التصنيف : : كتابات و مواد دينية (:::)
مروة برهان – اسكندرية (:::)
قالَ تعالى { إن المنافقينَ يُخادِعونَ اللهَ و هو خادِعِهُم و إذا قاموا إلى الصلاةِ قاموا كسالى يراءونَ الناسَ و لا يذكرونَ اللهَ إلا قليلاً * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاءِ و لا إلى هؤلاء و من يُضلِل الله فلن تجدْ له سبيلاً }
{ النفاق } هو إظهارُ الإسلام و الإيمان و إخفاء الكفر و العصيان و سُمِّىَ المنافق منافقاً لإظهارِهِ غير ما يضمر تشبيهاً باليربوعِ يقالُ له النافقاء , و آخر يقالُ له القاصعاء و ذلك أنه يخرقُ الأرضَ , فظاهر جحره تراب و باطنه حفر كذلك المنافق لأن المنافقَ ظاهره إيمان و باطنه كفر و ضلال .
{ الخداع } أصل الخدع فى كلامِ العربِ الفساد , قالَ ابنُ الأعرابى :
أبيض اللون لذيذ طعمه طيب الريق إذا الريق خدع
و على هذا يكونُ معنى { يخادِعونَ الله } أى يُفسِدونَ إيمانهم و أعمالهم فيما بينهم و بين اللهِ تعالى بالرياء ؛ و قوله تعالى { يخادِعونَ الله } يُفسَّرُ على ما يأتى : –
1 – يخادعونه سبحانه عند أنفُسِهِم .
2 – فى الكلامِ حذف تقديره : يخادعونَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم . و جعلَ الحقُّ سبحانه خداعهم لرسولِهِ خداعاً له لأنه دعاهم برسالتِه , و كذلك إذا خادعوا المؤمنين خادعوا اللهَ تعالى و منه قوله تعالى { يخادِعونَ اللهَ و الذين آمنوا و ما يخدعون إلا أنفسهم و ما يشعرون } و مخادعتهم لله تكونُ بإظهارِهِم من الإيمانِ خلاف ما أبطنوه من الكفر .
{ و هو خادعهم } لاشك أن من خدعَ من لا يُخدَع فإنما يخدعَ نفسه لأن الخداعَ إنما يكون من لا يعرف البواطن , و أما من عَرِفَ البواطن فمن دخلَ معه فى الخداعِ فإنما يخدع نفسه فقد قالَ تعالى عن المنافقين { و ما يخدعونَ إلا أنفسهم } و يدلُّ هذا على أن المنافقينَ لم يعرفوا اللهَ و لم يُقَدِّروه حق قدره إذا لو عرفوه لعرفوا أنه لا يُخدَع . و جاءَ فى السُنةِ المطهرة ” لا تخادع الله فإنه من يخادِعَ الله يخدعه الله و نفسه يخدعُ لو يشعر . قالوا : يا رسولَ الله : كيف يخادعُ اللهَ قال : تعملُ بما أمركَ اللهُ به و تطلبُ به غيره ” .
و من خداع الله لهم : أن اللهَ سبحانه يُظهِرُ لكلِّ إنسانٍ من مؤمنٍ و منافقٍ نور يوم القيامةِ فيفرحُ المنافقون و يظنون أنهم قد نجوا فإذا جاءوا إلى الصراطِ طُفِئَ نور كل منافق و بَقِىَ فى الظُلمةِ فقد قالَ تعالى { مَثَلُهُم كَمَثَلِ الذى استوقدَ ناراً فلمَّا أضاءتْ ما حوله ذهبَ اللهُ بنورِهِم و تركَهُم فى ظلماتٍ لا يُبْصِرون } و قالَ جلَّ ثناؤه { انظُرُونا نقْتَبِس من نورِكُم قيل ارجِعوا وراءكم فالتمِسوا ناراً فَضُرِبَ بينهم بسورٍ لَّهُ باطِنهُ الرحمة و ظاهره من قبلِهِ العذاب } .
