَّاسِ على اللهِ حُجَّة بعد الرسلِ و كان اللهُ عزيزاً حكيماً }  أى إنه تعالى أَنْزَلَ كتبه و أَرسلَ رسله بالبشارةِ و النِذارةِ و بيِّنَ ما يحبه و يرضاه مما يكرهه و يأباه لئلا يبقَى لمعتذرٍ عذر , و قد ثبتَ فى الصحيحينِ عن عبدُ اللهِ بن مسعود رضى اللهُ عنه قال : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” لا أَحَد أغير من الله , من أجلِ ذلك حرَّمَ الفواحشَ ما ظهرَ منها و ما بطن , و لا أَحَد أَحَبّ إليه المدح من اللهِ عز و جل , من أجلِ ذلك مدحَ نفسه , و لا أَحَد أحَبّ إليه العذر من الله , من أجلِ ذلك بعثَ النبيينَ مُبشِّرينَ و مُنْذِرين ” و فى روايةٍ أخرى ” من أجلِ ذلك أَرْسَلَ رسله و أَنْزَلَ كتبه ” .