هاني فحص.. ‘أنا مع أبو جهاد’!

التصنيف : فضاءات عربية (:::)
بقلم: محمد قواص – لبنان (:::)
عرفت هاني فحص ممسكاً بالغصن الفلسطيني داخل أو قريباً من حركة فتح. كان الرجل يدخلُ علينا بعمامته ومحياه وابتسامته، ويلقي فينا كلاماً يستدرجنا به نحو فضاءات لا نعرفها مقارنة بخطب من احتشدوا في تلك الحقبة للدفاع عن فلسطين. كان الفلسطينيون، قبل غيرهم يكتشفون معه فلسطيناً أخرى لا تلك الجغرافية، ولا تلك التي تنحشر في خطب التنظيمات التي تراكمت توقاً للتحرير الموعود.
السيّد من القامات الكبرى التي استقالت من أي طائفية أو تمذهب وتقدمت منطقياً (منطق قصة حياة الرجل) للدفاع عن حق مسلوب وعن شعب منكوب. كانت قاماتٌ أخرى اسلامية ومسيحية قد نشطت في هذا المضمار، راجت واشتهرت وكان لها باعٌ في تسويق “القضية” عربياً ودولياً. لكن، والحق يقال، أن كل تلك القامات، على صدقها وصفاء مراميها، كانت تطلُ على فلسطين، نكاد نقول، اطلالة النجوم.
وحده هاني فحص كان داخل الحراك، من أهله، مختلطّ بتفاصيله، حتى يكادُ الفلسطيني نفسه، يشعر في حالات التجلي الكبرى أنه ضيف فلسطين والسيّد رب الدار.
استبشر هاني فحص خيراً بالثورة الاسلامية في إيران. ولأنه جذريٌ في قناعته، عملانيٌ في العمل بها، التحق (1982) وعائلته بإيران وبثورتها الجديدة. وكان قبل ذلك قد سهر على تأمين التواصل بين الخميني وأبو عمار، فاصطحبه عرفات في الطائرة التي أقلته لطهران. لكن في تجوال السيّد من قريته، جبشيت، باتجاه النجف، ثم في انتقاله من لبنان إلى إيران، بدا أن للرجل فلسفته الخاصة التي لا تطيح بها زلازل التاريخ (كتلك التي حصلت بسقوط الشاه) مهما كبرت واشتد ساعدها. عاد هاني فحص من تجربته الإيرانية (1985) كما ذهب إليها مؤمناً بلبنانيته، وبخصوصية انتمائه إلى ذلك البلد الفسيفسائي الذي لا تستسلم عجينته لتقليعة طارئة أو لمزاج مرتجل.
مؤمنٌ مسلمٌ محبٌ لآل البيت. ارتقى بشيعيته نحو ما هو فوق الأديان والطوائف، وانطلق من جبل عامل محلّقاً فوق الجهات اللبنانية ومدن الوطن وقراه. تراه طرابلسياً بقاعيا يخترق الجبل، يعرف عن الدروز كما يعرف عن المسيحيين، مرتاحاً مع المؤمنين مستمعاً للملحدين. وحين يطربُ المرء لزاده ويسكر بعلمه ويُفحم بمعرفته، يتساءل الجمع ألا تضيق الجبّة والعمامة بعملاق لا يقفُ عند مقدس ولا يُربكه محرم؟
في جينات الرجل التمرد. كان فتحاوياً ناقدا، حين كبر التململ الجنوبي الشيعي من التواجد الفلسطيني في قراهم. وحين اندفعت الطائفة مع رياح حزب الله، قاوم تلك العواصف على عتاها، وهي التي أرادت قذفه نحو قارعة السائد، فقاومها بشجاعة وصبر وأناة وجلد، وهو المقاوم قبل أن ترى مقاومة هذه الأيام النور. فالرجل دافع عن لبنان في المنطق الذي كان ينادي به العامليون، وطناً للجميع، تتعايش فيه العائلات، حيث لا عدل في هيمنة أو في استقواء أو في امتياز يمارسه لبنانيٌ على آخر.
حين كان حزبُ الله يدفع بشبانه نحو سوريا، تارة للدفاع عن المرقد، وتارة للدفاع عن الشيعة، وتارة ضد “المؤامرة الكونية”، وقف هاني فحص منادياً بدعم الثورة السورية. شنّت جريدة الاخبار القريبة من الحزب هجوماً عليه (ونشرت إثر وفاته مرثاة لم نفهمها تكفيراً عن ذنب أم نفاق المناسبة). كان خطابه مزعجاً للحزب ومريديه، ذلك أن الرجلَ مرجعٌ في الدين والسياسة، لكنه مرجعٌ في الاخلاق والقيّم التي لم تقطع شعرةً وأبقت عهود التواصل مع الخصوم، حتى حين كانت الخصومة قتالاً وحرباً أهلية.