قالَ سبحانه عن المنافقين { و إذا قاموا إلى الصلاةِ قاموا كُسالَى } أى يُصلون مراءاة و هم متكاسلون , لا يرجونَ ثواباً و لا يعتقدون على تركِها عقاباً { يُراءونَ الناس } فلا إخلاص لهم و لا معاملة مع اللهِ بل يقصدون بصلاتِهِم أن يراهم الناس و هم يصلون و لذلك كانوا يتخلفون كثيراً عن الصلاةِ التى لا ُيرَونَ فيها غالباً مثل صلاة العشاءِ و صلاة الصبحِ كما جاءَ فى الصحيحينِ أن رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم قال : ” أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاءِ و صلاة الفجرِ و لو يعلمونَ ما فيهِما لأتوهما و لو حَبواً , و لقد هممتُ أن آمُرَ بالصلاةِ فتُقام ثم آمُر رجلاً فيصلى بالناسِ ثم انطلقَ معى برجالٍ و معهم حزم من حَطَبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرقَ عليهم بيوتهم بالنار ” و قالَ الحافظ أبو يعلى عن عبدُ اللهِ بن عمر قال : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه و سلم ” من أحسنَ الصلاة حيثُ يراه الناس و أساءها حيثُ يخلو فتلك استهانة بها و بربِّهِ عز و جل ” .
يرجعُ السبب فى كسلِ المنافقين فى الصلاةِ إلى أنهم لا يرجونَ بها ثواباً و لا يَخْشَونَ من تركِها عقاباً فقد قالَ اللهُ فى وصفِ المنافقين { و لا يذكُرونَ اللهَ إلا قليلاً } و لعل السبب فى وصفِهِم بتلك الصفةُ الذميمةُ يَرجِعُ إلى أمورٍ منها : –
1 – المراد بذِكرِ اللهِ هنا الصلاة و المعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً لأنه متى لم يكنْ معهم أحد من الأجانبِ لم يصلوا . و إذا كانوا مع الناسِ فعند دخولِ وقتِ الصلاةِ يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أَعْيُنِ الناس .
2 – المراد بذِكرِ اللهِ أنهم كانوا فى صلاتِهِم لا يذكرونَ الله بقراءةٍ و لا تسبيحٍ و إنما كانوا يذكرونه بالتكبيرِ لا غير .
3 – إنهم لا يذكرون الله فى جميعِ الأوقاتِ و أن اللهَ لا يقبله منهم لعدمِ إخلاصِهِم فقد قالَ تعالى { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاءِ و لا إلى هؤلاء } .
{ المذبذب } هو المتردِّدُ بين أمرين , و الذبذبة الإضطراب , ذبذبته فتذبذب و منه قول النابغة :
ألم ترَ أن اللهَ أعطاكَ سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب
و المنافقون متردِّدُونَ بين المؤمنين و المشركين لا هم مخلِصونَ فى إيمانِهِم و لا هم مُصَرَّحُونَ بكفرِهِم و فى صحيحِ مسلم من حديثِ ابن عمر عن النبىِّ صلى اللهُ عليه و سلم ” مَثَلُ المنافق كمثَلِ الشاةِ العاثِرَةِ بين الغَنَمَينِ تعبرُ إلى هذه مرةٍ و إلى هذه أخرى ” و العاثِرة هى المتردِّدَةُ بين قطيعينِ لا تدرى أيهما تَتْبُع و لهذا قالَ تعالى { و من يُضلِل الله فلن تجِدْ له سبيلاً } لأن من يُضْلِل الله فلا هادِىَ له , و من حَكَمَ اللهُ عليه بالضلالِ فإنه يسلُبُ عنه لطفه و يجعلُ صدره ضيقاً حرجاً كأنما يَصَّعَدُ فى السماءِ فتخطفه الطير أو تَهوِى به الريح فى مكانٍ سحيقٍ و يصرفه عن طريقِ جناتِهِ و نعيمِه , و المنافقون الذين أضلهم الله عن سبيلِ النجاةِ لا هادِىَ لهم و لا مُنْقِذ لهم مما هم فيه من الضلال فإنه تعالى لا مُعَقِّب لحُكمِهِ و لا رادَّ لقضائِهِ و هو سبحانه لا يُسأل عما يفعل و هم يُسألون .
و صدقَ اللهُ إذ يقولُ فى شأنِ المنافقين { و ما ظلمناهم و لكن كانوا همُ الظالِمون } .
المنافق أشدُّ خطراً من الكافرِ لأن المنافقَ أمره غير معلوم بينما الكافر أمره معلوم و لذلك فإن اللهَ سبحانه ذمَّ الكفارَ فى أولِ سورةِ البقرةِ فى آيتين و ذمَّ المنافقين فى ثلاث عشرة آية .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

