المواطنة وحقوق الإنسان بين الوعي والتطبيق

التصنيف : دراسات (:::)
منير درويش – سوريا (:::)
رغم كل ما يقال عن حق المواطنة وحقوق الإنسان إلا أن هذه الحقوق لا تجد التطبيق العملي التي تعمل من اجله كثير من المنظمات والجمعيات واللجان التي تبنت الدفاع عنها  كما وردت في المواثيق والوثائق العديدة التي دعت لاحترام حقوق الإنسان والتي صاغتها البشرية منذ بداية التاريخ في الألواح القديمة ، في الشرق القديم أو قانون حمورابي 1750 ق . م ، ووثيقة  صولون 594 ق . م . وقوانين روما القديمة والشرائع المسيحية والإسلامية ،حلف الفضول  في زمن الرسول الكريم و المقولة الشهيرة للخليفة عمر بن الخطاب ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ” هذه العبارة التي جسدت الدعوة للتحرر من العبودية والاضطهاد والاستغلال ، أو في جملة الوثائق التي أعلنتها  الأديان والمعتقدات و الثورات . وثيقة الماغنا كارتا 1215 ، وثيقة الاستقلال الأمريكي ومباديء الثورة الفرنسية ، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1948 وغيرها المئات من الوثائق وما انبثق عنها من دساتير وقوانين تدعو كلها للتآخي والمساواة وحرية المعتقد ومنع التعذيب الجسدي والحروب والاضطهاد بكل أشكاله . لكن كل هذه الوثائق لم تستطع أن تحقق الحد الأدنى مما رغبته في مجال حقوق الإنسان  التي لا زالت تنتهك مع حق المواطنة انتهاكاً صارخاً وبصورة أكبر كلما زادت الوثائق والمنظمات ولا يغير من هذه الحقيقة ما تمتعت به بضعة ملايين من البشر في بعض الدول المتقدمة  من احترام لحق المواطنة بينما بقيت هذه الحقوق في بلدان أخرى تنتهك بصورة فاضحة إما من قبل السلطات والأنظمة الحاكمة أو من قبل طبقات اجتماعية نصبت نفسها حامية للمعتقدات الدينية ، أو فئات اقتصادية وتسلط الأكثرية على الأقليات أو تسلط أقلية بسبب نفوذها على الأكثرية أو حزب سياسي على الأحزاب الأخرى  … الخ .لكنه من المؤسف أنه مهما بلغت هذه الانتهاكات من حدة فهي لا تصل إلى أدنى مستويات الانتهاك التي يتعرض لها المواطنون في البلدان العربية ، وتشمل جميع هذه الانتهاكات وتزيد . لا شك أن هناك تداخلاً بين حق المواطنة وحقوق الإنسان . إن مفهوم المواطنة يتعلق بانتماء  الفرد إلى أرض معينة ومجتمع معين أي الانتماء لهوية محددة التي تشكل التلاؤم بين حق الفرد وحق المجتمع الذي يضمه والتلازم بين هذين الحقين وهذا ما يميزها عن  الإنسان أي إنسان يعيش على أرضه أو خارجها دون أن يكون مواطناً فيها ، وتعرف المعاجم العربية الوطن بأنه  ” المكان الذي ولد فيه الفرد أو أقام فيه ” . وللمواطنة واجب واحد وجملة من الحقوق ، أما الواجب فهو سعي الفرد لتحقيق تقدم وطنه وحمايته من العدوان وتوفير حياة كريمة لسائر أبنائه في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والفكرية ، في العلم والثقافة ، وفي حرية الرأي والتعبير أي ” بذل جهد أكبر من أجل حياة أفضل ” التي تناقض ما يسعى إليه المستغلون والجشعون من مبدأ ” نهب أكبر لرفاهية أكثر ” .  