فك الارتباط بين الممكن والمستحيل..

التصنيف : فضاءات عربية (:::)
بقلم : بكر السباتين * (:::)
حركة التجديد العربية تحيي الجدل حول قانونية فك ارتباط الضفة الغربية عن الأردن!!
___
تبنت حركة التجديد العربية( حرية) من خلال موقع مبادرة التجديد العربية على الشبكة العنكبوتية.. نشر استبيان اختباري يضع قرار فك الارتباط بين الضفة الغربية والأردن الذي تقرر اتخاذه بمباركة عربية وإجماع أردني فلسطيني،على محك الاختبار لسبر أغوار الرأي العام العربي بشأنه، وخاصة المعنيين به من الفلسطينيين والأردنيين على السواء.. رغم اعتباره لدى البعض بأنه قرار يخالف الدستور عل اعتبار بأنه جاء في إطار قرار أصدره الراحل الملك الحسين بن طلال في تموز من عام 1988 ، لان المحكمة الدستورية إذا ما نظرت في الموضوع فإنها حتما ستقرر انه “غير دستوري” لان اتخاذه أو تطبيقه لم يترافقا مع خطوات قانونية تجعل منه قانونا صدر حسب الدستور بل بقي في إطار”التعليمات”.
لذلك لا أحد بوسعه مناقشة حقيقة إن قرار فك الارتباط في حينه حظي بإجماع أردني – فلسطيني – عربي وقدم خدمة للقضية الفلسطينية وكان سببا مباشرا في ظهور معالم الدولة الفلسطينية المنشودة وأدى إلى إجراء أول انتخابات وطنية فلسطينية لاختيار رئيس الدولة وكذلك لاختيار المجلس الوطني الفلسطيني.
من هنا؛ فإن طرح السؤال في هذا الوقت تحديداً يتجاوز المعقول، كونه يعيدنا إلى مربع الصراعات الفلسطينية العربية التي تم تجاوزها وخاصة بين الأردن وفلسطين.. وهي منطقة كان الخلاف فيها يتجاوز نقاط التلاقي..علماً بأن المحكمة الدستورية تتوافق ضمنياً كما يبدو من صمتها الطويل مع قرار الراحل الملك حسين الذي فتح بذلك الأبواب أمام الموقف الفلسطيني التفاوضي ما أدى إلى مشروع الدولة في إطار مفاوضات أوسلو من الناحية السياسية.. فما الداعي إذن لنبش قانونية قرارا فك الارتباط من عدمه، ومن ثم إحراج الموقف الأردني السياسي أمام إي قرار مغاير على صعيد المحكمة الدستورية!؟ فماذا سيكون إذاً مصير قرار فك الارتباط ؟ وكيف ستتصرف الدولة الأردنية لو أعلنت المحكمة الدستورية بطلانه؟ هنا يكون السؤال أكثر وقعاً وخاصة أن مشروع الدولة الفلسطينية شرعته الأمم المتحدة في إطار أوسلو.
وعلينا أن لا ننسى أيضاً في ذات السياق جملة من الحقائق على الأرض والتي ستعوق ما قد تتوصل إليه المحكمة الدستورية الأردنية والتي أتوقع لها موقفاً صامتاً إزاء أي حراك مستجد قد يدفعها إلى استصدار قرار ميئوس من تنفيذه خلافاً للإرادة الدولية بشكل أو بآخر.
لقد ترسخ الكيان الفلسطيني بعد فك الارتباط أكثر مما كان عليه من حيث أنه وحد بين أجزاء الوطن الفلسطيني ( الضفة الغربية وقطاع غزة) في ظل “قيادة أوسلو المتمثلة بالسلطة الوطنية الفلسطينية ( بغض النظر عن تضارب الآراء حول أدائها).ناهيك عن رسوخ القناعة الأممية بمصير حل القضية الفلسطينية في إطار الدولة الفلسطينية على أراضي السابعة والستين ما فرض سياسة الأمر الواقع على المحكمة الدستورية الأردنية الأمر الذي ألجمها من اتخاذ أي قرار قد يخلط أوراق القضية الفلسطينية السياسية من الناحية القانونية.. وخاصة أن ما حققته المقاومة الفلسطينية من انتصار بارز في حرب غزة جعل من القرار حقيقة مسلم بها على اعتبار أن العالم بات على درجة كبيرة من قبول هذا الكيان الفلسطيني صاحب الأرض الأصلي والمتشبث بحقوقه القانونية والسياسية بفلسطين.
فلماذا إصرار البعض على الفض بين تلاحم شقي الوطن الفلسطيني بالعودة إلى الارتباط القانوني والمالي بين الضفة الغربية والأردن!!؟
أن أي اتفاق يفرّط بالوحدة بين قطاع غزة والضفة الغربية المحتلين يعتبر خطيئة تاريخية.. مع العلم بأن سياق هذا الارتباط كان يندرج في إطار المملكة الأردنية الهاشمية بضفتيها منذ العام 1951.. وقد احتل الكيان الإسرائيلي الضفة الغربية عام 1967 حينما كانت جزءاَ من السيادة الأردنية.. أما السياسة الأردنية فمنذ ذلك الحين وهي تتشبث فقط بقرار الأمم المتحدة 242 الذي يطالب بالأرض مقابل السلام.. وهو قرار أممي فضفاض كانت لديه القابلية للتأويل في كل الاتجاهات.. دون وضع إستراتيجية حقيقية للتحرير في سياق ما انتهجته المقاومة الفلسطينية من خيار يوازي التوجهات السياسية نحو الحل السلمي! الذي ما يزال الوحيد في جعبة القيادة السياسية الأردنية في إطار اتفاقية وادي عربة!! فهل يعني ذلك سوى الإمعان أكثر في إحراج موقف المحكمة الدستورية الأردنية وإحراجها أمام الموقف الأردني السياسي الذي يتواكب مع سياسات الأمم المتحدة فيما يتعلق بمخرجات القضية الفلسطينية.
.أنا مع قرار فك الارتباط الذي تقرر من قبل الطرفين الأردني والفلسطيني بإجماع عربي في إطار سياسي وقانوني بعد خروج المؤسسة العسكرية الفلسطينية من بيروت، بفعل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ومن ثم تبني الخيار السياسي.
وعلينا أن ندرك أيضاً من خلال رؤية استشرافية لتطورات الوضع السياسي لطرفي المعادلة إذا ما أفرز المشهد السياسي الأردني حكومة يشكلها البرلمان الأردني من الكتل والأحزاب الوطنية على قاعدة الأغلبية ما يزيد من توقعات حصول جماعة الأخوان المسلمين على مكتسبات أكبر في تلك الحكومة المحتملة! وخاصة أن جماعة الأخوان المسلمين ما زالت ترفض قرار فك الارتباط ( كما صرح بني رشيد أكثر من مرة)؛ في أن تقوم تلك الحكومة بفرض أجندة العودة عن قرار فك الارتباط من خلال المحكمة الدستورية! لذلك؛ من هنا يتوجب التنبيه إلى خطورة الموقف الذي سيدخل الأردن في أزمة لا مخرج منها! لاستحالة تنفيذ الأمر على أرض الواقع وفق المعطيات التي فرضها المشهد السياسي العالمي!! فيبدو حينها القرار فاشلاً وكأنه بمثابة إعلان الحرب على ما هو قائم بحكم الأمر الواقع وفق كل الظروف السياسية الإقليمية والدولية، مقابل التشبث الفلسطيني بخياراته باستقلالية تامة.
حتى أن العودة عن القرار لن تلبي طموحات الفلسطينيين أبداً! فهو ارتباط قانوني وسياسي سيكبل القضية الفلسطينية بشروط معاهدة وادي عربه الأردنية مع الكيان الإسرائيلي ومن ثم الدخول من خلالها في ملحقات لا تخرج عن مضمونها في كل المواضيع سواء الأمنية والاقتصادية السياسية وبالتالي التغني بمكتسبات لن يحصل عليها إلا الكيان المغتصب لفلسطين.. ونحن نعلم بأن معاهدة وادي عربه كانت قد فتحت أبواب التطبيع مع الكيان الصهيوني الطارئ، ومن المؤكد أنها لن تضيف أية مكتسبات جديدة للقضية الفلسطينية، بل ستحقق للكيان الإسرائيلي نفس المكتسبات التي ما زال يستنفذها من سلطة أوسلو الفلسطينية في إطار المعاهدة الفلسطينية الإسرائيلية المشئومة.

