تحريمِ الطيبات

التصنيف : : كتابات و مواد دينية (:::)
مروة برهان – اسكندرية (:::)
قالَ تعالى { فبظلمٍ من الذين هادوا حرَّمنا عليهم طيبات أُحِلَّتْ لهم و بصدِّهِم عن سبيلِ اللهِ كثيراً * و أخذِهِم الرِّبا و قد نُهُوا عنه و أكلِهِم أموال الناسِ بالباطِلِ و أعتدنا للكافرين عذاباً أليماً * لكن الرَّاسخونَ فى العلمِ منهم و المؤمنون يؤمنون بما أُنْزِلَ إليك و ما أُنْزِلَ من قبلِكَ و المقيمين الصلاةَ ( 1 ) و المؤتونَ الزَّكاةَ و المؤمنونَ باللهِ و اليومِ الآخِرِ أولئكَ سنؤتيهِم أجراً عظيماً }
شدَّدَ اللهُ تعالى على اليهودِ فى الدنيا و الآخرةِ فى الآيةِ التى معنا . فأما تشديده فى الدنيا عليهم فهو أنه تعالى حرَّمَ عليهم طيبات كانت مُحلَّلة لهم قبل ذلك كما قالَ تعالى فى موضِعٍ آخر { و على الذين هادوا حرَّمنا كل ذى ظفر و من البقرِ و الغنمِ حرَّمنا عليهم شحومهما إلاَّ ما حَمِلَتْ ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلطَ بعَظمٍ ذلك جزيناهم ببغيهِم و إنَّا لصادقون } لأنهم حرَّفوا و بدَّلوا أشياء كانت حلالاً لهم فحرَّموها على أنفُسِهِم تضييقاً منهم .
حرَّمَ اللهُ تعالى على اليهودِ فى التوراةِ أشياء كانت حلالاً لهم قبل ذلك كما قالَ تعالى { كلُّ الطَّعامِ كان حِلاًّ لِّبنى إسرائيلَ إلاَّ ما حرَّمَ إسرائيلُ على نفسِهِ من قَبلِ أن تُنَزَّلَ التَّوراة } آل عمران / 93 وأن المرادَ أن الجميعَ من الأطعمةِ كانت حلالاً لهم من قبلِ أن تُنَزَّلَ عليهم التوراةَ ما عدا ما كان إسرائيل ” يعقوب عليه السلام ” حرَّمَهُ على نفسِهِ من لحومِ الإبلِ و ألبانِها .
روى عَبْدُالْحَمِيدِ بن بَهرام، قال: حَدَّثَنَا شَهْر بن حَوشب، قَالَ: قال ابنُ عَبَّاسٍ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنْ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، حَدِّثْنَا عَنْ خِلالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ، لا يَعْلَمُهُنَّ إِلا نَبِيٌّ. قَالَ: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ، وَلَكِنْ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ وَمَا أَخَذَ يَعْقُوبُ عَلَى بَنِيهِ لَئِنْ حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ لَتُتَابِعُنِّي عَلَى الإسْلامِ. قَالُوا: فَذَلِكَ لَكَ. قَالَ: فَسَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ.
قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعِ خِلالٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ:
أَخْبِرْنَا أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ؟
وَأَخْبِرْنَا كَيْفَ مَاءُ الْمَرْأَةِ وَمَاءُ الرَّجُلِ كَيْفَ يَكُونُ الذَّكَرُ مِنْهُ؟
وَأَخْبِرْنَا كَيْفَ هَذَا النَّبِيُّ الأمِّيُّ فِي النَّوْمِ؟
وَمَنْ وَلِيُّهُ مِنْ الْمَلائِكَةِ؟
قَالَ: فَعَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أَنَا أَخْبَرْتُكُمْ لَتُتَابِعُنِّي. قَالَ: فَأَعْطَوْهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ.
فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، وَطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ وَأَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الإبِلِ، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ.
قال: فَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ أَبْيَضُ غَلِيظٌ، وَأَنَّ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ، فَأَيُّهُمَا عَلا كَانَ لَهُ الْوَلَدُ وَالشَّبَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ إِنْ عَلا مَاءُ الرَّجُلِ عَلَى مَاءِ الْمَرْأَةِ كَانَ ذَكَرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِنْ عَلا مَاءُ الْمَرْأَةِ عَلَى مَاءِ الرَّجُلِ كَانَ أُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ. قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ.
فَأَنْشُدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ.
قَالُوا: وَأَنْتَ الآنَ، فَحَدِّثْنَا مَنْ وَلِيُّكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَعِنْدَهَا نُجَامِعُكَ أَوْ نُفَارِقُكَ؟ قَالَ: فَإِنَّ وَلِيِّيَ جِبْرِيلُ، وَلَمْ يَبْعَثْ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلا وَهُوَ وَلِيُّهُ. قَالُوا: فَعِنْدَهَا نُفَارِقُكَ لَوْ كَانَ وَلِيُّكَ سِوَاهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَتَابَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ أَنْ تُصَدِّقُوهُ؟ قَالُوا: إِنَّهُ عَدُوُّنَا. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بين يَدَيه و هُدىً و بُشرى للمؤمنين } .