في رسالته “إلى الأخوة في حزب الله” يقول: “لو أردنا شراً بكم، لبقينا أقرب إليكم أو دخلنا مداخلكم وعملنا لأنفسنا أو للشيطان تحت عباءتكم”. ثم يذهب متحدياً: “لا تطمحوا بالتراجع عن نقدي لكم إلا إذا راجعته أنا وعدلته”. ثم يغرد في رسالته: “أرونا أدلة شافية، على أن عقلكم ما زال قادراً وحده (؟) على الرجحان والترجيح، وتقديم المصالح على المفاسد في سوريا ولبنان والعراق وغيرها…. فانصرفتم عن حيفا إلى القصير”. في سلاطة نقده صدقٌ يدركه الخصم قبل الصديق.
حمل ابتسامتُه وسحرُ طلّته ورخامةُٰ صوته ونغمُ كلماته، وراح يسافرُ بين البيوت والأحياء، لا يقفُ أمام حدود، ولا ترهبه جدرانٌ شيدتها النزاعات. صديقٌ للكنيسة محاضرٌ بها، محبوبٌ من السُنّة وممثل تذمرهم، حميمٌ مع الدروز وحليفٌ مع ساستهم (ترشح عام 1974 للنيابة في لبنان متحالفاً مع كمال جنبلاط). في حراكه إيمان بنهائية لبنان كما أقره “الطائف”، وبانتماء الشيعة إلى هذا الـ “لبنان” على ما كان يبشّر، قبله ومعه، السيّد موسى الصدر وبعده الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
تتأمل ُسيرة الرجل فتتساءل كيف لرجل واحد أن يكون فقيها وأديبا ومتفوها وسياسيا وكاتبا؟ أي طاقة تحرّك في داخلة مواهبَ تنتجُ مقالاتٍ وتخطُّ كتباً وتنْظِمُ محاضرات؟ نعم هو نظْمٌ، ذلك أن الرجل حين يلقي بسطوره تطل شعراً وهي من قلب النثر.
أية قوة تحّفز هذا العشب على تحدي الشجر؟ وأي حنكة تجعلُ من ابتسامته ورشة نور مقابل ورش النار؟
في ما يمثّل هاني فحص جرى حوله حصار تلو حصار. مزعجٌ هذا السيّد الذي لا يلين لسطوة ولا يستسلمُ لقدر. نبتت الأساطير من حوله تتحدث عن المقاومة وجمهور المقاومة والممانعة وأشرف الناس، وهو في ذلك يدعو للوطن الذي عرفه وكبر فيه وبه، كافراً بالأوطان المستوردة حتى لو كانت مباركة من الولي الفقيه.
عاش السيّدُ الجنوب قضية الجميع. كان المقاومون يتوافدون من كل لبنان، من كل الأديان، من كل المذاهب، من كل التيارات والأحزاب. هي أرضهم التي يدافعون عنها، فيموتون ويختلطون بترابها. وعاش السيّد أيضاً الجنوب قضية ليست للجميع. باتت المقاومة شيعية، ذات لون واحد، تحالها عقارية أكثر من كونها وطنية. تحررت الأرض، لكن الأرض لم تعد بعد إلى الوطن. هي ما زالت محتلّة وإن تغيرت هوية المحتل.
التقيت السيّد قبل أكثر من عام بعيداً عن لبنان في واحد من تلك المؤتمرات التي يكثرُ فيها الضجيج ويقل الحجيج. تكلمنا، وحين تتكلم معه تؤثر الانصات. ما زال هاني فحص حيث كان قبل عقود. سألته عن جمهوره ومن يستمع إلى خطابه داخل الطائفة. أخبرني أن الناس تستمع أكثر وأكثر، وأسرّ إليّ فرحاً كالطفل، أن كثيرين يهمسون في إذنه: “والله معك حق يا سيّد”.
يروي الكاتب والروائي اللبناني إلياس خوري مشواره القديم حين غادر بيروت نحو عمّان في الأردن مفتشا عن أبو جهاد (خليل الوزير القيادي الفتحاوي الذي اغتالته اسرائيل في تونس عام 1988) ملتحقاً به. كان أبو جهاد يمثل داخل فتح مدرسة في الانفتاح والعمل الصامت والوجهة الوحيدة باتجاه فلسطين، بعيدا عن حكايات المواقع والمناصب وتيارات الايديولوجيا. وحين سُئل إلياس خوري في عزّ الانقسام اللبناني بعد عام 2005، إن كان مع 8 أو 14 آذار أجاب بسوريالية عجيبة: “أنا مع أبو جهاد”.
لم أسمع السيّد هاني فحص يقول كلاماً كهذا. لكن في المسار الحياتي للرجل، في خياراته الفكرية، في مواقفة الثابتة، في انفتاحه الأسطوري، في سطوة حضوره، في قدرته على الجذب والابهار، في بساطة سلوكه، في صدق مودته، وفي هرولته نحو أي وفاق، وفي حجّه الدائم باتجاه بوصلة فلسطين، ما يقول ما لم يقله: “أنا مع أبو جهاد”.
——————
محمد قواص
صحافي وكاتب سياسي