وهو ما سيدخل أهل الضفة الغربية من الفلسطينيين في خيار اتفاقية وادي عربة التي لا شك ستساهم هي أيضاً في استهلاك الحقوق الفلسطينية على شكل تنازلات مجانية، بحيث ستمثل الوجه الآخر لأوسلو الأمر الذي سيدخل الأردن في تشابكات القضية الفلسطينية من باب التأزيم وليس طرحاً للحلول السياسية والتنموية الناجعة بحيث توازن بين مصالح وحقوق جميع أطراف المعادلة .

إضافة إلى أن تخاذل الموقف الأردني تجاه ما يجري للمسجد الأقصى الذي يتعرض للانتهاكات اليومية في سعي الكيان الصهيوني نحو تقسيمه مكانياً ورمانيا مع المسلمين ؛مع أنه يقع تحت الوصاية الهاشمية؛ يوحي هو الآخر بأن الأردن لن يُقبلَ على تغيير موقفه من قرار فك الارتباط القانوني والسياسي، ما سيجعل المحكمة الدستورية أكثر حكمة حينما يدرك قضاتها استحالة تنفيذ أي قرار قد تتخذه باتجاه رفض قرار الراحل الملك حسين الذي يعتبر من أكثر الزعماء حنكة في فهم السياسة الدولية ومتغيراتها؛ إذ جنب بذكائه السياسي الأردن من أعباء سياسية واقتصادية نأت به عن صراعات ما زال الأردن في غنى عتها.لأن العودة عن القرار (المستحيلة) ستقحمه في أتون صراعات سياسية بين القوى السياسية الفلسطينية المختلفة من خلال التنافس على القرار الفلسطيني بين طرفي معادلة الارتباط، المتمثلين بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية المنبثقة عنها كجهة تمثيلية للفلسطينيين من جهة، والحكومة الأردنية من جهة أخرى، وذلك على أرضية الخلاف السياسي حول استقلالية القرار الفلسطيني من جديد! وتشرذم المواقف الفلسطينية في ظل ذلك.وخاصة أن غزة ستكون خارج السياق تماماً! فهل يعقل ذلك والمقاومة فيها دمغت الكيان الفلسطيني بالوجود على قاعدة الأمر الواقع العسكري والسياسي أممياً!! وهذا بحد ذاته جواب على من يتحركون باتجاه تحريك موضوع قانونية فك الارتباط! وكان الأولى بهم طرح أسئلة تلائم الواقع نحو أزمة استعادة الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين، أو العودة باتجاه خيار الكفاح المسلح، أو فرضية دولة ثنائية القومية التي بشر بها المفكر إدوارد سعيد في سياق الحلول للقضية الفلسطينية وخياراتها الممكنة.

__________________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/