الذنوب محصورة فى نوعين : الظلم للخَلقِ و الإعراضِ عن الدينِ الحق .. أما ظلم الخَلق فإيه الإشارة بقزولِهِ تعالى { و بصدِّهِم عن سبيلِ اللهِ } أى صدُّوا الناسَ و صدُّوا أنفسهم عن اتِّباعِ الحق , و هذه سجية لهم متصفونَ بها من قديمِ الدهرِ و حديثِه , و لهذا كانوا أعداء الرسل , و قتلوا خَلقاً من الأنبياءِ و كذَّبوا عيسى و مُحمَّدٌ صلواتُ اللهِ و سلامه عليهما مع إنهم مع ذلك كانوا و ما يزالون فى غايةِ الحرصِ على طلبِ المالِ و جمعِهِ من أى طريق فتارةً يحصلونه عن طريقِ الرِّبا و تارةً عن طريقِ الرشوةِ و هوالمرادُ بقولِهِ تعالى { و أكلِهِم أموال الناس بالباطِل } و قد نهاهم الحقُّ تباركَ و تعالى عن الرِّبا فتناولوه و أخذوه و احتالوا عليه و أكلوا أموالَ الناسِ بالباطِلِ و نظيرِهِ قولِهِ تعالى عنهم { سَمَّاعونَ للكَذِبِ أَكَّالونَ للسُحْت } .
فهذه الذنوبُ الأربعةُ المذكورةُ فى الآيةِ هى الذنوبُ الموجبةُ للتشديدِ عليهِم فى الدنيا و فى الآخرة ؛ فأما التشديدُ فى الدنيا فهو تحريمُ الطَّيِّبات عليهِم و أما التشديدُ فى الآخرةِ فهو المرادُ من قولِهِ تعالى { و أعتدنا للكافرينَ عذاباً أليماً } .
{ لكن الرَّاسخونَ فى العلمِ منهم و المؤمنون يؤمنون بما أُنْزِلَ إليك و ما أُنْزِلَ من قبلِكَ و المقيمين الصلاةَ و المؤتونَ الزَّكاةَ و المؤمنونَ باللهِ و اليومِ الآخِرِ أولئكَ سنؤتيهِم أجراً عظيماً }
{ الراسخون } أى الثابتون فى الدين و هم الذين آمنوا فحَسُنَ إيمانهم عن يقينٍ و صدقٍ أمثال عبدُ اللهِ بن سلام و أصحابِهِ مثل ثعلبة بن سعية و أسد بن سعية و أسد بن عُبَيدِ اللهِ الذين دخلوا فى الإسلامِ و صدَّقوا بما أَرْسَلَ اللهُ به مُحمَّداً صلى اللهُ عليه و سلم .
قيل : المراد بالمقيمين الصلاة : 1 – الأنبياء عليهم الصلاةِ و السلام لأنه لم يخل شرع حدهم من الصلاةِ فقد قالَ تعالى فى سورةِ الأنبياءِ عليهم الصلاةِ و السلام { و أَوحَيْنا إليهِم فِعلَ الخيراتِ و إقامِ الصلاة } .
2 – الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم الصَّافُّونَ المُسَبَّحونَ لأنهم يُسَبِّحونَ اللهُ تعالى بالليلِ و النهارِ و أنهم لا يَفْتَرون .
قولِهِ تعالى { يؤمنون بما أُنْزِلَ إليكَ و ما أُنْزِلَ من قبلِك } يعنى يؤمنونَ بالكتابِ الذى أُنْزِلَ عليك و هو القرآنُ الكريم . و يؤمنونَ بالكتبِ التى أنْزلَها الله على المرسلين من قَبلِ كالتوراةِ و الإنجيل و الزَّبور و صحف إبراهيم و موسى من غيرِ تفرقةٍ بين هذه الكتب و لا بين الرسلِ الذين أَرْسَلَهُم الله فكانوا بحقٍّ جديرين بقولِ اللهِ فيهم فى سورةِ القصَص { الذين آتيناهُمُ الكتابَ مِن قَبلِهِ هم به يؤمنون * و إذا يُتْلَى عليهم قالوا آمنَّا به إنه الحقُّ مِن ربِّنا إنَّا كنَّا مِن قبلِهِ مسلمين * أولئك يُؤتَونَ أجرهم مرتين بما صبروا و يدرأُوا بالحسنةِ السيئة و مِمَّا رزقْناهُم ينفِقُون * و إذا سَمِعوا اللغْوَ أَعرضُوا عنه و قالوا لنا أعمالُنا و لكم أعمالكُم سلامٌ عليكم لا نبتغى الجاهلين } .
اعلموا أن العلماءَ على ثلاثةِ أقسام : –
الأول : العلماء بأحكامِ اللهِ فقط , و هم العالمون بأحكامِ اللهِ و تكاليفِهِ و شرائعِه .
الثانى : – العلماء بذاتِ اللهِ و صفاتِهِ الواجبةِ و الجائزةِ و الممتنعة .
الثالث : – العلماء بأحكامِ اللهِ تعالى بذاتِه .. و هم الموصوفونَ بأنهم العلماء العاملون و هم أكابِرُ العلماء .
و إلى هذه الأقسامُ الثلاثةُ , أشارَ النبىُّ صلى اللهُ عليه و سلم بقولِهِ فى الحديثِ الصحيح ” جالسْ العلماءَ و خالِطْ الحكماءَ و رافِقْ الكبراء ” .
( 1 ) و قد جاءَ فى قراءةِ عبدُ اللهِ بن مسعود { و المقيمونَ الصلاة } .