إن اعتماد واجب الفرد نحو الوطن وإقراره في النظم والقوانين هو الذي يجعل المواطنين متساوون بالحقوق وهو الذي يجعل لكل مواطن وظيفة اجتماعية يؤديها تجاه وطنه بغض النظر عن مستواه التعليمي أو الاجتماعي شريطة أن يرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً باحترام حرية الفرد وحقوقه بالدرجة الأولى وتوفير كافة السبل لحماية هذه الحقوق وإتاحة الفرص لممارستها عملياً وبحرية تامة وذلك بتوفر القوانين والأنظمة التي تحمي هذه الحقوق وتصونها لكل المواطنين دون تمييز بينهم ، وتحد من صلاحية الفئات الحاكمة بالتلاعب بمصير المواطنين وحقوقهم كما تمنعهم من صياغة قوانين استثنائية كما يحدث في مختلف الدول العربية ما يؤدي  لتعطيل القانون العام أو إلغائه . وهنا قد يختلط الأمر على المواطنين الذين يطالبون بسيادة القانون دون أن يدركوا أن القانون الذي يطالبون بسيادته هو هذا القانون الذي صاغته السلطة الحاكمة كي تعزز من خلاله سلطتها وليس له علاقة بحماية المصلحة العامة ، وهذا ما يوهم البعض بأن مثل هكذا سلطة لا تحكم وفق قانون بينما في الحقيقة هي تمارس الحكم وفق قانونها الخاص حتى في أشد الأنظمة استبدادية وديكتاتورية . لقد أثبتت التجارب أن انهيار أغلب المجتمعات والحضارات ترافق ترافقاً بيناً عندما أخذت فيه حقوق الإنسان / المواطن تتعرض للانتهاك من قبل السلطات الحاكمة أو ممن لهم سلطتهم التعدي على هذه الحقوق لأسباب متنوعة ذلك لأن هذا التعدي كان سبباً في توقف الإبداع والمبادهات وضعف وتيرة العمل والإنتاج خاصة مع مصادرة حرية الرأي والتعبير والتفكير التي تعني حق الإنسان / المواطن في اختيار الطريقة التي يكًون بها آراءه النظرية والعملية أو المنهج الذي يراه صحيحاً في تناول القضايا المتصلة بحياته أو حياة الجماعة أو المجتمع الذي يعيش  فيه دون أن يكون من حق أحد التعدي على هذا الحق أو محاسبته عند التعبير عنه وإشاعته شفهياً أو كتابياً عبر الرسائل التي يختارها أو يراها مناسبة . وإذا كان للفرد حق الرأي والتعبير وحق اختيار أفكاره ، فإن عليه أن يحترم حق غيره في هذا المجال عندها يصبح الباب مفتوحاً للرأي والرأي الآخر المختلف أو المتفق … الخ . إن البعض يحاول أن يفصل  حق المواطنة وحقوق الإنسان عن السياسة فتبدو كأنها حالة إنسانية تدعو للشفقة والإحسان مثلها مثل الدفاع عن الكائنات الأخرى . إن حق المواطنة وحقوق الإنسان هي قضية سياسية بالدرجة الأولى دون تجاهل أو إغفال للحقوق الأخرى وهذا ما يجعل ارتباطها بالديمقراطية مسألة رئيسية . وهنا يمكن القول أن حق المواطنة يجب أن يعزز القيمة العليا للفرد كإنسان ، قيمة قائمة بذاتها وليس وسيلة لأية غاية أخرى سياسية أو دينية أو قومية . على كل ومهما كانت الظروف لا بد من الدفاع عن حقوق الإنسان والمواطنة بكل الوسائل لبناء وطن قوي محصن ضد الديكتاتورية والاستبداد .
نص مختصر لمقالة طويلة لنا نشرت في  (مجلة أمارجي  ، العدد الثاني تموز وآب 2001  )
” تعني كلمة أمارجي الحرية وقد استخدمت في عام 2380 ق . م في عصر الملك أوروكاجينا في إحدى الممالك السومرية القديمة ( لغش ) وذلك عندما قام هذا الملك بأول انقلاب إصلاحي لرفع الظلم عن شعبه ومكن الحرية لشعب ( لغش  ) ” المرجع العدد الأول من أمارجي  ( الميثيولوجيا السومرية ، وديع بشور )
.