(ذهب مع الريح) رواية أرَّخت للحرب الأهلية الأمريكية!! كيف كتبتها ( مرغريت ميتشيل)!!

التصنيف : فن وثقافة (:::)
بقلم : بكر السباتين* (::::)
طرحت الأخت صفاء عاطف عليَّ السؤال التالي في معرض تعليقها على مقالي الذي نشرته في جريدة صوت العروبة تحت *عنوان:
“كيف تكتب الرواية/ ذلك النهر العميق الذي يتلاحم مع بحر الحياة!!” وأعيد نشره على صفحة رابطة الكتاب الأردنيين منسوباً إلى مصدره :
تسأل صفاء عاطف:
“شكرا على هذه المعلومات المفيده. لكن اريد ان اسأل سؤالاً ” كيف كتبت مارغريت ميتشل رواية (ذهب مع الريح) من النهايه تم البدايه واذا عملت مثلها هل من الممكن ان تنجح محاولتي أم أن هذه الطريقه تختص بها هي الكاتبة!؟ وشكرا.
***
كل الشكر للمثقفة  صفاء عاطف على سؤالها عن الروائية (مارغريت ميتشل) مؤلفة رواية ( ذهبَ مع الريح ). وهي كاتبة أمريكية أبدعت في إعادة صياغة تاريخ الحرب الأهلية الأمريكية بمداد شعبي.. كانت التجربة ملحمة إنسانية أعادت تجميع تفاصيل الحياة الاجتماعية في ظل حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس. ولعل حادث السير الذي أقعدها جاء ليهيئ لها ظروف الكتابة عن تجربة تلك الحرب التي تعرضت لمعالجات عديدة سابقاً ولاحقاً؛ ربما كان من أبرزها رواية الجذور الشهيرة. إن حادث السير الذي ألم بها عرضها لإعاقة مؤلمة تجلت آثارها في البعد الإنساني الشفاف الذي أثرى روايتها اليتيمة ” ذهب مع الريح”.. فقد بقيت على أثر الحادث طريحة الفراش ثلاث سنوات تتوالى عليها العمليات الواحدة تلو الأخرى، افتقد خلالها ذلك الجسد تلك الحيوية والنشاط الذي اعتاده، وأصبحت تقضي الأيام والشهور ليس لديها عمل تشغل نفسها به سوى القراءة، تلتهم الكتب التهاما. فقد عجز زوجها المخلص آنذاك عن الحصول على كتب جديدة لها في المكتبات فما كان منه إلا أن حمل آخر مجموعة من الكتب قائلا لها:” خذي هذه.. إنها آخر دفعة من الكتب .. لم يعد هناك المزيد من الكتب في المكتبات يمكن أن تقرئيـنها”.. ثـم أضـاف مازحا:” لماذا لا تؤلفين بنفسك كتابا؟ .. إليك هذه الأوراق والقلم.
فكانت معجزتها الخالدة ( ذهب مع الريح) .
فأخذت تسري عن نفسها بتنفيذ مشروع روائي ضخم يصور أحداث الحرب الأهلية بين ولايات الشمال والجنوب. و قد استدعى ذلك منها قراءة مستفيضة جدا في المراجع التاريخية والاجتماعية، ووجدت في ذلك الجو العاصف من الوقائع و العواطف مهربا من حياة الركود و الملل و آلام المرض و أوجاعه. وقضت في كتابة فصول الرواية ما بين سنة 1930,1936.
و كانت تتابع الشخصيات و تكتب الأحداث على غير نظام متسلسل، فتكتب فصلا ثم فصلا آخرا، ثم تعود فتعدل في الفصول لتحافظ على التسلسل في النهاية. و لم تكن تحلم بنشر هذا العمل الضخم، و لكن الرواية ما أن نشرت حتى اعتبرت حدثا أدبيا غاية في الأهمية. وفي ذات السياق المتعلق بظروف كتابتها لهذه الرواية نستذكر تجربة الروائية البريطانية الفذة ( أغاثا كرستي) في أول أعمالها حينما شجعتها والدتها إلى الانخراط في تجربة الكتابة أثناء مرضها الطويل لتخرج علينا بزخم روائي قل مثيله في مجال الرواية البوليسية.. ناهيك عن تجربتي الشقيقتين إيميلي وشارلوت برونتلي صاحبتي (مرتفعات وذرنج ) و(جين إير).. أحياناً يبحث اليائس عن فرصة لتحدي الملل والألم للخروج منتصراً بمنجز هام، كالسجين الذي يكتب مذكراته في أقبية السجون، أو كتجربة سيد قطب الذي كتب ( في معالم الطريق) وهو قابع في سجون صلاح نصر إبان حكم جمال عبد الناصر.
ف(مارغريت ميتشيل) راعت قبل الكتابة دراستها لتاريخ هذه الحرب الملعونة.. ثم جعلت تفاصيلها تختلط في ذاكرتها لتخرج شخصيات الرواية من تلك التداعيات المتشرذمة باحثة عن قلب يعبر عن خلجاتها العميقة كي يعيد سرد الحكاية؛ وذلك من خلال علاقاتها البينية التي جاءت وثيقة الصلة بالحرب.. إذ تجلى ذلك بالبوح الذي أخرج تفاصيل الحرب من قلوب ذاقت مرارتها.. فشحنت بها الصراعات الإنسانية في الرواية لتقنع المتلقي بواقعيتها.. ربما ما عانته الكاتبة من ألم المصاب الذي نجم عن حادث الدهس هو الذي أقحمها عالم الحرب لتتعايش مع شخوص حقيقيين آمنت بقضاياهم وكأنهم يشاركونها المبيت في بيتها الصغير.. من هنا جعلت تمارس في كتابتها نفس دور الذاكرة المتشرذمة أثناء كتابة فصول الرواية من خلال فصول متفاوتة مكانياً وزمانياً.
المهم في تجربة هذه الكاتبة الفذة أنها وجدت ضالتها في قضية تؤمن بها!. وللعلم فإن لكل كاتب ظروفه الخاصة للكتابة على أن يمتلك أدوات الكتابة.. المهم إيجاد قضية تلهم الكاتب لخوض التجربة.. الكتابة لا تتأتى إلا بتحريض من قضية ملهمة تدخل الكاتب في حالة من القلق، لتشكل هاجساً سيؤدي في نهاية المطاف لمخاض صعب سينجم عنه ولادة رواية ناجحة! وربما لو اعتنى الكاتب بأدواته ستتبوأ هذه الرواية الوليدة مكانتها لدى القراء، فتؤثر فيهم. وهو  المنتهى لما يريده الكاتب الجاد.
_________________________________________________
رابط المقال المنشور في جريدة صوت العروبة:

كيف تكتب الرواية : ذلك النهر العميق الذي يتلاحم مع بحر الحياة


_____________________________________________
*فلسطيني من(الأردن)
رابط المؤلف:
http://www.bakeralsabatean.com/cms/component/option,com_frontpage/Itemid,1/